مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الشاعر والباحث / عبد الستار سليم يكتب: ا لمَوّال السُّداسِى

2024-08-25 03:45 AM  - 
الشاعر والباحث / عبد الستار سليم يكتب: ا لمَوّال السُّداسِى
الشاعر والباحث عبد الستار سليم
منبر

" الأدب الشعبى "  عالم ثرى  ثراء الشعوب وتاريخها، وفى آدابنا الشعبية  يحتل الموال الصدارة فى  اهتمام الباحثين والدارسين 
فالموال  هو أكثر  الأشكال الشعرية، تعبيرا عن فلسفة الحياة ، التى استخلصها أهلنا ، والموال تسرى فى عروقه عصارة هذه الفلسفة ، فلسفة مقطّـرة استخلصوها ، من  مكابدات الحياة ، و تتابع الأيام ، بحلْوِها و مُـرّها ، وطولها وقصرها ،  ولينها وقسوتها 
- ومن الموال  ما كان يُغنَّى ، ومنه ماكان يُـكتفَى بإلقائه -
والموال الحقيقى  لا يمكن ارتجاله، لأنه فن يحتاج إلى ذكاء وحنكة  فى صياغته ، وإلى خبرة بالحياة  والوجود-  هذا إذا كان مبدعه يريد له الحياة الأبدية، والتنقل بين البشر والأزمنة ، فلذلك لا يمكن ارتجاله ، مهما بلغت عبقرية صانعه ..!! - وإنما هو دائما من صنع شاعر عظيم مجهول ، رحل ليظل مواله  على قيد الحياة  حتى اليوم ، على الرغم من سطوة أجهزة البث  وبطشها 

ويلاحظ فى الموال  أن القافية لا تكون هى الحرف الأخير  من الشطر ، وإنما هى الكلمة الأخيرة   منه ، وقد تكون نتاجا  لضمّ  - أو  إدغام - كلمتين فى كلمة واحدة  ، لصنع ما نسميه بالجناس ، لما قد تحمله تلك الكلمة  من تورية . . 
وهذا يتطلب من القوال ، أن يكون قاموسه  اللهجى (أى محصوله  فى اللغة الشعبية ) واسعا - وأقصد اللهجة الدارجةالتى هى لغة المجتع  الذى يتلقى منه فَـنّـه - (والقوال قليل الحيلة هو الذى  يلجأ إلى استخدام ألفاظ  أو تعبيرات الفصحى غير المطروقة لدى جمهور الموال - التى تكون كالرقعة فى الثوب - مما يتسبب فى إخراج المتلقى من حالة  استمتاعه بلهجته التى اعتادها ) ،  وأن يكون القوال  صاحب مهارة كبيرة  فى  استخدام حصيلته اللغوية الشعبية تلك ، وألا يتطرق لألفاظ غريبة عن  أبناء البيئة المستهدفة ،  والقوال الشعبى يمارس فـنّـه بتلقائية  وعفوية وبساطة ، فيُسَرّى عن النفس ، ويثير فى خيال المتلقى  رؤى جميلة ، مما يجعله يؤمن  بالقوّال ، و  يلتفّ حوله ، لأنه استطاع أن  يعبّر عن المتلقى تعبيرا صادقا ، قولا وفعلا
أما  لمْلمة الكلمات من الشرق ومن الغرب ، بحثا عن الجناسات الضعيفة  فنّـيا  ، دون هدف واضح ، أو فكرة نبيلة ، فإن ذلك ليس من الموال فى شئ 
……

