مساحة إعلانية
تبدأ الشاعرة ديوانها الحزين "تأملات في مرآة الغيم" بقصيدة : "مَنْ كانَ بلا وجعٍ فليرجُمني بالفرحِ" ، ومنذ السطور الأولى في القصيدة ، نرى إلى الشاعرة في حالة من النواح ، فهي تنوح فوق أسوارِ مقبرتها ، وحولها فراشة تنوح مثلها بجناحٍ مكسورٍ .
و"نواح الشعراء" بشكل عام ، يعني البكاء ، ويعني الحزن في قصائدهم على فقد أو مأساة ، والنواح في الأدب بعامة ، يعبر بطريقة مخصوصة عن الحزن الشديد ، وكثيراً ما يستخدم للتعبير عن الموت والفقد . فالقصائد التي تحوي النواح يعبر فيها الشاعر عن شدة ألمه وحزنه ، سواء على شخص افتقده ، أو على أحداث مأساوية معينة ، أو واقع مؤلم .
ومنذ العصر الجاهلي، كان الشاعر له مكانة كبيرة ، ينشد الشعر لتمجيد قبيلته ، وكان بكاؤه ناتجاً عن أحداث كبرى ، ونواحه يحرك مشاعر الناس بقوة .
النواح في العصر الجاهلي كان مظهراً اجتماعياً تقليدياً يعبر عن الحزن الشديد على الموت، ويتضمن مظاهر الحزن مثل لطم الخدود ، وشق الجيوب .
وتعترض الشاعرة على حالة صراعات البشر ، واقتتالهم ، وصراعات البشر سببها بشكل عام الاختلافات في الأهداف التي يسعى الجميع ليها ، وفي المبادئ والتفاعلات التي يؤمنون بها دينياً ، وثقافياً ، واجتماعياً ، وهذه التفاعلات هي التي تجسد معنى الحياة ، وتتعجب الشاعرة من هذا الاقتتال معتبرة إياه أحد أشكال تخلف وسقوط هؤلاء البشر ، وتتسائل : هل يُوْجُدُ قاتلٌ خَجِل ، لأن القاتل ـــــ كما هو معروف ـــــ شخص تجرد من العاطفة ومن الأحاسيس الآدمية بشكل عام . والقاتل" هو هذا الشخص الذي يرتكب جريمة القتل ، وهو تعريف قانوني وجنائي ، والقاتل بشكل عام، هو الشخص الذي يزهق روح إنسان عمداً، ويُعاقب قانوناً وشرعاً، وتُستخدم وسائل علمية كـ الحمض النووي (DNA) للتعرف عليه جنائياً.
والقاتل في التعريف العام هو الشخص البالغ العاقل الذي يقتل نفساً عمداً مع سبق الإصرار . ويعاقب بالقتل الإنسان الذي يرتكب عمدا مع سابقية القصد قتل نفس بأي وسيلة كانت.
والوجود بمعناه الفلسفي المطلق يشير إلى حقيقة الوجود غير المشروط، الثابت، الأبدي، والمستقل عن الزمان والمكان والظروف ، وكل ما هو نسبي أو محدود، وهو الحقيقة الكلية في الفلسفة والتصوف ، وهوبالضرورة يتجاوز حدود الإدراك البشري .
والوجود كله في نظر الشاعرة محض وهم ، وليس الأحياءُ لديها هم من يعيشون حولها ، ولكن الأحياء هم مَنْ رحلوا عن عالمنا ، ولم تبق منهم سوى الذكرى .
وترى الشاعرة أنه ليس حولها سوى الفراغ الذي لا تجِدُ فيهِ أحداً . والفراغ له معان فلسفية عديدة ، منها الفراغ النفسي ، الذي هو شعور عميق بالانفصال عن الذات والمشاعر والمعنى، ويتجلى في اللامبالاة، الوحدة، وأسبابه متنوعة بين غياب الأهداف، أو الصدمات العاطفية، أو المشاكل الاجتماعية، وهنا ينبغي أن يغير الإنسان أفكاره السلبية، حتى لايسقط من عل وكأنها طائرةٍ بلا ذيلٍ . وتشير الشاعرة إلى الموت والمعاناة بلا نهاية ، ثم تشبه الشاعرة نفسها ـــــ لشدة معاناتها ـــــ كأنها جمل يحمل فوقَ ظهرهِ جبلاً من الحجارة والتراب ، وهو غير قادر على الصبر والتحمل تحمل الجمل .
ومعاناة الإنسان هي تجربة ألم ، وقد تكون جسدية أو نفسية، وتعدّ جزءاً لا يتجزأ من الوجود البشري لا يمكن تجنبها، لكن يمكن التعامل معها كفرصة للنمو، بخاصة حين تصبح تحدياً وجودياً يدفع الإنسان للبحث عن المعنى وإعادة تقييم حياته.
