مساحة إعلانية
في خضم الجدل المتصاعد حول مستقبل سياسات الدعم يبرز سؤال جوهري لا يتعلق بالأرقام بقدر ما يتعلق بالإنسان: أيهما أقدر على حماية الفئات الأكثر احتياجا في لحظة اقتصادية دقيقة الدعم النقدي أم الدعم العيني؟ وبينما تميل بعض الطروحات إلى تفضيل الدعم النقدي بوصفه أكثر مرونة وكفاءة إدارية فإن الواقع الاجتماعي والاقتصادي يفرض إعادة الاعتبار للدعم العيني كأداة حماية لا غنى عنها خاصة في أوقات التضخم وارتفاع الأسعار.
الدعم العيني في جوهره ليس مجرد سلع تُقدم للمواطن بل هو ضمان مباشر لحق أساسي في الغذاء والدواء والطاقة. حين يحصل المواطن على احتياجاته الأساسية مدعومة، فإن الدولة لا تمنحه مالًا قد تتآكل قيمته بل تحميه من تقلبات السوق وتخفف عنه عبء القلق اليومي المرتبط بتأمين ضروريات الحياة. في هذا السياق يصبح الدعم العيني أداة استقرار اجتماعي قبل أن يكون بندا في الموازنة العامة.
الواقع الاقتصادي الحالي محليا وعالميا يكشف عن أحد أهم تحديات الدعم النقدي وهو التضخم. فالدعم النقدي مهما بدا منصفا عند إقراره يظل عرضة لفقدان قيمته الحقيقية مع أي موجة ارتفاع في الأسعار. المواطن قد يتسلم مبلغ الدعم لكنه يفاجأ بأن هذا المبلغ لم يعد كافيا لتغطية احتياجاته الأساسية فيتحول الدعم من أداة حماية إلى عبء نفسي جديد. هنا تظهر قوة الدعم العيني الذي يربط الدعم بالسلعة نفسها لا بقيمتها المتغيرة في السوق.
كما أن الدعم العيني يحد من مخاطر سوء الاستخدام. فالدعم النقدي رغم حسن النية قد يُنفق في غير الغرض المخصص له سواء تحت ضغط الحاجة أو غياب الوعي أو سوء التقدير. أما الدعم العيني فيضمن إلى حد كبير أن تصل المساعدة إلى الغاية التي خُصصت من أجلها: غذاء، دواء، أو خدمة أساسية. هذا لا ينتقص من وعي المواطن لكنه يعكس إدراكا لطبيعة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي قد تدفع الأفراد لاتخاذ قرارات اضطرارية.
من زاوية أخرى يسهم الدعم العيني في ضبط الأسواق. فحين تتدخل الدولة بتوفير سلع أساسية بأسعار مدعومة فإنها تخلق نوعًا من التوازن يمنع الانفلات السعري ويحد من الممارسات الاحتكارية. وجود سلع مدعومة في السوق يمثل صمام أمان ليس فقط للمستفيدين المباشرين من الدعم بل للسوق ككل حيث يفرض سقفا غير معلن على الأسعار ويمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة الأزمات.
الحديث عن كفاءة الدعم العيني لا يعني تجاهل تحدياته. نعم هذه المنظومة تحتاج إلى تطوير مستمر وتحسين آليات التوزيع وتحديث قواعد البيانات لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين. لكنها تحديات إدارية يمكن معالجتها بالإصلاح والرقمنة والرقابة وليست مبررا للتخلي عن جوهر الفكرة. فالإصلاح لا يعني الإلغاء بل التطوير.
الدعم العيني يكتسب أهمية مضاعفة في المجتمعات التي لا تزال تعاني من هشاشة الدخل واتساع القطاع غير الرسمي. في هذه البيئات يصعب الاعتماد الكامل على الدعم النقدي لأن القدرة على امتصاص الصدمات السعرية محدودة والبدائل المتاحة أمام المواطن قليلة. هنا يصبح الدعم العيني جزءا من منظومة حماية اجتماعية أشمل تحافظ على الحد الأدنى من الكرامة المعيشية وتمنع الانزلاق إلى الفقر المدقع.
كما أن البعد النفسي والاجتماعي للدعم العيني لا يمكن إغفاله. فشعور المواطن بأن الدولة تضمن له احتياجاته الأساسية بشكل مباشر يعزز الثقة ويقلل من الإحساس بالهشاشة. هذه الثقة عنصر أساسي في أي إصلاح اقتصادي ناجح لأن السياسات مهما بلغت دقتها تفقد فعاليتها إذا غاب القبول المجتمعي لها.
الدعم العيني لا يعني رفض كل أشكال الدعم النقدي بل يعني ترتيب الأولويات. يمكن للدعم النقدي أن يكون مكملا موجهًا لفئات محددة أو مرتبطا بظروف خاصة لكن الاعتماد عليه كبديل كامل للدعم العيني يحمل مخاطر اجتماعية لا ينبغي الاستهانة بها. السياسة الاقتصادية الرشيدة هي التي توازن بين الأدوات وتختار الأنسب لطبيعة المرحلة لا الأكثر شيوعا في الأدبيات النظرية.
في النهاية يبقى السؤال الحقيقي: ما الهدف من الدعم؟ إذا كان الهدف هو حماية الإنسان قبل الأرقام والاستقرار قبل المؤشرات فإن الدعم العيني يظل خيارا أكثر أمانا في لحظة اقتصادية تتسم بعدم اليقين. قد يكون أقل مرونة من حيث الشكل لكنه أكثر صلابة من حيث الأثر. وفي عالم تتغير فيه الأسعار أسرع من القرارات تبقى السلعة المدعومة حائط الصد الأول في مواجهة القلق المعيشي.
الدعم العيني ليس عودة إلى الماضي بل استثمار في الاستقرار. وحين يُدار بكفاءة وعدالة يتحول من عبء مالي إلى أداة حماية اجتماعية تضمن أن يبقى الإصلاح الاقتصادي إنسانيا قبل أن يكون محاسبيا.