مساحة إعلانية
" الأدب الشعبى " عالم ثرى ثراء الشعوب وتاريخها، وفى آدابنا الشعبية يحتل الموال الصدارة فى اهتمام الباحثين والدارسين
فالموال هو أكثر الأشكال الشعرية، تعبيرا عن فلسفة الحياة ، التى استخلصها أهلنا ، والموال تسرى فى عروقه عصارة هذه الفلسفة ، فلسفة مقطّـرة استخلصوها ، من مكابدات الحياة ، و تتابع الأيام ، بحلْوِها و مُـرّها ، وطولها وقصرها ، ولينها وقسوتها
- ومن الموال ما كان يُغنَّى ، ومنه ماكان يُـكتفَى بإلقائه -
والموال الحقيقى لا يمكن ارتجاله، لأنه فن يحتاج إلى ذكاء وحنكة فى صياغته ، وإلى خبرة بالحياة والوجود- هذا إذا كان مبدعه يريد له الحياة الأبدية، والتنقل بين البشر والأزمنة ، فلذلك لا يمكن ارتجاله ، مهما بلغت عبقرية صانعه ..!! - وإنما هو دائما من صنع شاعر عظيم مجهول ، رحل ليظل مواله على قيد الحياة حتى اليوم ، على الرغم من سطوة أجهزة البث وبطشها
ويلاحظ فى الموال أن القافية لا تكون هى الحرف الأخير من الشطر ، وإنما هى الكلمة الأخيرة منه ، وقد تكون نتاجا لضمّ - أو إدغام - كلمتين فى كلمة واحدة ، لصنع ما نسميه بالجناس ، لما قد تحمله تلك الكلمة من تورية . .
وهذا يتطلب من القوال ، أن يكون قاموسه اللهجى (أى محصوله فى اللغة الشعبية ) واسعا - وأقصد اللهجة الدارجةالتى هى لغة المجتع الذى يتلقى منه فَـنّـه - (والقوال قليل الحيلة هو الذى يلجأ إلى استخدام ألفاظ أو تعبيرات الفصحى غير المطروقة لدى جمهور الموال - التى تكون كالرقعة فى الثوب - مما يتسبب فى إخراج المتلقى من حالة استمتاعه بلهجته التى اعتادها ) ، وأن يكون القوال صاحب مهارة كبيرة فى استخدام حصيلته اللغوية الشعبية تلك ، وألا يتطرق لألفاظ غريبة عن أبناء البيئة المستهدفة ، والقوال الشعبى يمارس فـنّـه بتلقائية وعفوية وبساطة ، فيُسَرّى عن النفس ، ويثير فى خيال المتلقى رؤى جميلة ، مما يجعله يؤمن بالقوّال ، و يلتفّ حوله ، لأنه استطاع أن يعبّر عن المتلقى تعبيرا صادقا ، قولا وفعلا
أما لمْلمة الكلمات من الشرق ومن الغرب ، بحثا عن الجناسات الضعيفة فنّـيا ، دون هدف واضح ، أو فكرة نبيلة ، فإن ذلك ليس من الموال فى شئ
……
قالوا إنّ نشأة المُوَاليا -أو ما تمّ تسميته بالـمَـوّال - تعود إلى زمن "نكبة البرامكة" ، حيث كانت جواريهم ترثيهم وتتحسر عليهم بعبارة "وا مــوا لياه "
و آخرون يجدون الأصل فى الاشتقاق اللغوى ( الوَلْولة ، وتوالى القوافى ) ، وذهب صفىّ الدين الحِـلّى إلى التفسير الاجتماعى لأصل الموال ، و نخلص إلى أن " المواليا "، اخترعها عبيد مدينة " واسط" فى العراق ، أى أن هذا الفن قد وُلد مع الطبقات الكادحة ، التى تعمل فى خدمة الموالى / الأسياد