قالوا  إنّ نشأة  المُوَاليا -أو  ما تمّ تسميته بالـمَـوّال -  تعود  إلى  زمن "نكبة البرامكة" ، حيث كانت جواريهم  ترثيهم وتتحسر عليهم بعبارة  "وا   مــوا لياه "
 و آخرون  يجدون الأصل فى الاشتقاق اللغوى ( الوَلْولة ، وتوالى القوافى ) ، وذهب صفىّ الدين الحِـلّى  إلى التفسير الاجتماعى  لأصل الموال ، و نخلص إلى أن " المواليا "، اخترعها  عبيد  مدينة " واسط"  فى العراق ، أى  أن هذا الفن  قد وُلد  مع الطبقات الكادحة ، التى تعمل فى خدمة  الموالى / الأسياد 
فلا غَـرْوَ -إذن - أنْ يبقى"  الموّال "  مرتبطا بالجماعة الشعبية ، الأكثر صدقا فى التعبير عن آمالهم وآلامهم  . .  و بعض النقاد يقولون إن   "الموال"  هو مصطلح أدبى يشير إلى فن من فنون  الشعر الشعبى ، و  سِمَته  المميّزة هى موالاة قوافيه بعضها بعضا على أساس من الجناس .. وتاريخيّا  يعود إلى القرن الثانى الهجرى.. و لغويّا كان فى البداية فَــنًّا مُـعرَبًا . .  وعروضيّا هو من مشطور (البحر البسيط) ..  وبنائـيًّا يتكون من أربعة أشطار متجانسة القوافى (وأهل الصناعة يسمّون هذه الأشطار  أغصانا ) ، و  بداية الصياغة كانت فيما عُرف  بالموال البغدادى ، أى (الرباعى) ، الذى يتكوّن - معماريا - من أربعة أشطار ، تكتب  فوق بعضها ، بشكل رأسى ، فى شكل   أبيات القصيدة القديمة 
……
أول أشكال الموال التى ابتدعها الشاعر الشعبى  فى العراق ، هو ( الرباعى )، و جاءنا هذا النوع من النظم  - مع مجىء صفىّ الدين الحلّى إلى مصر ، فى فترة حكم  الملك الناصر (محمد بن قلاوون )- فاستقبلته  مصر ، و وعتْـه  وهضمتْـه ، وراحت تفرزه  بطريقتها الخاصة ، مصبوغا   بالروح المصرية ، بعد أن أضافت إليه إبداعها الخاص فى لهجتها العامية المحببة ، وزادت عليه ، فكان  الموال الخماسى والسداسى والسباعى والقصصى   والمردوف وغيره ، و كذلك تصنيف الموال بحسب غرضه ،  مثل الموال الأخضر ، و  الموال الأحمر ، والموال الأبيض ، والموال  اللطْش -الخاص بالمبارزة والتحاجى -
والقوال المصرى  قدّم عشرات التجارب ،  التى تبدأ بهذا  الشطر
( البنت قالت لابوها ما استَـحت منه )
وعشرات التجارب الأخرى التى تصف من يبحث عن الحكمة عند الشيخ  الحكيم ، وتنتهى  بهذا الشطر 
( رمى الكتاب من يمينه والتفَـت قال لى )
ولكن لم يَـرُج فى مصر ، لا الموال الرباعى ولا الموال السداسى  ، وكان الموال السباعى أكثر  رواجا ، واعتبروه سيّد المواويل 
والموال ،  يُـنظم  على شكل أشطار  تُكتب ر أسيا  بنفس القافية ، وتسمى الأشطار  هذه  " أغصانًا " ، و أشطار الموال  - أو  أغصانه -  تصبح بمثابة  الأبيات عند  القصيدة التقليدية ، وتختلف عنها فى أن الغُصن   لا يسرى عليه ما كان يسرى على البيت ، فلا يجوز عليه أن يكون  "مشطورا " - أى يُحذف نصفه - ولا  " مَـجْزُوءا " - أى يُحذف ثُلُـثُه - و لا  " مـنّـهْـوكا" - أى يُـحذف ثُـلُــثاه -
من أجل ذلك  يجب  أن يكون  وزن الغصن سليما  دون زيادة أو نقصان ، وتفعيلات  كل شطر 
فى البحر البسيط هى ( مستفعلن  /٥/٥//٥ - فاعلن  /٥//٥ - مستفعلن /٥/٥//٥- فعلن ///٥)
وما يجرى عليها من تحويرات مسموح بها (يسمونها زحافات ) ..  و ما عدا  ذلك  فالقول يبتعد  عن  نطاق  الموال 
و " فن الموال "  هو فن رجالى تماما، مثلما نقول إن " فن العديد " هو فن نسائى  على إطلاقه ،  فخلال البحث الميدانى ، لم نصادف امرأة تحفظ ولو   موالا  واحدا ، بينما يتميز الرجل بحفظ المواويل ، حتى ولو لم يكن مختصّـا  بذلك 

