مساحة إعلانية
مقدمة
حين يكون الإبداع ممزوجًا بالإنسانية، وحين يلتقي الشعر بالموقف، فإننا أمام تجربة تستحق التوقف عندها. شاعر لا يكتفي بأن يكون صدى لما حوله، بل يصنع صوته الخاص، يلامس القلوب، ويهز الوجدان بكلماته الصادقة التي تحمل همّ الإنسان والوطن. إنه الشاعر ناصر صلاح، أو كما يُعرف بـ "حرفوش المجذوب"، صاحب المسيرة الطويلة في الإبداع والعمل الثقافي، الذي لم يكن يومًا مجرد شاعر يكتب، بل صاحب رؤية ومسؤولية أدبية تجاه قضايا مجتمعه.
من رئاسته لنادي أدب المطرية إلى إشرافه على ملتقيات ثقافية وصحف أدبية، ومن دواوينه المتعددة التي توثق مشاعر الإنسان في الحب والغربة والمقاومة، إلى مبادراته الإبداعية اليومية مثل منشورات "ربع سطر" التي تحوّلت إلى ملمح خاص به، والتزامه بالتاريخ الهجري في تدوين كلماته، كل ذلك يجعلنا أمام شخصية أدبية متفردة، تبحث دائمًا عن الجديد في الشكل والمضمون.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من عالم ناصر صلاح، ونغوص في تجربته، ونتعرف إلى كواليس حلقات المسحراتي التي قدمها لسنوات، وتفاعل الجمهور معها، ولماذا توقّف عنها مؤخرًا؟ كيف يرى الشعر اليوم؟ وما الذي يحمله المستقبل له ولإبداعه؟
البداية والمشوار الأدبي
* لكل مبدع لحظة بدأ فيها طريقه نحو الكتابة، كيف كانت بدايتك مع الشعر؟ ومن كان له التأثير الأكبر على مسيرتك؟
** كانت البداية من الصف السادس الابتدائي، عبارة عن خواطر فصيحة لم تعد في الذاكرة.
كثيرون كان لهم هذا التأثير، ذكرتهم وما زلت أذكرهم في حلقات "خطوات على طريق الإبداع"، لكن هناك أوائل ساهموا في دخولي إلى ساحة الشعر، منهم جدي لأمي رحمه الله، ثم مدرس اللغة العربية بالمرحلة الإعدادية، ثم الكاتب مصطفى أمين، والمبدع العربي الكبير د. سليم سعيد، والصحفي المفكر اللامع محمد القدوسي، وشقيق الروح والدرب أستاذي المبدع الكبير وحيد الدهشان، ثم يأتي بعدهم كثر لكن بدرجات متفاوتة.
* اشتهرت بلقب "حرفوش المجذوب"، ما قصة هذا اللقب؟ وكيف يعكس روح تجربتك الأدبية؟
** كلما تذكرت هذا الأمر أكاد أسقط من الضحك، فقد بدأ كطرفة لكنها صارت جادة وحادة.
في مطلع التسعينيات، كنت أتجه إلى عملي مترجلًا خلف مسجد الفتح، وإذا برجل أشعث أغبر، حافي القدمين، ممزق الثياب، يقول للناس كلاما لااحد يستطيع ان يقوله فيهرب الناس من أمامه.. كان واضحًا أنه من المجاذيب. فقررت الاقتراب منه، وعندما قال كلامه ، جبرت بخاطره وقلت: "صح"، فانقلب وجهه العبوس إلى ضحكة سمعها من على بعد كبير منا.
عندما تركته، تدبّرت اللحظة.. هذا الرجل يقول ما في نفسه دون أن يحاسبه أحد لحالته، وبدأت أتقمصه في قصائدي اللاذعة الساخرة، وأسميتها "من أغاني حرفوش المجذوب"، وبدأ المبدع الصحفي الورداني ناصف رحمه الله يلقبني بـ*"حرفوش المجذوب"*، وصارت كل قصائدي تحت هذا المسمى، وكذلك دواويني.
