مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

القصر الكبير تكتسي بحليتها الجديدة بعد الفيضانات بقلم: أحمد عبده طرابيك

2026-03-11 01:16 PM  - 
القصر الكبير تكتسي بحليتها الجديدة بعد الفيضانات بقلم: أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك
منبر

عادت الحياة مرة أخرى إلى مدينة القصر الكبير في ثوبها الجديد بعد أن هجرها سكانها وصارت مدينة أشباح خالية من السكان إثر تعرضها لفيضانات عارمة في أواخر يناير 2026، حيث عاشت المدينة أوقاتًا استثنائية بسبب تساقط الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب الأنهار وإطلاق كميات إضافية من المياه من السدود الممتلئة، مما تسبب في غرق منازل وغمر الطرق وإغلاق معظم مداخل المدينة. وقد أعلنت السلطات المحلية حالة التأهب القصوى، واتخذت إجراءات احترازية شملت إخلاء 13 حيًا سكنيًا. وتحوّلت المدينة في هذه الفترة إلى ما يشبه مدينة أشباح، بعد إجلاء نحو 180 ألف مواطن، يشكلون نحو 70% من سكانها وإغلاق المحال التجارية وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية. كما أُوقفت الدراسة في إطار خطة مواجهة تداعيات الكارثة الطبيعية. 
      تقع مدينة القصر الكبير، شمال غرب المملكة المغربية، في وادي نهر اللوكوس، وتعبد حوالي 143 كيلو مترًا عن العاصمة الرباط، 137 كيلو مترًا عن مدينة فاس، 84 كيلو مترًا عن مدينة طنجة، وهذا الموقع جعلها نقطة وصل استراتيجية بين أهم مدن المملكة المغربية. حيث تربطها بهذه المدن إلى مدن وجدة والدار البيضاء ومراكش خطوط السكك الحديدية. ويتميز مناخ المدينة وما حولها من مناطق بالاعتدال، متأثرًا بالمحيط الأطلسي، وهو ما جعلها مركزًا زراعيًا مهمًا. وقد أسهم بناء سد وادي المخازن في زيادة الأراضي الزراعية والحدّ من مخاطر الفيضانات التي كانت تحدث بشكل تقليدي. 
      الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة القصر الكبير جعلها تتمتع بميراث حضاري فريد يعكس تعاقب الحضارات العديدة التي مرت عليها. فقد كانت المدينة تُعرف في العهد الروماني باسم أبيدوم نوفوم، وذلك بعدما استوطنها الرومان، وقبلهم الإغريق والقرطاجيون. وترتبط مدينة القصر الكبير بأحد أهم الأحداث المهمة في تاريخ المغرب، إذ شهد محيطها يوم 4 أغسطس 1578 معركة الملوك الثلاثة، التي انتهت بانتصار المغاربة ومقتل ملك البرتغال سيباستيان الأول. فقد وقعت المعركة عندما حاول ملك البرتغال سيباستيان الأول بالتعاون مع السلطان المغربي المخلوع محمد المتوكل الإطاحة بالسلطان أبي مروان عبد الملك واستعادة الحُكم في المغرب. إلا أن الجيش المغربي، الذي بلغ عدد فرسانه نحو خمسين ألفًا، ألحق بالقوات الأسبانية هزيمة قاسية. وانتهت المواجهة بمقتل القادة الثلاثة "السلطان عبد الملك، السلطان المخلوع محمد المتوكل، ملك البرتغال سبستيان الأول"، وهو ما منح المعركة تسميتها الخالدة عبر التاريخ. 
     ويعود تاريخ القصر الكبير إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، إذ كانت حينها مستعمرة فينيقية، وذلك بسبب موقعها الإستراتيجي بمحاذاة نهر اللوكوس، ما أهلها لتكون مركزًا تجاريًا نشطًا منذ مراحل مبكرة. وخلال العهد الروماني، كانت تُعرف المدينة باسم "أوبيدوم نوفوم"، وأصبحت واحدة من سبع مدن مغربية يعود تاريخها إلى فترة ما قبل الإسلام. كما دلّت الرسومات البدائية المكتشفة في الكهوف والملاجئ الجبلية المجاورة على وجود استيطان بشري منذ العصر الحجري الحديث. ومع مطلع القرن الثامن الميلادي، تطوّرت المدينة الإسلامية فوق الموقع القديم على يد قبيلة كتامة، وحملت تسميات متعددة من بينها "سوق كتامة" و"قصر عبد الكريم الكتامي"، قبل أن يستقر اسمها النهائي على القصر الكبير. وفي العصور الوسطى، عرفت المدينة مرحلة ازدهار لافت في عهد دولة الموحدين، لا سيما في زمن الخليفة يعقوب المنصور، الذي بنى أسوارها، وجدّد المسجد الأعظم، وأنشأ الحمّامات العامة. وفي العهد المريني، تعزّز الدور الديني والعلمي للمدينة بتشييد المدرسة في عهد السلطان أبي الحسن. وفي القرن الثاني عشر، أُحيطت المدينة بأسوار بلغ ارتفاعها ستة أمتار وعرضها مترًا واحدًا، ما منحها طابعًا دفاعيًا قويًا. إلا أن هذه الأسوار تعرضت للهدم في القرن السابع عشر بأمر من السلطان إسماعيل بن الشريف. 
