مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

بين الحلم المؤجل والواقع القاسي .. بقلم :شحاته زكريا

2026-01-12 11:29 AM  - 
بين الحلم المؤجل والواقع القاسي .. بقلم :شحاته زكريا
شحاتة زكريا
منبر

ليس أصعب على الإنسان من أن يستيقظ كل صباح وهو يحمل حلما يعرف أنه لم يمت لكنه أيضا لم يعد قريبا. الحلم المؤجل لا يختفي بل يتحول إلى عبء صامت يرافق صاحبه في تفاصيل يومه، في العمل، في الشارع، وفي نظرة العين حين تخفي أكثر مما تظهر. وبين هذا الحلم الذي ينتظر وواقع يضغط بثقله تتشكل الحالة العامة لمجتمع بأكمله لا يئن بصوتٍ عال لكنه يتألم في صمت .. نحن نعيش زمنا تتقاطع فيه الطموحات الكبرى مع ضغوط الحياة اليومية. الدولة تتحدث عن خطط طويلة الأمد عن مستقبل يبنى بصبر وعن إصلاحات لا بد منها مهما كانت كلفتها. وعلى الجانب الآخر يقف المواطن أمام تفاصيل لا تقبل التأجيل: فاتورة، إيجار، التزامات أسرية، قلق على الغد. الفجوة هنا ليست في النوايا بل في الإحساس فبين لغة التخطيط ولغة المعايشة مسافة تحتاج إلى جسر إنساني يعبره الطرفان.
الواقع القاسي لا يصنعه قرار واحد ولا ظرف طارئ بل هو تراكم سنوات من اختلالات داخلية وصدمات خارجية وعالم لم يعد يمنح الدول النامية رفاهية الخطأ أو التردد. أزمات اقتصادية عالمية اضطرابات إقليمية تضخم يزحف على موائد الناس كلها عوامل جعلت الحياة أكثر صعوبة وجعلت الصبر نفسه اختبارا يوميا. المواطن هنا لا يطلب المستحيل ولا يرفض الإصلاح من حيث المبدأ لكنه يريد أن يفهم وأن يشعر أن ثمن التحمل موزع بعدالة وأن الأفق ليس مغلقا إلى أجل غير معلوم .. الحلم المؤجل في جوهره ليس رفاهية. هو الأمل في حياة مستقرة في عمل يكفي في تعليم يفتح أبواب المستقبل وفي شعور عام بأن الغد وإن تأخر لن يأتي أسوأ من اليوم. حين يتآكل هذا الحلم لا ينهار المجتمع فجأة لكنه يفقد جزءًا من روحه وتتحول الطموحات إلى مجرد محاولات للبقاء. وهنا يكمن الخطر الحقيقي ليس في الغضب بل في الاعتياد على القسوة وفي تطبيع الألم باعتباره قدرا لا يناقش .. في المقابل لا يمكن إنكار أن الدولة تخوض معركة شاقة في توقيت بالغ التعقيد. الحفاظ على تماسك الدولة واستمرار مؤسساتها ومحاولة إعادة بناء اقتصاد قادر على الصمود كلها مهام ثقيلة لا تنجز بالشعارات ولا بالقرارات السهلة. لكن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتها على الصمود بل بقدرتها على أن تجعل هذا الصمود مفهوما ومحتملا لدى الناس. فحين يشعر المواطن أنه شريك في المعركة يصبح التحمل موقفا وطنيا لا عبئا مفروضا.
التوازن المطلوب اليوم ليس بين التفاؤل والتشاؤم بل بين الصراحة والأمل. الصراحة التي تعترف بأن الطريق صعب وطويل وأن النتائج لن تكون فورية والأمل الذي يترجم إلى سياسات تخفف العبء وتحمي الفئات الأكثر هشاشة وتعيد الاعتبار لفكرة العدالة الاجتماعية باعتبارها شرطا للاستقرار لا ترفا مؤجلا فالمجتمع لا يُدار بالأرقام وحدها بل بالإحساس العام بالإنصاف .. بين الحلم المؤجل والواقع القاسي يقف الإنسان المصري محاولا أن يحافظ على توازنه، ألا ينكسر، وألا يفقد إيمانه بأن ما يتحمله اليوم له معنى. هذا الإيمان لا يولد من فراغ بل يُبنى بخطاب صادق وإجراءات ملموسة وشعور دائم بأن أحدا ما يرى هذا التعب ويقدّره. حينها فقط يتحول الصبر من حالة اضطرار إلى اختيار واع.
التحولات الكبرى لا تُقاس بلحظتها بل بما تتركه في النفوس بعد مرورها. وإذا كان الواقع قاسيا اليوم فإن الحلم مهما تأجل.يظل ممكن بشرط ألا يُترك وحيدا في مواجهة القسوة. فالأمم التي تنجح ليست تلك التي لا تتألم بل تلك التي تعرف كيف تحمي أحلام ناسها وهم يعبرون أصعب المراحل.

مساحة إعلانية