فلا غَـرْوَ -إذن - أنْ يبقى" الموّال " مرتبطا بالجماعة الشعبية ، الأكثر صدقا فى التعبير عن آمالهم وآلامهم . . و بعض النقاد يقولون إن "الموال" هو مصطلح أدبى يشير إلى فن من فنون الشعر الشعبى ، و سِمَته المميّزة هى موالاة قوافيه بعضها بعضا على أساس من الجناس .. وتاريخيّا يعود إلى القرن الثانى الهجرى.. و لغويّا كان فى البداية فَــنًّا مُـعرَبًا . . وعروضيّا هو من مشطور (البحر البسيط) .. وبنائـيًّا يتكون من أربعة أشطار متجانسة القوافى (وأهل الصناعة يسمّون هذه الأشطار أغصانا ) ، و بداية الصياغة كانت فيما عُرف بالموال البغدادى ، أى (الرباعى) ، الذى يتكوّن - معماريا - من أربعة أشطار ، تكتب فوق بعضها ، بشكل رأسى ، فى شكل أبيات القصيدة القديمة
……
أول أشكال الموال التى ابتدعها الشاعر الشعبى فى العراق ، هو ( الرباعى )، و جاءنا هذا النوع من النظم - مع مجىء صفىّ الدين الحلّى إلى مصر ، فى فترة حكم الملك الناصر (محمد بن قلاوون )- فاستقبلته مصر ، و وعتْـه وهضمتْـه ، وراحت تفرزه بطريقتها الخاصة ، مصبوغا بالروح المصرية ، بعد أن أضافت إليه إبداعها الخاص فى لهجتها العامية المحببة ، وزادت عليه ، فكان الموال الخماسى والسداسى والسباعى والقصصى والمردوف وغيره ، و كذلك تصنيف الموال بحسب غرضه ، مثل الموال الأخضر ، و الموال الأحمر ، والموال الأبيض ، والموال اللطْش -الخاص بالمبارزة والتحاجى -
والقوال المصرى قدّم عشرات التجارب ، التى تبدأ بهذا الشطر
( البنت قالت لابوها ما استَـحت منه )
وعشرات التجارب الأخرى التى تصف من يبحث عن الحكمة عند الشيخ الحكيم ، وتنتهى بهذا الشطر
( رمى الكتاب من يمينه والتفَـت قال لى )
ولكن لم يَـرُج فى مصر ، لا الموال الرباعى ولا الموال السداسى ، وكان الموال السباعى أكثر رواجا ، واعتبروه سيّد المواويل
والموال ، يُـنظم على شكل أشطار تُكتب ر أسيا بنفس القافية ، وتسمى الأشطار هذه " أغصانًا " ، و أشطار الموال - أو أغصانه - تصبح بمثابة الأبيات عند القصيدة التقليدية ، وتختلف عنها فى أن الغُصن لا يسرى عليه ما كان يسرى على البيت ، فلا يجوز عليه أن يكون "مشطورا " - أى يُحذف نصفه - ولا " مَـجْزُوءا " - أى يُحذف ثُلُـثُه - و لا " مـنّـهْـوكا" - أى يُـحذف ثُـلُــثاه -
من أجل ذلك يجب أن يكون وزن الغصن سليما دون زيادة أو نقصان ، وتفعيلات كل شطر
فى البحر البسيط هى ( مستفعلن /٥/٥//٥ - فاعلن /٥//٥ - مستفعلن /٥/٥//٥- فعلن ///٥)
وما يجرى عليها من تحويرات مسموح بها (يسمونها زحافات ) .. و ما عدا ذلك فالقول يبتعد عن نطاق الموال
و " فن الموال " هو فن رجالى تماما، مثلما نقول إن " فن العديد " هو فن نسائى على إطلاقه ، فخلال البحث الميدانى ، لم نصادف امرأة تحفظ ولو موالا واحدا ، بينما يتميز الرجل بحفظ المواويل ، حتى ولو لم يكن مختصّـا بذلك
