مساحة إعلانية
حالة شعرية/ شعورية ، تتدفق من القصيدة، التي تبوح بالكثير، وتواري بين صورها التي تتوارى خلف ستارة شفيفة، وأحيانا كثيفة، لتشعل حراك القصيدة لدى المتلقي / القارئ ، الذي يمارس حضوره وهو يتوغل في عمق المشهد الشعري/ الفكرة/ الرؤى/ الرؤيا ، من خلال ما تطرحه الشاعرة من بوحها، بتلك المشهدية الضامة على الوجع بقوة ، وتبرز من خلال البوابة الأولى للديوان بهذا العنوان الدال " على جناحين يمشي" ، والذي يعبر ، بل يتماهى تماما مع الانكسار ، فهذين الجناحين الذي خلقا للطيران ، والتحليق في الفضاء الرحب ، نجدهما بديلا للقدمين ، فأي انكسار تصنعه تلك الصورة وهذا العنوان الدال ؟.
وتأتي البوابة الثانية" الإهداء" مخضبا بالأمل ، بهذا الإهداء الرباعي الذي يتمسك ، ويبحث ، ويرجو أن يحلق الحلم في فضاء الأمل ، فنجد الإهداء الأول لكل " الأوتار التي ترجو اكتمال اللحن .." ، فهذا النقص في الألحان بتر .
والإهداء الثاني لـ " الأزهار التي تهدي أريجها دونما ظن" فنقاء السريرة اكتمال للحلم، وفيه سكينة للنفس ، وتحليق في فضاء المحبة دون أن يعكر صفوها ظن .
والإهداء الثالت لـ " المطر والضياءات والطير " تلك الثلاثية التي تعزف سيمفونية الحلم بشفافية ، فالمطر نماء وغسيل للروح وحياة، والضياءات فسحة نور تنير العتمة ،والطير تحليق وصفع للانكسار .
والإهداء الرابع يأتي للحلم ، المستقبل ، الامتداد لذا كان بدون رتوش لـ " ابنتي شذا العمر " .
وما إن نتخطى البوابة الثانية ،وندخل في عمق المشهد الشعري فنتوقف طويلا أمام " حالة " تلك القصيدة الباذخة التي لا تتعدى تكوينها الأربعة أسطر شعرية ،وأقل من عشرين كلمة ، ولكنها متخمة بالانكسار
تقول القصيدة/ الحالة:
"ركد الصباحُ عن آخره
ما من حصاةِ تحرِّكه
ما من عصفورِ يقفز فوق غصنه
ربما حتى يكسره" ص 5
عندما يركد الصباح رمز الإشراق والصحو، يجد كله ما حوله راكدا ، حالة من الموات ، فلا يوجد عصفور واحد يقفز فوق غصن هذا الصباح ، أي حراك لهذه الشجرة الراكدة حتى لو أدى إلى كسر الغصن، حتى تشعر هذه الشجرة/ الصباح، بالحياة .
أي انكسار هذا ؟ وأي وجع تجسده تلك الحالة .
إنها قدرة الشاعرة على الاختزال، وغزل المشهد الشعري بأقل عدد من الكلمات بمشهدية دالة .
ونجد هذا الركود أيضا في القصيدة التي تليها مباشرة ،والمعنونة " البيت الأثري " التي ترسم لنا صورة لبيت العائلة العتيق/الأثري ،وما حدث له من هجر ، بعد فقد الأحباب .
