مساحة إعلانية
يمثِّلُ كلٌّ من الفضائَين الزمانيِّ والمكانيِّ عمادَي الطرحِ الفنيِّ في كلِّ قوالبِهِ؛ ففضاءُ الزمانِ يُتيحُ للمبدعِ التنقُّلَ بينَ درجاتهِ الثلاثةِ: ماضٍ وحاضرٍ ومستقبَلٍ، كما أنه يُتيحُ فرصةَ خلْقِ فضاءِ زمانٍ تخيُّليٍّ، تسبَحُ فيه ذرَّاتُ النَّصِّ. وبالتوازي مع الزمانِ يُشكِّلُ الفضاءُ المكانيُّ - بتعدُّدِ صُورِه - العمادَ الآخَرَ للبناءِ الفنيِّ.
"فالمكانُ في الشِّعرِ عنصرٌ مهمٌ، لا تخلو منه النصوصُ الشِّعريةُ، غيرَ أنه ليسَ مجرَّدَ إضافةٍ شكليةٍ فارغةٍ من المدلولِ، وإنما أصبحَ يشكِّلُ واحدًا من مفاتيحِ النَّصِّ الشِّعريِّ، الذي يساعدُ على كشْفِ مدلولاتِهِ واستكناهِ أسرارِهِ، مما جعَلهُ - في رؤيةِ النقادِ والمبدعين - زاويةَ النَّصِّ؛ باعتبارِهِ المفتاحَ الأهمَّ للولوجِ إلى فضاءِ النَّصِّ، والوقوفِ على حيِّزِ المعاني، التي يتضمَّنُها النَّصُّ الشِّعريُّ"([1])
بينما "الزمنُ هو عُمقُ الكيانِ، والشِّعر كذلك تحرُّكٌ لكينونةِ صُلبِ نظامِ الكونِ، فبينَ الشِّعرِ والزمنِ تساوُقٌ وقرابةٌ من جهةٍ، كونُ كلٍّ منهما تجسيدًا للوعي بالمنزلةِ؛ (حركةِ الوجودِ) و(طبيعةِ الكونِ)، وهذا ما يسوِّغُ الخوضَ في مسألةِ الزمنِ والشِّعرِ، بوصفِهما مصطلَحَين يختلفانِ شكلاً، ويتحالفانِ كُنهًا، وجوهرًا ووظيفةً."([2])
وفي ديوانِ "سيرة شاعر الربابة"، يتضافرُ الفضاءُ الزمانيُّ والمكانيُّ معًا؛ بصورةٍ يصعبُ فصْلُ أحدِهما عن الآخَرِ، ليشكِّلا معًا أحدَ أدواتِ الذاتِ الشاعرةِ في نقْلِ التجربةِ الشعوريةِ بحمولتِها الجماليةِ، والتي انتقتْ الملمحَ البيئيَّ مفرداتٍ وطقوسًا لخلْقِ زخَمٍ خاصٍّ، يعرِضُ – من خلالِ وعْيه – لسيرةِ شاعرِ الربابةِ، والذي جرَتْ العادةُ أن يُلقِيَ على مسامعِ مُتلقِّيه ملاحمَ الآخَرين، وهو ما يستدعي حضورَ الزمانِ والمكانِ عند إلقائِها، والوعيَ بتنويعاتِهما عند التنقُّلِ بين أجزائِهما، "إنَّ اللغةَ الشِّعريةَ المكتوبةَ هي وسيلةُ نقْلٍ للتأثيرِ من ذِهنِ الشَّاعرِ إلى النَّصِّ المكتوبِ المؤطَّرِ في زمنٍ ومكانٍ معيَّنَين."([3])
والمكانُ بذاتِهِ حدٌّ يُطلِقُ في ذهنِ المتلقِّي دلالاتٍ محمَّلةً بالوضوحِ المباشرِ عبْرَ ما تمثِّلُهُ من حضورٍ في الوعي الجَمْعي، إلا أنه يحملُ دلالاتٍ تستفِزُّها طاقاتُ الشاعرِ الانتقائيةُ؛ لتُضفِيَ على النَّصِّ حضورًا مغايرًا؛ "إن ألفاظَ المكانِ الشِّعريةَ ذاتُ طاقاتٍ جماليةٍ تعبيريةٍ تتجاوزُ دلالةَ الاصطلاحِ إلى البحثِ عن دلالاتٍ ومعانٍ جديدةٍ أكثرَ قدرةً على الإيحاءِ، كما أنَّ حضورَها ذو دلالةِ على خفايا الشعورِ والكشفِ عن علاقةِ الشاعرِ بمحيطِهِ المكانيِّ."([4])
ويتبدَّى لنا وعيُ الذاتِ الشاعرةِ بقيمةِ المكانِ وامتزاجهِ بدلالاتِ الملمحِ البيئيِّ جغرافيًّا، ومعرفيًّا منذُ مطالَعةِ الإهداءِ:
إلى أمي../ صحنِ الدَّارِ، ظِلِّ النُّخيلاتِ، بائعةِ النورِ المتجوِّلةِ/ زارعةِ الفرحِ فيما ورثتْه من غيطانٍ، كانتْ عن أبيها.