يتكون الموال السداسى بنائيا من ستة أشطار ، الثلاثة الأولى منها بنفس القافية ، ثم تُـرَصّـع تلك القافية بقافية شطرين متفـقـين فى قافية أخرى مخالفة للأولى ، ثم الشطر الأخير - الذى يسمى بـ (الطاقية أو الغطاء ) له نفس القافية الأولى - و الجدير بالذكر ، إنه ليس بالضرورة اشتمال الطاقية على القافيتين - و من أجل ذلك ، تَـسَـمّى "الموال السداسى " بالمرصّع ، فى حين أنّ الموال الخماسى لا يسمى مرصّعا ( ولكنه يسمى بالأعرج ) ، لأن شطره الرابع بنهاية حرة ، فنهاية البيت الواحد لا تكون قافية ما لم تُـقَـفَّـى بمثلها ، أى يتكرر نوعها فى كل بيت ، ولذا فهى ليست قافية ، (والترصيع خاص بالقوافى ) ، وكذلك السباعى لا يسمى مرصّعا ، لأنه يتكون من ثلاثة أشطر بقافية ، يليها ثلاثة أشطر بقافية أخرى - وهما كـمّيتان متساويتان ، وكأن كلا من المجموعتين موال مستقل - ثم الشطر السابع (الغطاء ) الذى يشتمل - غالبا - على القافيتين ، من أجل ذلك ، فلا يُسمّى هذا " ترصيعا "
( الترصيع من معناه التزيين بالحلْية ، وعادة ما تكون الحلية أقل كميةً من الأ صل)
و من الموال المرصّع ، نسوق نصّـيْن ، أحدهما من مصر - من إبداع كاتب هذه السطور ، والآخر من العراق - من التراث العراقى -
يقول كاتب هذه السطور فى موّال سداسى - من إبداعه - :
١ - وِ سْــمِــعْت ع الــبُــعْـــد نـاى ا نـا قُــلْـــــت
دا نــا ى مِـــيـن
٢- حَــزْ نـان وِ بـا كِــــى وِ حــــا لِــــــف
ع ا لــحَـــــــزَ ا نَــــــا يْــــمِـــــيــن
٣ - سَــــــهْـــــــر ا ن مَـــع ا لـــنّــــجْـــــــمَـــــة يِــــحْــــكِــــى
وِ ا لــــغَــــــفَـــــــر نــــا يْـــــمِـــــيـــن
٤ - أنــا قُــــلْـــــــتِـــــــلُــــــــه خَـــبَـــــــرِ يــــــهْ
قــــــا ل لِـــــى يَــعْــــــنِــــى مِـــــشْ عـــــــا رِ ف
٥ - أ نــا سَـــــلْــــــت فِـــى حْـــــكا يْــــتـــى
عَـــــــرّ افَـــــــــة وِ مِــــــــيـــــت عـــــــــا رِ ف
٦ - قــا لْ هُـــمّـــة راحُــــوا شـــــمــا لًا
وِ ا حْـــــــنَـــــا رُ حْــــــنَـــا يْـــمِـــــيــــن
*
موّال مرصّع من العراق ، يُنطق بلهجة عراقية :
١- رَ نّـــتْ بِـــخُـــلْـــخَـــــا لِـــهَـــا عِـــنْـــــد ا لـمَـــسِـــــــــيـــــــرِ ا دْ وَ ا ىْ
٢- مِــــــنْـــــهَـا جُــــنُـــــو نِـــى وِ مِـــــــــنْـــــهَا عِـــــلّــــــتِــى وِ ا دْ و ا ىْ
٣- يـا لا يِــمِــــــى كِـــفّ لُـــــو مَـــــك وِ ا لـــحِــــــكِــــى وِ ا دْ و ا ىْ
٤- لَــوْ شُــــفْــــت لِـلـــــرِّ يـــم وَ رْ د ا حْــمَــر بِــــــرُ و س ا لــــوِ جْـــــــن
٥- مــا شــا فِــــهَــا مُـــغْــــــرَ مًــــا حَـــتّــى تِـــسَــــوْ دِ ن وِ جْــــــــــــن
٦- مـــا هِــى مِــن ا لــحُـــــــــو ر لَــــــكِـــــنْ مِـن عَـــــرَ بْ بِـــــدْ و ا ى
*
هوامش :
١- يِدْوِى ٢- دوائى ٣- دويّة أى دوشة ٤- وجنات الخدود ٥- تلخبط وتجنن ٦- بَـدْو

………………………………………
من كتاب تفانين شعرية الصادر عن سلسلة نشر الشكمجية للشاعر والباحث / عبد الستار سليم