      خضعت القصر الكبير للاحتلال الأسباني عام 1911، وأُعيد تنظيمها لتكون حامية عسكرية. وخلال فترة الاستعمار الأسباني ما بين عام 1911 ووعام 1956، أُطلق عليها اسم "الكازار كيبير"، كما شُيدت مدينة جديدة بمحاذاتها، وأُنشئت ثكنات عسكرية ومستشفى مدني ومحطة للسكك الحديدية تربط بين مدينتي طنجة وفاس. كما وُضع عام 1923 مخطط عمراني لتوسعة المدينة نحو الشمال والغرب، أسفر عن نشوء أحياء جديدة، من بينها المسيرة الخضراء والأندلس. وبعد استقلال المغرب عام 1956، استعادت القصر الكبير اسمها الأصلي، محافظة على تاريخها وهويتها الثقافية. 
      تركت الحضارات المتعاقبة على مدينة القصر الكبير تراث حضاري كبير، إذ تشتهر المدينة بأسواقها التقليدية ومصانع النسيج وأضرحة الأولياء. ويحتل المسجد الأعظم الذي يقع في حي باب الواد، مكانة محورية ضمن معالم المدينة، إذ يعود تاريخه إلى عهد الأدارسة في القرن الحادي عشر الميلادي، ويتميز باحتوائه على نقوش رومانية، ما يجعله شاهدًا على تداخل الحضارات. وقد خضع المسجد لعملية ترميم شاملة بين عام 1986 وعام 1992، ليصبح نموذجًا فريدًا للعمارة الإسلامية المغربية. كما تضم المدينة العديد من المساجد التاريخية الآخري مثل مسجد "سعيد، السويقة" سيدي يعقوب، مسجد البناتي (صومعة البنات)، الذي لم يتبقَّ منه سوى صومعة بارتفاع عشرة أمتار"، إلى جانب الأضرحة، ومنها ضريح مولاي علي بوغالب وضريح للا فاطمة الأندلسية، ومزار "سبعة رجال" بمقبرة سيدي الخطيب، وهو مقبرة جماعية يُعتقد أنها تضم مجاهدين من الأندلس أو شهداء معركة وادي المخازن. 
      ما زالت القصر الكبير تحتفظ بأجزاء من أسوارها التاريخية التي تعود إلى عهد دولة الموحدين، وقصر غيلان، وبرج دون سيباستيان. وعلى بعد نحو عشرة كيلومترات من المدينة، يقع سد وادي المخازن، الذي أطلق عليه الملك الراحل الحسن الثاني هذا الاسم تخليدا للمعركة التاريخية. وتبلغ سعته التخزينية نحو 773 مليون متر مكعب، مما يجعله سادس أكبر سد في المغرب، ويلعب دورًا محوريًا في دعم الموارد المائية والأنشطة الزراعية بالمنطقة. 
      أظهرت الحكومة المغربية استجابة سريعة للتصدي للكوارث الطبيعية خلال الفيضانات التي اجتاحت مدينة القصر الكبير، فقد سخّرت الحكومة وسائل النقل العامة سواء القطارات أو الحافلات من أجل عودة السُكان إلى منازلهم. بعد أن كانت قد استعانت بقوارب صغيرة ومروحيات لإجلاء المواطنين من الأماكن المتضرّرة، إذ لجأ الناسَ إلى أسطُح المنازل سواء في مدينة القصر الكبير أو في إقليم سيدي قاسم، ثم قامت المروحيات باجلاء أكثر من 10 آلاف شخص. وقد خصّصت الحكومة المغربية 300 مليون دولار لدعم المتضرّرين، كما أطلقت برنامجًا لدعمهم؛ حيث تقرّر صرْف مساعدات مالية مباشرة تصل إلى ستة آلاف درهم "حوالي 657 دولار" لكل أسرة، فضلاً عن دعم مالي بقيمة 15 ألف درهم "حوالي 1,640 دولار" لتأهيل المساكن والمحال التجارية الصغيرة المتضررة، بالإضافة إلى مبلغ 140 ألف درهم "حوالي 15,330 دولار" لإعادة بناء المساكن المنهارة بسبب الفيضانات. كما شرعت السلطات المحلية بمدينة القصر الكبير في توزيع مساعدات عينية، تشمل حصّة من المواد الغذائية الأساسية على المواطنين الذين عادوا إلى منازلهم. 

مساحة إعلانية