مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

قضايانا

المحتوى الفاضح على السوشيال ميديا.. بين حرية الخصوصية وضرورة التجريم

2025-08-21 02:07 PM  - 
المحتوى الفاضح على السوشيال ميديا.. بين حرية الخصوصية وضرورة التجريم
مصباح محمد القربة
منبر

تقرير / صابر جمعة سكر

لم تعد التطبيقات الترفيهية مثل تيك توك و"ريلز" و"يوتيوب شورتس" و"سناب شات" مجرد منصات للمرح وتبادل المقاطع القصيرة، بل تحولت إلى أخطر ساحات لانتشار المحتوى الفاضح. فالأفعال المخلة بالآداب، سواء تم تصويرها برضا الأطراف أو حتى بين زوجين داخل إطار العلاقة الزوجية، ما إن يتم توثيقها حتى تفقد خصوصيتها، لتجد طريقها سريعًا إلى التداول العلني. ومع ضغطة زر، تتحول تلك المواد إلى قنابل رقمية تهدد سمعة الأفراد، وتفكك الأسر، وتهز القيم الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع بأسره.

سؤال قانوني شائك

كلما وقع تسريب لمثل هذه المقاطع، يتجدد سؤال قانوني معقد: من المسؤول جنائيًا؟ هل هو من قام بالتصوير برضاه الكامل؟ أم من قام بالنشر والتسريب؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين الطرفين؟

ثغرات قانونية تسمح بالإفلات

يؤكد الأستاذ مصباح محمد القربة، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، أن الواقع الرقمي أصبح أكثر خطورة مما يتصوره كثيرون، إذ بات التوثيق المصور لأفعال مخلة بالآداب بمثابة "قنابل موقوتة" قابلة للانفجار في أي وقت حال تسريبها أو استغلالها في الابتزاز.

ويشير القربة إلى أن القوانين المصرية – سواء قانون العقوبات أو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات – لا تعتبر التصوير جريمة إذا تم برضا الأطراف وفي مكان خاص، ما دام لم يقع الفعل علنًا. وهنا تكمن الثغرة: التصوير الرضائي لا يُجرَّم، حتى وإن تحوّل لاحقًا إلى أداة للتشهير أو الابتزاز.

المعضلة بين الرضا والتسريب

ويضيف الدكتور إبراهيم حمزة، أستاذ القانون الجنائي الزائر بجامعة السادات، أن هذه الصياغة القانونية تسمح لأحد الأطراف المتورطة بالإفلات من العقاب بحجة الرضا، بينما يظل التركيز منصبًا على الناشر، الذي غالبًا ما يكون مجهول الهوية أو من الصعب إثبات تورطه. والسؤال هنا: كيف يمكن التصدي لتسريب هذه المواد في غياب نص قانوني واضح؟

دعوات لتجريم فعل التصوير

من جانبه، يرى الفقيه القانوني سمير الششتاوي، المحامي بالنقض والدستورية العليا، أن هذا الفراغ التشريعي يمثل بيئة خصبة للابتزاز والفضائح الإلكترونية، ويتيح للمتورطين التملص من المسؤولية. ومن ثمّ، تبرز الدعوات إلى تجريم فعل التصوير ذاته حتى مع وجود رضا مسبق، بل وحتى في إطار العلاقة الزوجية، باعتبار أن حماية الآداب العامة ليست حقًا شخصيًا يمكن التنازل عنه، وإنما هي قيمة اجتماعية عليا يجب صونها.

ويؤكد الششتاوي أن الهدف من هذا الطرح لا يتمثل في التدخل في الخصوصية، وإنما في مواجهة خطورة التوثيق الرقمي تحديدًا، والذي يجعل أي واقعة خاصة قابلة للتداول والابتزاز بمجرد تسريبها.

الحاجة إلى تشريع استباقي

لقد تجاوزت هذه القضايا حدود "الحوادث الفردية" لتصبح ظاهرة اجتماعية تهدد السلم العام. وهنا يؤكد علاء النحاس، نقيب المحامين بجنوب البحيرة، والمستشار محمد مطر، رئيس محكمة جنح مستأنف طنطا سابقًا، أن المشرّع المصري بات مطالبًا بسن تشريع صريح وواضح يجرّم تصوير أو إنشاء أي محتوى مرئي مخل بالآداب، حتى لو تم برضا الأطراف، حمايةً للقيم الاجتماعية وصونًا للأسر من أخطار رقمية تتنامى بوتيرة سريعة.

الأبعاد الاجتماعية والنفسية

من جانبه، يرى الدكتور السيد رزق، أستاذ علم الاجتماع، أن انتشار هذه الظاهرة لا يقتصر ضررها على الأطراف المباشرة فقط، بل يترك آثارًا عميقة على المجتمع ككل، حيث تُضعف الثقة داخل الأسرة، وتزرع ثقافة الخوف من الابتزاز، وتزعزع استقرار العلاقات الاجتماعية.

أما الدكتور حمدي عرقوب  أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس فيشير إلى أن الضحايا غالبًا ما يعانون من اضطرابات نفسية حادة، تبدأ بالقلق والاكتئاب، وقد تصل إلى التفكير في الانتحار، خاصة بين الفتيات والشباب في المدارس والمعاهد، تحت وطأة الضغوط المجتمعية وثقافة الوصم. وتضيف أن المراهقين الأكثر تأثرًا، حيث يفقدون القدرة على التمييز بين ما هو سلوك سوي وما هو خطِر، ويصبحون أكثر عرضة لتقليد هذه الممارسات دون إدراك لعواقبها النفسية والقانونية.

نحو مقاربة شاملة

إن التصدي لهذه الظاهرة لم يعد مسؤولية القانون وحده، بل يحتاج إلى مقاربة شاملة تتضمن: تشريعًا رادعًا، برامج توعية مجتمعية، دعمًا نفسيًا متكاملًا للضحايا، ودورًا فاعلًا للإعلام في ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية.

إن ترك هذه الظاهرة دون مواجهة تشريعية ومجتمعية حاسمة يعني فتح الباب لانفجارات أخلاقية متكررة تهدد استقرار المجتمع من الداخل. والمطلوب اليوم أن يتعامل المشرّع والشارع مع هذه القضية باعتبارها معركة وعي وأمن اجتماعي، لا مجرد وقائع فردية عابرة. فإما أن نواجهها بوعي وقوة القانون، أو نتركها تتحول إلى وباء رقمي يلتهم قيمنا وأسرنا.

مساحة إعلانية