إلى عمِّي../ أولِ المؤمنين بي من الرِّجال/ وصاحبي في غارِ الحياةِ الموحِشِ/ يا صاحبي لا تحزنْ إنَّ الشِّعرَ معنا.
فالأمُّ لوحةٌ ريفيةٌ زاهيةٌ بحضورِ الأخضرِ - من خلالِ مفرداتِ: (الغيطان، النخل) – والنورِ، كما أنها تحملُ دلالاتِ الحنوِّ والرحابةِ؛ كونُها: (صحن الدار، وظِل النخلات، وزارعة الغيطان بالفرح). بينما العمُّ الصاحبُ الذي بكَّر وصدَّق ورافَقَ وناصَرَ الشاعرَ في غارِ الحياةِ، في إحالةٍ لتمثيلِ الشِّعرِ والشاعرِ بالرسالةِ والرسولِ؛ هذا الوعيُ استدعَى تصويرَ العمِّ في صورةِ الصدِّيقِ؛ الحواريِّ الأهمِّ في التراثِ الإسلاميِّ.
ولم يكتَفِ الشاعرُ بالإشارةِ إلى المكانِ عبْر تفصيلاتِه؛ بلْ أفردَ له نَصًّا، كان المكانُ بذاتِهِ بطلَهُ الفاعلَ:
شَافني المكان؛/ خبَّا روايح طلِّتِك عنِّي/ خافني أشِمِّك في النَّسيم؛ واشتاق/ شافني المكان/ من بين زحام العاشقين/ زَيِّ السَّنابل في الْغيطان/ طبْطب على كتفي اللي مال/ تحت الحيطان/ يفرِد لي عودي...؛ أنحني/ ينفضني؛ يسقَط ضِحكها/ إكمِنَّها... كانت بواقي من حطام.
والمكانُ هنا حريصٌ على الذاتِ راويةِ النَّصِّ؛ يرَى ويخبِّئُ ويخافُ ويربتُ ويفردُ وينفُضُ، وجميعُها أفعالٌ تدلُّ على احتواءِ المكانِ ووصايتِه العارفةِ بما تفعلُ، في صورٍ متتابعةٍ بين الفِعلِ ورَدِّ الفعلِ، محمَّلةٍ بتراكيبَ مجازيةٍ دالةٍ، يعتملُ فيها عِدَّةُ أفعالٍ تُشيرُ إلى حِراكٍ متبادَلٍ بين الفعلِ ورَدِّ الفعلِ، ومعَ غيابِ حروفِ السببيةِ كالفاءِ ولامِ التعليلِ – وهو ما يناسِبُ طبيعةَ الشِّعرِ التكثيفيةَ – كان لابدَّ من وجودِ فصَلاتٍ منقوطةٍ تُبرِزُ هذا التفاعُلَ.
"ليس ثمةَ وجودٌ بلا مكانٍ، ويستدعي وجودُ المكانِ وجودَ الإنسانِ محورِ ذلكَ الوجودِ، والعاملِ الشاهدِ واقعيًا على مشهدِ الحياةِ، وتتنوعُ الأجناسُ الإنسانيةُ بتنوُّعِ المكانِ، وما يترتَّبُ على ذلكَ التنوعِ من اختلافٍ؛ في المعتقَدِ، واللونِ، والمزاجِ، والسلوكِ، والتكوينِ، إذْ يصطبغُ الإنسانُ بمكانهِ، ويعكسُ مزاجَ بيئتهِ، ومواصفاتِها، ومواضعاتِها، وتركيبتَها النفسيةَ"([5])
وانْ بُكرَة كان للشمس عُمرْ... وكان لنا؛/ تفرِد ضفاير نخلنا الحاني وْتِنام/
على كفي أو خَدّ السما/ على صوت أنين حُزن الربابة المغرَمة/ بَاحكي النجوع والأمكنة/
ع اللي انزرع من دمعياتْ
هُنا نرَى المكانَ؛ لكنْ بصورةٍ مغايرةٍ تقتربُ جدًا بشكلٍ حميمٍ، يتمُّ فيها توسيدُ سعفِ النخلِ الحاني، أو ضفائرِهِ على كفِّ الرَّاوي، ثم تجنحُ للسموِّ بِها؛ لتترُكَ تلك الضفائرَ على وَجَناتِ السماءِ، في صورةٍ مجازيةٍ أجملَ، وأكثرَ رومانسية، مع الحضورِ البيئيِّ البارزِ للمفرداتِ الدالةِ على خصوصيةِ المكانِ: الربابة، النجوع، انزرع.