فتقول في استهلال القصيدة:
" هذا البيت الأثري يقول نعم
من قال يا أهل الدار
ثم يخبركم أنه كومة ألم
هذا الطبق العتيق فيه فاكهة أمي محنَّطة
ربما تقوم قيامنا معا
وهذا العود التليد يرتجي النغم
ماتت أوتاره إثر غارات العدم
وها أنا هناك
ليس لي ماء الحياة إلا دم
أسيل فوق ركام البدد من جرج عم " ص 6
توالى الصور في المشهد الشعري/ القصيدة : " كومة ألم " ، " فاكهة أمي محنطة " ، "يرتجي النغم " .. الخ
صورة متخمة بالوجع ، وتعزف بقوة على انكسار الحلم ، الذي يحاول أن يبحث عن لحظة انعتاق ،أو بريق ألم وهي تبوح في نهاية القصيدة المكبلة بالوجع ، فتقول مناشدة :
" لا تطرقوا أبواب الراحلين غفلة
قد أعود يوما أفتحها بمفتاح الأمل
وأدلج نحو غرف التمنِّي
أكتب على بوابة الجاه من داخل أمِن " ص7
وتأتي قصيدة " مساءاتُ النهر مرتبكة " التي تتحدث عن الحلم بصيغة الفعل الماضي ، فتأتي " كان " معبرة عن المشهد / الحلم المفقود ، فتقول في مدخل القصيدة:
"تطالع على وجه الماء قمرا
كان ذات هدير يضحك غير خائف من عمق المدى
وراء كل خسوف غياب وعودة
قصة الأمس أغنية
لحن سرمدي عابر للصدى " ص 8
هذا الذي كان بكل ما ترسمه القصيدة من هذا التوهج ، يتحول لمجرد حلم أمام هذا الانكسار/ الوجع ، فتقول في نهاية القصيدة/ البوح :
" من شرفة الحلم أطلَّ يحمل ريشته
يرسم شمسًا
يلوُّح بيده ألا تنتظرني أيها الغائب جبرا
ضع موعدا لا تخلفه القصيدة والضحكة والوردة " ص 8
فأي وجع يرسمه هذا المقطع الدال الحائر بين تلك الثلاثية ( القصيدة والضحكة والوردة؟" .
وما أن نقف على أعتاب قصيدة " بديهيَّات " وندخل بحذر ونحن نشاهد هذا المزيج من التناقض والتمرد والعصيان ، في هذه القصيدة الضامة على الصورة بكثافة ، فيتبدد حلم السكينة أمام هذا التناقض الدال ، مكعبات ثلج أمام شتاء قارس ، وكوب حليب ساخن في مواجهة ظهيرة يوم حار .
وتعبر قصيدة " الهابطون " عن هذا الانكسار من خلال هذه المردة الدالة التي تعبر عن ما طرحته القصيدة من لحظة ضعف وانكسار وهي تقول :
"من أعالي وجدهم
يتركون هيبة الجبل مخافة ضعفهم
يحملون ظهر الحقيقة
يفتشون في عيون الصخر
بين حنايا الرمل " ص10
تلك المواجهة بين السموق / العلو الذي ترمز له الجبال ، والهبوط / الانكسار الذي يرمز له الرمل .
هذا الانكسار هو الذي يسلب الحلم وكما تبوح القصيدة" فيصير الصعود أدنى حلمهم ".
ورغم أن قصيدة"براءة" تمرح في هذا العنوان الدال بتلك العلاقة الانسانية المشتركة ، لكنها تدخلنا دائرة الانكسار في هذه نهاية القصيدة بهذه الوحدة الموجعة ، وهي تبوح في القصيدة :
"فقط أنا وحدي
أُلملمُ طرف شالك
أتلَّفَتُ حولي
أنثُر أنفاسي لهيبا " ص 12
أما قصيدة " الحافلة " بتلك الصورة الكلية التي تصنعها الصور المكثفة والمتتالية لرحلة الحافلة التي تهبط في المكان الخطأ ، بعد رحلة من التيه ، بتلك الغرائبية الموجعة التي ترسمها الصور معبرة عن الانكسار .
" تتمطى كأفعى
تفتنك بلون المسافات الصفراء
تيه عيناك فيها كالصحراء
الأفق ذاهب في غيه
والسم يلبس ثوب الداء
على رؤوس الراكبين ريشة سوداء
ذلك وسم الذين يخافون العودة
وإن نفثتُ فيهم صرخوا
وضع يده على زر الإعلام بالهبوط
لم يدر أنه لا موقف للحافلات " ص14
وتستوي كل الأشياء وهي تغوص في دائرة الانكسار في تلك الومضة الخاطفة "سواء" ، وهي تواجه مصير انكسارها ، فتقول :
يُومئُ بريشة
أو بحجر
كلاهما مهزوم
فلا رسم
ولا تحليق
ولا نقوش تدوم
تمدد على سطح بحيرة استوائية
صرح من قروح ظهره
حتى الماء استقوى " ص 15