والحياة دائماً ما تمتلئ بالمشقة ، والإنسان دائماً في حالة تحد ، وصبر على المتاعب حتى يفوز بلذة الراحة والانتصار بعد الجهود المضنية . وهي لم تعد قادرة على تحمل كل هذه المشقة ولم تعد قادرة على تحمل كل هذا الاقتتال الذي لا ينتهي بين البشر ، فالاقتتال لا ينتهي في الحياة ، وهو صراع متجذر في الطبيعة الآدمية ، مدفوع بالأهواء والأطماع، وهناك الصراعات على الموارد، أوالرغبة في السلطة، حيث يتجاوز الأمر مجرد صراعات فردية إلى الحروب الكبرى. وهنا تطرح معاناتها ، التي ترمز إلى معاناة كل الناس ، وكل الكائنات : (فحتَّى النَّملُ فوقَ الأرضِ يقْتَتِلُ) ، ويكاد كل معنى جميل في الحياة أن يصاحبه ألم ، واللحظات المبهجة والمشاعر العميقة غالبًا ما تكون مرتبطة بالمعاناة ، والذكريات السعيدة قد تثير الحزن لغيابها، والحب العميق قد يترافق مع خوف الفقدان، وهكذا .
وهذا التناقض يثري معنى التجربة الإنسانية ويجعل للحياة عمقًا أكبر. كثيراً ما يكون الكفان وسيلة للطمأنة وللتربيت والملامسة والحب ، ولكن كفا الحبيب هنا تجسد سؤالاً وبحثاً دائماً عن معنى الحب . والحب هو شعور الانجذاب القوي ، والمودة ، والتعلق العميق ، ويقوم على أساس من الاحترام، والثقة، والاهتمام المتبادل .
وتتغير أنواع الحب ودرجاته ، ولكن الجوهر هو الارتباط العميق الذي يتجاوز المصلحة الذاتية، والحب هو أساس العلاقات بين الناس وهو جذر الحياة بشكل عام . ولكن سر العلاقة بين الحبيبين ، سيبقى مُختبئاً ، وتظل الشاعرة تسأل عن سر العلاقة المختبئ هذا .
وفي قضية أخرى : تظل الشاعرة تسأل عن الأماكن بعامة ، وعن مكانها بشكل خاص ، المكان عند الحكماء، هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى .
وعند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده. والمكان عادة له اسم سمي به بسبب أمر داخل في مسماه كالدار فأن تسميته بها بسبب الحائط والسقف .
والمكان هو الموضع أو المحل المحدد الذي يشغله جسم أو شيء ما، وقد يكون المنزلة أو الموقع ، وهو أساسي في الجغرافيا والفلسفة، ويُفهم ضمن سياق كونه موقعًا فيزيائيًا أو مفهومًا تسأل الشاعرة عن المكان ، وتسأل عن نجمة القطب ، وعن الشمال والأماكن ، والجهات المحيطة بها : كفاكَ سؤالْ سيبقى السِّرُّ مُختبئاً بحبِّ الدَّمعِ للموالْ انا ليلٌ ساغمضُ نجمةَ القطبِ لأسألَ ناقتي أينَ الشَّمالْ .
وعندما تقول الشاعرة : (أنا مَنْ بعتُ امِّي واشتريتُ بسعرِها ، أنشودةً مِنْ بائعٍ جوَّالْ ) فهي تشير إلى اتجاه غير صحيح ، لهؤلاء الذين يفرِّطون في الأصول وفي القيم الحميدة ، وينتبهون للعابر ، وللضائع ، وللجوال ، والتفريط في الأصول هو التقصير أو الإهمال للواجبات أو الفرص ، مما قد يضيع الأوقات المحددة لأدائها، وهو عكس الإفراط (تجاوز الحد) . والتفريط سلوك مرفوض لأنه يجعل الإنسان يترك ما يجب فعله ـ فلا يفي ، بالالتزامات ، عمداً أو إهمالاً.
كما تبحث الشاعرة انتماءها للوجود ، وللطبيعة ، لأن الانتماء لهما هو الإحساس العميق بالارتباط والتواصل الحيوي مع العالم الطبيعي ، وهو يعبر عن حاجة بشرية تزيد من إحساس الإنسان بوجوده ، ويتحقق هذا الانتماء من خلال الفعل الدائم ، ومن خلال الفنون والإبداع ، والامتزاج المحب للطبيعة .
إنها تنتمي للطبيعة : ولمعطياتها : (الأسماك والأزهارِ والطَّيرِ) ، وتعبر عن معاناتها الدائمة ، وتطرح صورتها حين تضعُ يدها على خدِّها ، وعندما تشاهدُ دمعةَ الخيلِ ، ويبكيها مواءُ القطِّ في الليلِ .
هي محبة للحياة ، وتأتي إليها في كل حين (أتيتُ أتيتْ) تأتي للحياة وللسلام بعد الحرب ، فتناديها الورودُ التي كانت تسقيها، فهي مرتبطة بالتراث ، وبالماضي : وهنا تراقبُ وجهَ مَنْ رحلوا ، فيناديها صوت مِنَ الماضي الذي تعشقه ، ويرسمَ صورتها غَزَلاً وجمالاً رقيقاً ، ويصوَّرهــا كأنهـا قُبْلةٌ قد جلسـتْ على شفتيه تغتسلُ ، فترجوه أن يأخذ بِيَدِها ليساعدها لتنجو في هذه الحياة القاسية .