إنَّ دلالةَ الزمنِ المتمثِّلةَ في المعطياتِ الدالةِ على المواقيتِ المختلفةِ، سواءً باسمِها أو بدلالةِ فِعلِها؛ وقد امتزَجتْ بمفرداتِ المكانِ:
كان قلبي نهار/ لا سماه زيَّنها نجوم الشوق/ ولا قمر الليل كان سُكانه/ ولا كان لي مكان/ على قلب الجرف فـ قلب النيل/ يسمعني بَالُوم ع اللي ارتحلوا/ وأقول كُنا وأقول كانوا
"إن علاقتَنا بالمكانِ تنطوي إذًا على جوانبَ شتَّى ومعقَّدةٍ تجعلُ من معايشتِنا لهُ عمليةً تجاوِزُ قدرتَنا الواعيةَ لتتوغَّلَ في لاشعورِنا. فهناكَ أماكنُ جاذبةٌ تساعدُنا على الاستقرارِ، وأماكنُ طاردةٌ تلفظُنا. فالإنسانُ لا يحتاجُ إلى مساحةٍ فيزيقيةٍ يعيشُ فيها، ولكنَّهُ يصبُو إلى رقعةٍ يضربُ فيها بجذورِه، وتتأصَّلُ فيها هُوَيَّتُه، ومن ثمَّ يأخذُ البحثُ عن الكيانِ والهُوَيَّةِ شكْلَ الفعلِ على المكانِ؛ لتحويلِهِ إلى مرآةٍ ترَى فيها الأنا صورتَها، فاختيارُ المكانِ، وتهيئتُه يمثِّلانِ جزءًا من بناءِ الشخصيةِ البشريةِ: (قُلْ لي أينَ تحيا؛ أقُلْ لكَ مَن أنت)."([6])
فالقلبُ هُنا يحملُ دلالتَي المكانِ والزمانِ معًا؛ إذْ أنَّهُ المكانُ الذي يحوِي العناصرَ المتشيئةَ، السابحةَ في براحِهِ، كما يحملُ دلالةَ الزمنِ باتِّصافِه بالنهارِ، ومن ثمَّ اكتسابُ دلالةِ الوضوحِ، في مقابلِ انسحابِ المكانِ الفيزيقيِّ البيئيِّ المتمثلِ في الجرْف والنيلِ، معَ الإشارةِ لهيئتِه الطاردةِ: (ولا كان لي مكان).