وتلك القصيدة الرامزة "أبناء الربّ" المتخمة بالغدر والتي ترمز لوضع طال زمنه، وكثر طغيانه ، فتأتي القصيدة واصفة بمشهدية عبر السطور الشعرية التي ترمي بشرر القضية / الجوهر ، ويأتي ختام القصيدة معبرا عن حالة الانكسار :
"بسم أشجار الزيتون ومكر عاصف
أتربَّص ببقايا بريد باهت
ينبئ أن الجو بارد .. جاف عجبا
وطريفه الطقس أنه يمطر الغدر صيفا " ص17
وتعزف قصيدة "ستايل " على وجع الوحدة/ الانكسار ، بعد أن تصف لنا حالة شعورية /عرية، متخمة بالجمال والسحر وهي تصف هذا الستايل وهي تعبر عن لحظة أنثوية شديدة الخصوصية والجمال ولكنها كالعادة تقر في نهاية الرحلة المتخمة بالجمال والوصف الملابس ، المكياج ، العطر ... الخ ، فتقول في سطر شعري طويل :
" هنا ..صباحا أفتتح الكون بابتسامة لا يراها سواي فنضحك معا " ص 19
وتحمل قصيدة " عيد ميلاد اللوتس " بصمة خاصة وهي تواصل الرحلة " وسط عتمة المشوار " و" لجة التيه " وبين القصيدة ، بل القصائد ، إنها حالة خاصة جدا ،وإن كانت كل القصائد هي من روح كاتبها ،وفيها منه الكثير ، إلا هذه القصيدة فهي تذكر اسم الشاعرة في القصيدة ، وهي تحتفل بعيد ميلادها مبرة عن هذا الفراغ الوسيع حولها ،والوحدة / الانكسار، لذا تقول بعد هذا التيه :
" اليوم أني بألف شمعة ذابت شوقا
أنتظر هديَّتي وردة .... قطرة ندى ... مركبا في بحلا اسمه جيهان " ص21
أما قصيدة " الكبير التي تزف على فلسفة العلو/ السموق بهذا الرمز/ الجبل ، نجدها تهبط سريعا وكأن الانكسار هو القدر :
" نظرتُ لكفِّ الصحراء فانكسر
يتيه العابرون في ظلالي
املأ عيون الليل بالسكون
ننام سويا شاخصين في أحضان الكون" ص23
الديوان عامر بهذا الانكسار الذي تصنعه القصائد الحالة وسط هذا البركان من الصراع بين الوحدة والألم والتيه، بين العام والخاص .
أما قبل :
الشاعرة جيهان لطفي إبراهيم ، ابنة عروس الصعيد ( المنيا) تشكل بروحها الممزوجة بأعلي درجات الإنسانية الحرف ، فيخرج لنا محملا بكل المشاعر الإنسانية المتدفقة بكل تناقضاتها وتقابلاتها واختلافها وصراعاتها كما الإنسان مع الحياة ، نلحظه جليا في ديوانها « علي جناحين يمشي..» الصادر عن دار الأدهم .
يضم الديوان (73) مقطعا قصيرا، تنسجها الشاعرة برمزية شفافة ،بما تمتلكه من ثقافة ، وحُلم يقلق حرفها، ويجعله يتلظي علي جمر الإنسانية التي تمور بداخلها وهي تحاول البحث عن هذا العالم اليوتيوبي المسكون فقط في أحلامنا ، ولا مكان له علي أرض الواقع ، لذا جاءت المقاطع /الحالة ، متخمة بالوجع الإنساني .
هذا الحلم اليوتيوبي الذي يحلق في الفضاء ، وعلي الجبال ، ويبحر ويغوض في الماء باحثا عن لحظة الخلاص ، من هذا الذي يمشي علي بجناحيه متمسكا بالأرض فقط كما يشي العنوان ، ولكن القصائد/ المقاطع ، تتمرد علي ذلك، فيحاول هذا الحلم الصعود ، والطيران ، والغوص باحثا عن لحظة انعتاق من هذا السكون ، الموت، التصحر، الخسوف، الصمت ، السراب ، .. الخ من تلك المفردات التي غزت البيت الشعري ، وبناء القصيدة .
إنها رحلة البحث عن الأمل، الأمل في الخروج من هذا الحصار ، في مواجهة الريح العاتية.
إنها رحلة ماتعة بما تحمله من فلسفة ، واختزال ، لتخرج القصيدة/ المقطع/ الحالة ،متدثرة بتلك الغلالة الرقيقة التي تجعلنا نتوقف قليلا أمام رمزيتها الشفيفة ، ونحن نغوص ونرحل ونقفز ونطير من هذا الحلم الإنساني ، حلم الخلاص من الوجع الإنساني المحاصر والقابض بقوة علي كل ما حولنا من حياة ، وإنسانية.
ديوان يستحق الغوص فيه ، تحية للشاعر الإنسانة المبدعة جيهان لطفي إبراهيم ،ولنا وقفة مطولة مع الديوان بعيدا عن دُكان الكلام .
والديوان يحتاج لوقفة ثانية بما يملكه من ثراء شعري.