نجحت هذه التجربة لكونها جمعت بين السخرية والجرأة، والعجيب أن أول من أشار عليّ بكتابة العامية كان مصطفى أمين، قائلًا: "أنت ساخر، والعامية سلاحك".
* تنوعت كتاباتك بين الشعر العامي والفصيح والنثر والقصة، هل ترى نفسك في أحد هذه الأشكال أكثر من غيره؟ ولماذا؟
** بالطبع الشعر العامي، لأنه يمنحك براحًا في الاتصال بالبسطاء، ولأنه نابع من واقع الشوارع والحارات. أما الفصحى، فهي الأم الوقورة، لها طلتها، لذا لا أكتبها إلا إذا منحتني معاني جديدة وصورًا بكرًا.
حتى القصة، عندما كتبتها، كانت تحمل من الواقع والسخرية روح الشعر.
أما النثر، فأكتبه في بعض المقالات عن الأصدقاء والنصوص، لكنه قليل جدًا.
التجربة الثقافية والإبداعية
*ترأست نادي أدب المطرية أكثر من مرة، وأشرفت على العديد من الملتقيات الأدبية والصحف، كيف أثّرت هذه التجربة على رؤيتك للأدب والمبدعين؟
** أن تكون مسؤولًا وتلزم نفسك بمبادئ وخطوات تحاول من خلالها التوازن قدر الإمكان، فهذا يعني أنك ستخوض معارك أدبية أو شخصية للأسف، وهذا ما كان يدعوني للصمت والعزلة فترات كبيرة. ومع ذلك، قدمنا الكثير من خلال تلك المسؤوليات، بمساعدة المخلصين. ففي نادي الأدب، بشهادة المسؤولين، كان من أفضل نوادي الأدب، بما قدمناه من ضيوف جدد، وموضوعات غير مستهلكة، ومستوى متميز لأعضاء النادي.
أما تجربة "ملتقى الوعد الأدبي" (أدب المقاومة)، فقد قدمنا من خلالها عشرات المبدعين الكبار والشباب، وعشرات الكتب المجمعة والشخصية لقامات مبدعة. وقِس على ذلك الصحف التي شاركت في الإشراف على صفحتها الأدبية والسلاسل الإبداعية.
*حضرت العديد من المؤتمرات الأدبية داخل مصر وخارجها، كيف ترى دور المؤتمرات في دعم الإبداع؟ وهل وجدت فرقًا بين المشاركة المحلية والدولية؟
**عندما يُخصص المؤتمر للإبداع فقط، تكبر فائدته، وعندما يكون المسؤولون عنه مبدعين، تكثر الفائدة وتكبر نسبة نجاحه، سواء كان محليًا أو دوليًا.. وقلّما يحدث هذا.
* كتبت عن رحلتك إلى طهران في كتاب "رحلة واحدة وسبع طائرات"، ما الذي دفعك لكتابته؟ وكيف أثّرت هذه الرحلة على رؤيتك السياسية والثقافية؟
**الضحك هنا "للركب" كما يقولون.. تخيلي أنني كنت أسجل كل لحظة وموقف في "بلك نت"، ثم فقدته عندما عدت من الرحلة! وبدأت أجتهد في استرجاع بعض اللحظات والمواقف، فوجدت كأنني كنت في مسرحية هزلية، وكانت حالتي المزاجية عجيبة. وعندما بدأت أسجل بعضها على الفيسبوك، نصحني صديقي المبدع مجدي عبد الرحيم رحمه الله بطبعها في كتاب، فراقت لي الفكرة.
تخيلي واعجبي.. الرحلة كانت عام 2006، وبدأت الكتابة عنها 2009، وطبع الكتاب 2019!
في الحقيقة، لم تؤثر كثيرًا، فقد ظللت على رؤياي الثقافية والسياسية التي مكنتني من عبور مطبات هذه الرحلة.