إنَّ "تجربةَ الزمنِ، وفْقَ شروطِ الحِدَّةِ، هي التي تجعلُ الفنانَ بعامةٍ والشاعرَ بخاصةٍ، يَخْبِرُ الحاضرَ كاستمرارٍ للماضي، وكرائدٍ للمستقبلِ، يمدُّ أرجلَ الدقائقِ والساعاتِ والأيامِ، ثم يقلِّصُها، في حِدَّةِ انهماكِهِ، ويتحكَّمُ في الوقتِ بالسهولةِ نفسِها، التي يتحكَّمُ فيها النحَّاتُ بالمساحةِ الزمنيةِ، فيدخُلُ أتونَ المعاناةِ الشعوريةِ الحارةِ والصادقةِ في آن، حيثُ يعيشُ الشاعرُ أو الفنانُ برهةَ النشاطِ الإبداعيِّ الحقيقيةَ، والتي رُبما تقذفُ بهِ خارجَ الزمنِ، خصوصًا حينَ يكونُ الانهماكُ الإبداعيُّ قد بلغَ بصاحبِه أقسى درجاتِ الحدةِ وأقصاها على الإطلاقِ."([7])
جاني في ليلةْ قدْر/ لكن مَكَتْش مقَدَّرة ليَّا/ صوتْ قد تجلَّى ليْ وْنَدَه فيَّا/ يا اللي دَعيت من قلبَك الدايب/ الليلة دي دعوتَك... عبرَت على المَيَّة/ والرَّد فيها انكتب/ لو في الهزيمة غَلَب/ لُه في المحبَّة... نُصّ أمنيَّة/ يا اللي دَعيت باللُّقا/ الليلة دي دعوتَك/ عبرَت هناك وانطوت/ والرد فيها انكتب، لكنُّه عكْس الريحْ/ مكتوب بدون تصريحْ/ واِنْ لم يكون مكتوبْ،/ هاكتب عليه ينكتب/ واِنْ كان حنيني مبني للمجهول،/ الليلة دي يتعرِب/ واِنْ كات سنين الفُرقة قادرة/ تمحي من قلبي غُناه؛/ فَـ انا هالتقيه... داخِل فؤادي/ واغنِّي من بَعدُه معاه
تنتقي الذاتُ الشاعرةُ هنا نقطةً زمنيةً محمَّلةً بهيئةٍ أسطوريةٍ، ذاتِ حمولةٍ معرفيةٍ تكتسبُ ثِقلَها من المقدَّسِ الرسميِّ والشعبيِّ معًا؛ فليلةُ القدْرِ في ذهنيةِ التلقِّي مهرجانٌ سماويٌّ وابتهالٌ أرضيٌّ تتجاذَبُه أحلامُ الدعاءِ والاستجابةِ، ليلةٌ لها ما لها من تجلياتٍ، فتبادَلتْ فيهِ الأفعالُ زمنَها بين ما هو ماضٍ (جاني، تجلَّى، دعيت، عبَرت، انطوت، انكتب)، وحاضرٌ استهلَّ بياء المضارعةِ (ينكتب، يتعرب، تمحي، أغنِّي)، ومستقبلٌ استبدَلَ بـ (سين وسوف الاستقبال) الاستهلالَ بـ (هاءِ العاميةِ): (هالتقيه، هاكتب)، وقد تعالَقتْ هذه الأفعالُ وتواشجتْ؛ والذي يتبدَّى في تنوُّعِ الفاعلينَ بين ضميرِ الغائبِ والغائبةِ، والمتكلِّمِ؛ ليرسمَ صورةً تتماهَى معَ أسطوريةِ الليلةِ وخصوصيتِها، ويجيءُ المكانُ مناسبًا لهذه التجلياتِ:
(عبرت على الميَّة، داخل فؤادي)
ويقولُ (موندريان): "إنهُ في أثناءِ تكثيفِ الزمنِ في الحالةِ الشديدةِ الإبداعِ، يكتشفُ جوهرًا ما، من الذاتِ، يمكِّنُهُ من تجاوُزِ الواقعِ الشخصيِّ الشديدِ الخصوصيةِ، إلى مكانٍ أفسحَ وأرحبَ، يكشفُ فيه عن الحقائقِ المتعلِّقةِ بالطبيعةِ والكونِ وما بينهما من أشياء"([8])
الروح بتحلم بالشطوط؛ اللي تنادي،/ والنِّدا.../ كان بيراودني بْـ زَهو يشبه للجنونْ/ وظني لسَّاه مُحتمل/ يملاني بالخوف والظنون/ وِعْنيّا ما تملكش قُدرة ع البصيرة./ والمصير؛/ بيلاعب الغيب دور قُمار/ يكسب مُحال التجربة/ يكسب سراب الأجوبة/ يكسب ظنوني وكبريائي/ واكتفائي فْـ عِز تسليمي بهزيمةْ/ أمري بالأمر المبين/ بارفع عنيَّا/ واطلق الشوف طير مهاجر/ "حامل ما بين جناحين/ ما قد تيسر من رؤى الياسمين".
ونرَى في هذا النموذجِ تنازُعَ الروحِ بين الظنونِ ومخاوفِها، مع غيابِ البصيرةِ، في ظِلِّ سطوةِ الغيبِ المجهولِ؛ وهو على خصوصيتِه، يتجاوَزُ الفردَ ليرسمَ صورةً جمعيةً متمثِّلةً في الوعي الجَمعي، والذي غالبًا ما يلوذُ بسُلطةٍ أعلى منهُ ومِن مخاوفِه والغيبِ؛ فيرفعُ عينَيهِ لبراحِ السماءِ، في صورةِ طائرٍ محمَّلٍ برؤى البياضِ.
