مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

محافظاتنا

الشقة باسم الزوجة والحق للزوج: حكم يهزم الصورية

2026-02-08 04:37 PM  - 
الشقة باسم الزوجة والحق للزوج: حكم يهزم الصورية
حكمت المحكمة
منبر

تقرير  / صابر جمعة سكر
لا تُقاس العدالة بكثرة الأوراق ولا بجمال الصياغات، بل بقدرة القضاء على اختراق الشكل والوصول إلى الحقيقة. هذا المعنى تجسّد بوضوح في الحكم الصادر عن محكمة جنوب دمنهور الابتدائية، الذي أسقط صورية عقد بيع شقة حُرر باسم الزوجة، وأعاد الملكية إلى الزوج بوصفه المشتري الحقيقي الذي سدد كامل الثمن من ماله الخاص.
الحكم لا يمثل مجرد فصل في نزاع أسري، بل يؤسس لاتجاه قضائي بالغ الأهمية في منازعات الملكية داخل نطاق العلاقات الزوجية، حيث تختلط الثقة بالعاطفة، وتغيب الحسابات القانونية الدقيقة، لتظهر الصورية لاحقًا كأداة للخصومة لا كوسيلة للتيسير.
الصورية ليست حيلة مشروعة
يخطئ من يظن أن تسجيل العقود باسم الغير، بدافع الثقة أوخ حسن النية، يُنشئ حقًا مطلقًا لا يجوز المساس به. فالصورية – في صورتها النسبية – تظل تصرفًا شكليًا يخفي حقيقة قانونية مغايرة، ويظل القضاء مختصًا بكشفها متى قام الدليل على أن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين لم تتجه إلى نقل الملكية.
وقد انحاز الحكم إلى هذا المفهوم، مؤكدًا أن سداد الثمن من مال الزوج، واقتران ذلك بظروف التسخير والوكالة المستترة، يُسقط قرينة الملكية المستمدة من ظاهر العقد، ويعيد الاعتبار للحقيقة الواقعية.
الوكالة المستترة… من الثقة إلى الخصومة
الوكالة المستترة أو “التسخير” تظل من أكثر المفاهيم القانونية التصاقًا بالواقع الاجتماعي المصري، خاصة داخل الأسرة الواحدة. فكم من تصرفات تُبرم باسم الزوجة أو أحد الأقارب بدافع التيسير أو الثقة، دون إدراك أن هذه الثقة قد تتحول – عند أول نزاع – إلى مركز قانوني معادٍ لصاحب الحق.
ما يُحسب للحكم محل التحليل، أنه لم يكتفِ بالإقرار النظري بجواز إثبات الوكالة المستترة، بل فتح باب الإثبات على مصراعيه، معتبرًا أن طبيعة العلاقة الزوجية قد تحول دون الحصول على دليل كتابي، وهو ما يتسق مع الفقه والقضاء المستقرين.
سقوط التقادم… لأن الحقيقة لا تشيخ
من أهم ما قرره الحكم، تأكيده أن دعوى الصورية لا تسقط بالتقادم، باعتبارها دعوى كاشفة للحقيقة وليست منشئة لحق جديد. وهو مبدأ يحمل بعدًا فلسفيًاخ مهمًا، مفاده أن الزمن لا يُضفي المشروعية على الباطل، ولا يُحصّن الصورية من المساءلة القضائية.
هذا الاتجاه يقطع الطريق على محاولات الاحتماء بمرور الزمن لتكريس أوضاع قانونية قامت على غير الحقيقة، ويعيد التوازن بين استقرار المعاملات وتحقيق العدالة.
السجل العيني… وسقوط الدفع الشكلي
كما واجه الحكم بحسم أحد أكثر الدفوع شيوعًا في منازعات الملكية، وهو الدفع بعدم القبول لعدم القيد في السجل العيني. إذ قررت المحكمة أن الدعاوى الرامية إلى عدم نفاذ تصرف أو كشف صوريته، لا تُعد من قبيل الدعاوى المنشئة للحقوق العينية، ولا تستوجب القيد، طالما أنها تستهدف حماية أصل الحق لا تغييره.
بهذا التفسير، أغلق الحكم بابًا واسعًا للتلاعب الإجرائي، طالما استُخدم لعرقلة الوصول إلى الحقيقة.
رسالة الحكم
لا يوجّه هذا الحكم رسالته إلى الخصوم فحسب، بل إلى المجتمع بأسره:
الثقة وحدها لا تكفي، وحسن النية لا يُغني عن التوثيق، حتى داخل أقدس الروابط الإنسانية. كما يؤكد أن القضاء سيظل حارسًا للحقيقة، لا حارسًا للأوراق، وأن العدالة لا تُختزل في شكل العقد، بل في مضمونه ومصدره.
إنه حكم يعيد الاعتبار لمبدأ جوهري:
الحق لا يضيع ما دام وراءه قضاء يجرؤ على كشف الحقيقة.

مساحة إعلانية