يتكون الموال السداسى بنائيا  من  ستة أشطار ، الثلاثة الأولى منها  بنفس القافية ،  ثم تُـرَصّـع تلك القافية بقافية شطرين  متفـقـين فى قافية أخرى مخالفة للأولى  ، ثم الشطر الأخير - الذى يسمى بـ  (الطاقية أو الغطاء ) له نفس  القافية الأولى - و الجدير بالذكر ، إنه ليس بالضرورة اشتمال الطاقية على  القافيتين - و من أجل ذلك ،  تَـسَـمّى "الموال السداسى " بالمرصّع ، فى حين أنّ الموال الخماسى لا يسمى مرصّعا  ( ولكنه  يسمى بالأعرج ) ، لأن شطره الرابع بنهاية حرة ، فنهاية البيت الواحد لا تكون قافية ما لم تُـقَـفَّـى  بمثلها ، أى يتكرر نوعها  فى كل بيت ، ولذا  فهى  ليست قافية ، (والترصيع خاص بالقوافى ) ، وكذلك السباعى لا يسمى مرصّعا ، لأنه يتكون من ثلاثة أشطر بقافية ، يليها ثلاثة أشطر  بقافية أخرى - وهما كـمّيتان متساويتان ، وكأن كلا من المجموعتين   موال مستقل  - ثم الشطر السابع (الغطاء ) الذى يشتمل  - غالبا - على القافيتين ، من أجل ذلك ،  فلا   يُسمّى  هذا " ترصيعا "
( الترصيع  من معناه التزيين  بالحلْية ، وعادة ما تكون  الحلية أقل كميةً  من الأ صل)

و من  الموال المرصّع ، نسوق نصّـيْن ، أحدهما  من مصر  - من إبداع  كاتب هذه السطور ، والآخر  من العراق - من التراث العراقى -

يقول  كاتب هذه السطور  فى موّال سداسى  - من إبداعه -  :

١ -  وِ  سْــمِــعْت   ع  الــبُــعْـــد      نـاى  ا نـا   قُــلْـــــت 

دا      نــا ى    مِـــيـن 

٢- حَــزْ نـان   وِ   بـا كِــــى   وِ   حــــا لِــــــف 

ع   ا لــحَـــــــزَ ا نَــــــا   يْــــمِـــــيــن

 ٣ - سَــــــهْـــــــر ا ن   مَـــع   ا لـــنّــــجْـــــــمَـــــة   يِــــحْــــكِــــى

وِ    ا لــــغَــــــفَـــــــر    نــــا يْـــــمِـــــيـــن

٤ - أنــا   قُــــلْـــــــتِـــــــلُــــــــه   خَـــبَـــــــرِ يــــــهْ

قــــــا ل   لِـــــى  يَــعْــــــنِــــى  مِـــــشْ   عـــــــا رِ ف

٥ - أ نــا    سَـــــلْــــــت  فِـــى   حْـــــكا  يْــــتـــى 

عَـــــــرّ افَـــــــــة    وِ  مِــــــــيـــــت   عـــــــــا رِ ف

٦ - قــا لْ   هُـــمّـــة  راحُــــوا    شـــــمــا لًا 

وِ   ا حْـــــــنَـــــا   رُ حْــــــنَـــا  يْـــمِـــــيــــن 

*

موّال مرصّع  من العراق ،  يُنطق  بلهجة  عراقية  :

١-  رَ نّـــتْ   بِـــخُـــلْـــخَـــــا لِـــهَـــا    عِـــنْـــــد  ا لـمَـــسِـــــــــيـــــــرِ   ا دْ وَ ا ىْ

٢-  مِــــــنْـــــهَـا   جُــــنُـــــو نِـــى  وِ  مِـــــــــنْـــــهَا   عِـــــلّــــــتِــى  وِ   ا دْ و ا ىْ

٣-  يـا   لا يِــمِــــــى    كِـــفّ  لُـــــو مَـــــك   وِ   ا لـــحِــــــكِــــى    وِ     ا دْ و ا ىْ

٤- لَــوْ    شُــــفْــــت   لِـلـــــرِّ يـــم   وَ رْ د  ا حْــمَــر   بِــــــرُ و س   ا لــــوِ جْـــــــن

٥-  مــا   شــا فِــــهَــا   مُـــغْــــــرَ مًــــا   حَـــتّــى  تِـــسَــــوْ دِ ن    وِ  جْــــــــــــن

٦- مـــا   هِــى   مِــن   ا لــحُـــــــــو ر    لَــــــكِـــــنْ   مِـن  عَـــــرَ بْ  بِـــــدْ و ا ى

*
هوامش :
١- يِدْوِى   ٢- دوائى  ٣- دويّة أى دوشة ٤- وجنات الخدود ٥- تلخبط وتجنن ٦- بَـدْو

………………………………………

من كتاب تفانين شعرية الصادر عن سلسلة نشر الشكمجية  للشاعر والباحث / عبد الستار سليم

مساحة إعلانية