وقدْ لا تأتي صورةُ الزمانِ أو المكانِ بالطبيعةِ الفيزيقيةِ المتعارَفِ عليها، كمحدَّدٍ لهُ إطارٌ ملموسٌ؛ فيكونُ المكانُ مجازيًّا، في صورتِهِ المعنويةِ، ليُضفيَ دلالاتٍ رومانسيةً أعمقَ. أو أنْ يُعلِنَ الزمانُ حضورَهُ بالغيابِ:
من يوم ما نظرتلي العيون التيه؛/ لم يعود قلبي./ صبْر الحبايب ع الحبيب قتَّال/ وانا كل يوم يقتلني ألف ميعاد/ واحزن بحُزن الميتين في القبر/ ع اللي مجاش لو مَرَّة يسأل فيّ
ففي قصيدةِ "سيرة شاعر الربابة" وبعدَ الافتتاحيةِ، ترتدي الذاتُ الشاعرةُ عباءةَ القوَّالِ، وتُقسِّم طرْحها بنفْسِ طريقةِ شاعرِ الربابةِ، ليبدأَ كلُّ مقطعٍ من مقاطعِ السيرةِ بـ (أول كلامي/ تاني كلامي.. وهكذا) في نَصٍّ يتداخلُ فيه الزمانُ والمكانُ، ويتوارَى كلٌّ منهما خلْفَ الصورةِ السلبيةِ أو المنفيةِ؛ فالتيهُ: المُعطَى السلبيُّ للمكانِ، ونفْيُ الفِعلِ (يعود، أو جاء) في إشارةٍ لشغورِ المكانِ، بالتزامنِ معَ الحضورِ المراوِغِ للزمنِ: "ألف معاد" لم يتحقَّقْ منها "ولو مرَّة"
لمْ يعود قلبي./ وكإنه طير... وكإني عِش غريب
التيهُ والغربةُ والغيابُ عناصرُ تضافرَتْ لتَصِفَ حلقةً من حلقاتِ سيرةِ شاعرِ الربابةِ، الإنسانِ، وهي مقدماتٌ لا تُفضي بنا وبالذَّاتِ الشاعرةِ إلا إلى الحُزنِ. فالحبيبةُ التي أخذتْ قلبَه معها؛ جعلتْ قلبَه بغيابِها وحيدًا منكِرًا لمعاني الحياةِ من صخبٍ وزحامٍ، منكِرًا حتى لمرورِ الزمنِ:
تالت كلامي: الوحدة/ والوحدة توب يكسي القلوب وِيْفيضْ/ ولو حوَليَّا ألف زحام/ من دونها قلبي وحيد/ ينكِر زحام كل البَشرْ/ ينكر عيونْ/ ينكر سؤالْ/ ينكر سكوت خَطْوِ الزمن لو طال/ ويطوي فْـ غُربته المواعيد.
ويُسْلِمُنا الحزنُ لمرثيةٍ انتقتْ فضاءَها المكانيَّ الإطارَ طللًا، لترثيَ بنعومةٍ واضحةٍ في انسيابِ الصورِ البصريةِ الرائعةِ، وتنتقلُ من الإطارِ إلى التفاصيلِ (مداين، عتبات، جنينة البيت). بينما يؤطِّرُ الفضاءَ الزمنيَّ جُملةٌ محوريةٌ: (من يوم ما مشيت) يتخلَّلُ البروازَ تفاصيلُ الصورةِ الزمنيةِ: (بيدَّن/ الآن/ الليل)
من يوم ما مشيت وجنينة البيت/ والعنبة الطارحة من خيرك.. بتشقِّر/ علي حيطنا الدايب م الرَّكنة/ من يوم ما مشيت؛/ والحزن مسار/ والفرح اليابس غُصن زَتون/ في طوفان الروح لم يعتر فيه
"ولعلَّ أهمَّ ما يميِّزُ المكانَ، أو توظيفَ المكانِ شعريًا أنَّهُ يقعُ بينَ زاويتَينِ، هُما زاويةُ التشكيلِ الشِّعريِّ، وزاويةُ التأويلِ، وضِمنَ الزاويةِ الأولَى تتشكَّلُ الرؤيةُ المكانيةُ وفْقًا لرؤيةٍ شعريةٍ غالبًا ما يتحكَّمُ فيها الخيالُ، ليمنحَها بُعدًا تأثيريًا جماليًا، وضمن الزاويةِ الثانيةِ، يكونُ لأحاسيسِ المتلقِّي، ورؤيتِه الذوقيَّةِ، وأُسسِه النقديةِ أثَرٌ في صياغةِ تجربةِ الشاعرِ، وبهذا يكونُ المكانُ المدمَجُ في بنْيةِ القصيدةِ منفتِحًا على عالَمِ التخييلِ عند المتلقِّي"([9])