الإبداع والتفاعل مع الجمهور
* قدمت حلقات "المسحراتي" على مدى سنوات، وكانت تحظى بتفاعل كبير، ما الذي دفعك إليها؟ ولماذا توقفت عنها؟
** الحلقات لم تتوقف، لكنها فقدت وهجها بعد ما حدث لمواقع التواصل من تضييق على المحتوى الجاد.
"المسحراتي" كانت فكرة صديق اسمه سمير أبو السعود، قالها لي منذ سنوات طويلة، ولم ألتفت إليها إلا عام 2016، فوجدت أنني قادر على تقديمها بشكل مختلف، عبر كتابة حلقات بأسلوب "المقامة" أو "الرباعيات" تتناول قضايا سياسية واجتماعية وأدبية بطابع ساخر.
قدّمتها أربع سنوات متتالية، وكانت لها أصداء طيبة، لكني وجدت أن الجمهور بدأ يميل للسطحية، ففضلت أن أتوقف عنها مؤقتًا.
* من المبادرات التي تميّزت بها أيضًا "ربع سطر"، حيث كنت تكتب مقاطع أدبية قصيرة يوميًا، كيف جاءت الفكرة؟ وكيف ترى تأثيرها؟
** جاءت بالصدفة! كنت أكتب "حكمة" يوميًا على الفيسبوك، ثم وجدتني أكتفي بـ"ربع سطر"، وكان لهذا أثر كبير عند المتابعين، حتى أن بعضهم طلب جمعها في كتاب. لكنني فضّلت أن تبقى كما هي: مجرد نبضات سريعة تصل بلا تكلف.
* استخدامك للتاريخ الهجري في تدويناتك اليومية لافت للنظر، ما السبب وراء هذا الاختيار؟
**ببساطة، لأنني أكره التغريب الذي يُفرض علينا، ولأن الهجرة حدث عظيم يمثل نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، وأحببت أن أُذكّر نفسي والناس به دائمًا.
* كيف ترى دور وسائل التواصل الاجتماعي في دعم الشعر؟ وهل أفادت تجربتك أم أثّرت عليها سلبًا؟
** هي سلاح ذو حدين.
في البداية، كانت وسيلة رائعة للتواصل مع جمهور واسع، ومتابعة إبداعات الآخرين بسهولة. لكنها مع الوقت تحوّلت إلى ساحة للسطحية والمجاملات، ولم يعد التفاعل الحقيقي كما كان.
للأسف، أصبحت الكتابات الجادة لا تحظى بالاهتمام الكافي، بينما تكتسح التريندات السخيفة الساحة!
الشعر والمجتمع
* كيف ترى حال الشعر اليوم؟ وهل تعتقد أن هناك أزمة في التلقي؟
** الشعر موجود دائمًا، لكن الأزمة في الذائقة العامة، حيث أصبح الجمهور يميل إلى الخفيف والسريع.
المشكلة أن الإعلام لم يعد يهتم بالشعر الجاد، بل يروّج لنماذج سطحية، مما يجعل المبدعين الحقيقيين يعانون في الوصول إلى الجمهور.
* كتبت عن قضايا مختلفة مثل الغربة، الحب، المقاومة، أي القضايا الأقرب إلى قلبك؟
** كل القضايا قريبة مني، لكن الغربة لها مساحة خاصة، ربما لأنني عايشتها بشكل أو بآخر، سواء الغربة عن الوطن أو غربة الفكرة وسط مجتمعات لا تفهمها.
* هل ترى أن الشعر لا يزال قادرًا على التأثير في الواقع كما كان قديمًا؟
**نعم، لكنه يحتاج إلى مساحات عرض حقيقية، وأن يُقدَّم في شكل مُشَوِّق يتناسب مع العصر.
الشعر ما زال قادرًا على التغيير، لكن المشكلة أنه يُهمَّش عمدًا لصالح أنماط أخرى من الفنون.
*ماذا تقول للشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالم الشعر؟
**أقول لهم:
اقرأوا كثيرًا، لا تتعجلوا النشر، لا تنخدعوا بالمجاملات، ولا تتوقفوا عن التطور.
والأهم: اكتبوا بصدق، لأن الصدق هو الذي يبقى.