وإمعانًا في تقنيةِ القولِ الشفاهيِّ، كشاعرِ ربابةٍ يحكي؛ تنقسمُ الذاتُ الشاعرةُ وتتوزَّعُ بين راوٍ، وأميرٍ وأميرةٍ، ليحكيَ كلٌّ منهم ما يحرِّكُ الصورةَ المنحوتةَ على جداريةِ الخِتام، وقد اتخذَ الرواي دورَ المترجِم للغمغمةِ والهمهمةِ، ثم يتركُ لكليهما مساحةً لحِرَاكٍ يكسِرُ جمودَ اللوحةِ، وهو ما يفتحُ المجالَ لتنوُّعِ أساليبِ القولِ، فينزَوي الأسلوبُ الخبريُّ التقريريُّ الواصفُ، ليحتلَّ المشهدَ أسلوبٌ إنشائيٌّ متعدِّدُ الصورِ بين الاستفهامِ والاستنكارِ والأمرِ.
ثمَّة شعورٌ بالعدميةِ يُخامِرُ الذاتَ الشاعرةَ، فتنزِلُ عن صهوةِ الأميرِ، وترتدي لسانَ الأنثى الحائرةِ بين محدداتِ الزمنِ: (الماضي، المضارع، المستقبل):
قبل حينْ/ كان ويا ما... نفسي ما يكونشي/ العمر فارش في الضلام بُكرةْ/ والذكرى خايفة تنعي يوم ذِكْرَهْ/ والانتظار مل انتظار الوعدْ/ واللي يحب، مايشتهيش يكرهْ/ ما بيشتهيش ينسل من رَحِم الزمن/ يصبح مَحيض فكرةْ
ليتَّصفَ المكانُ بالعتمةِ، فالمضارعُ/ العمرُ لم يجدْ مكانًا لِغَدِهِ إلا الظلامَ، ليتَّفِقَ معهُ – في امتدادِ الصورةِ – الرَّحِمُ؛ المكانُ المظلِمُ في جوْفِ الجسدِ. العدميةُ التي تفشَّتْ بحضورِ المفرداتِ سلبيةِ الدلالةِ، سواءً بنَفْي المعنَى الإيجابيِّ (نفسي ما يكونشي، ما بيشتهيش) أو بالحضور السلبي: (الخوف/ الملل/ الحيض)؛ ليظلَّ الزمنُ فضاءَ البحثِ الدائمِ عن العشقِ المغاير.
([1]) بنزيتر بن علي، جماليات المكان في ديوان(الزمن الأخضر) لأبي القاسم سعد الله، جامعة بلعباس، موقع إلكتروني، الجزائر، 2014، ص1.
([2]) محمد عياد، ، الزمن والشعر، مجلة علامات، عدد 17. ص3.
([3]) مازن عوض الوعر، اللسانيات والشِّعر، مجلة علامات في النقد، ج52، م13، يونيو2004، ص47.
([4]) ياسر فضل صالح عبد الكريم العامري، جماليات المكان وبناؤه في الشعر العربي الحديث في اليمن (1940 - 2000م)، المركز الوطني للمعلومات، اليمن.
([5]) حافظ محمد جمال الدين، "شعرية المكان والزمان"، مجلة علامات في النقد، يونيو 2004، ص63.
([6]) يوري لوتمان، 1986، مشكلة المكان الفني، ت: سيزا قاسم، مجلة ألف، الصادرة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ع6، ص83.
([7]) سهام القحطاني، "قصيدة النثر في الشعر السعودي"، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي، جدة، عدد 52، يونيو 2004، ص427.
([8]) قصي الحسين، تشظِّي السكون في العمل الفني: (الزمن، الشعر، الصورة)، الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، لبنان، 1998، مج19، عدد92، ص212.
([9]) علي متعب جاسم، ومنى شفيق توفيق، فاعلية المكان في الصورة الشعرية، سيفيات المتنبي أنموذجًا، مجلة ديالى (مجلة إلكترونية) 2009، ص3.