* لو كان بيدك أن تغيّر شيئًا في المشهد الثقافي المصري، ما هو أول شيء ستبدأ به؟
** إنهاء الشللية والمصالح الشخصية بين المسئولين من الأدباء وانهاء التفرقة طبقا للأيدلوجية الفكرية والسياسية وإنصاف الإبداع مهما كانت شخصية صاحبه وهذا ما كنت اقوم به عند تولي أية مسئولية أدبية.
أسئلة سريعة
* لو عرّفت نفسك بجملة واحدة، فماذا ستقول؟
**حرفوش المجذوب
*. ما أقرب قصيدة لقلبك من أعمالك؟ ولماذا؟
**كتيييير جدا لأنهم بالفعل تجارب واشجان سواء مكسوف ووشي في الأرض منك أو وفاء إدريس أو قطر الصعيد أو تابور الموت أو قصائد الرومانسية.
*. متى يكون الشاعر ناصر صلاح في أفضل حالاته للكتابة؟
** ليس هناك وقت أو حال معين. المشكلة أنني لا أحب الصنعة، ولا أكتب إلا إذا ألح القلم والإحساس على. ولي مقطع أصف فيه هذا الوضع..
شاعر أنا
والشعر حزني وفرحتي
والشعر شمسي وضلتي
يوم باتولد
يوم باتحرق
ساعة يكون اليأس أقوى من الجلد
ساعة أصبر وأرجع وأتوب
ويجيني من فوق المدد
*ما الكلمة أو العبارة التي تكررها كثيرًا في حديثك أو كتاباتك؟
** في الحياة عمومًا أحب أن أنادي الجميع بحبيبي، ودائمًا أردد كلمة "أرزاق" فكل خطوة رزق.
في الأدب ليس لي عبارة أو كلمة معينة، لكن أحب الطبيعة والزهور، وربما أكثرت بعض الشيء منها.
* قصيدة تمنيت لو كنت كاتبها؟
**لا أحد يكتب نص الآخر ولو بالتمني، فلكل بصمة خاصة، كما يقول المبدع ياسر أنور.
لي بصمة في الشعر مثل أناملي،
فاقرأ قصيدي كي تعيش بداخلي.
لكن هناك نص يتغلغل داخلك، ومثل هذا كثير، كـ"أنا متعب بعروبتي" لنزار، و"بقايا أمل" للدكتور سليم سعيد، و"جيفارا" لأحمد فؤاد نجم، و"بدر أصابه الخسوف الكلي" لجابر قميحة، و"الشعر ليس الفيل" و"بنت السماء" لمحمد يونس، وغيرها كثير.
* لحظة في مسيرتك لا تُنسى أبدًا؟
**عندما جاءني الشاعر الكبير وحيد الدهشان بنسخة من ديواني الأول، كانت فرحة عارمة، وكذلك يوم انتهيت من كتابتي عن قصيدة المبدع د. سيد يوسف "الطرق على نحاس القلب"، فقد كانت من أجمل ما كتبت.
تلغراف
*إذا طلبنا منك إرسال "تلغراف" إلى شخص ترك أثرًا طيبًا في حياتك، وكان له دور في تشكيل رحلتك الإبداعية أو الإنسانية، لمن ستوجه الرسالة؟ وماذا ستقول له؟
**لكل من تعلمت منه وما زلت أتعلم، وكل من استمتعت بإبداعه، وكل من أشاد أو انتقد، أقول لهم جزاكم الله خير الجزاء، وقبلهم جميعًا أخي الحبيب وأستاذي وشقيق الدرب وحيد الدهشان.
في ختام هذا الحوار، نجد أنفسنا أمام شاعر يحمل بداخله روح الحكيم والمقاوم والمجذوب، مبدع لم يتخلَّ عن رسالته رغم كل العوائق، وظلّ وفيًا للكلمة الصادقة والموقف الحر.
شكرًا للشاعر ناصر صلاح على هذا الحوار الممتع، ونتمنى له المزيد من الإبداع والتألق.
