مساحة إعلانية
ماجستير في مجتمعات وثقافات البحر المتوسط
تعد قضية الاختيار الزواجي، من القضايا التي تشغل حيزا هاما في تفكير الباحثين المتخصصين بعلم الاجتماع العائلي والنوع، وعلى رأسهم الدراسات الثقافية. وتعد المعتقدات والعادات والقيم الثقافية من العوامل الرئيسية للاختيار الزواجي.
وقسم علماء الاجتماع الاختيار الزواجي إما محدد سلفاً من قبل العائلات أو ما يطلق عليه" الصالونات" أو القائم على " الحب" والاختيار الفردي. ومن الناحية الثقافية فإن مفهوم " الاختيار الزواجي" قائم بناء على التوافق والتجانس، ولكن ما نحن بصدد التحدث فيه ليس الفعل القائم على العادات الاجتماعية التقليدية فحسب بل والفعل القائم على القيم الثقافية المتبعة لدى كثير من النساء لاختيار الشريك ؛ ولقد وقع الاختيار رواية الليالي البيضاء، رغم أنها قصة عابرة لا تعبر عن حقيقة المهارات النسائية وأساليبهم في الاختيار الزواجي بشكل كامل، لكن الرواية تتميز بالواقعية.
ومن ناحية البناء الدرامي فيعد أهم عنصرين من عناصر البناء الدرامي في الرواية هو "الشخصية والفكرة" ؛ الشخصيات لها دور في أداء النص وإرسال رسالة عبر نوعين من الأفكار الظاهرة متمثلة في لغة الحوار ، والكامنة وهي المعنى والرسالة التي تحتاج إلى جَهد في فهمها وفك الرموز الكامنة فيها.
والسؤال الرئيسي الذي نحاول الإجابة عنه في هذه المقال هو :هل كانت"ناستينكا"، على حق في ترك الشاب الحالم؟!
وللإجابة على هذا السؤال علينا أن نفهم القصة بإيجاز. وهي رواية تحكي عن شاب وحيد، حالم، و محترق المشاعر يرغب في الوقع بالحب، و فتاة تعيسة تسمى "ناستينكا" تنتظر شاباَ وعدها بالزواج،وأثناء اللقاءات بينهما ظهرت أفعال ومعاني كامنة بحاجة للتحليل. أظهر الشاب"الحالم" -الذي لا يستطيع التعامل مع النساء أو بالأحرى نسي التعامل معهن-الشعور بالشوق للحديث مع أي امرأة ولعل هذا من أسباب ترك "ناستينكا" له، لأن تحكم العاطفة في الرجل تفقده القدرة على التفكير العقلاني، ومن ثَم إدارة العلاقة. وعموماً برغم من تقلد المرأة أعلى المناصب القيادية الآن، فطبيعتها طبقاَ لكثير من الدراسات تبحث عن الحب المتبادل والشخصية القيادية في الرجل؛ ولذلك اعتبرته "صديقها"، ووضعت شرطها لإدارة العلاقة بقولها " تعالى بشرط ..لا تقع في حبي .. ممنوع أمرا"، قبول الرجل للمرأة لإدارة العلاقة من أحد أسباب إنهائها .
في المقابل الشاب المضطرب، الشاب " المستأجر الجديد" الذي استطاع إدارة العلاقة بين "ناستينكا" من جهة وبين جدتها من جهة أخرى. المرأة تفهم لغة المشاعر والعاطفة؛ فكلما كانت العلاقة قائمة على ذكريات تضرب على أوتار العاطفة لدى المرأة ما بين الآلام والسعادة كلما كانت أكثر ارتباطاً بالرجل؛ وثقة هذا الشاب في الحديث مع "أناستينكا" دون خوف وعرضه لها للذهاب معه للمسرح، ودون الخوض في جدالات معها وقدرته على إنهاء للحديث حيثما شاء، دليلاَ آخر شخصيته القيادية، وتجلى هذا أيضا في التواصل بشكل مباشر مع جدتها وعرضه عليها الذهاب معهن لمشاهدة "حلاق إشبيلية"، التي كانت تشاهده الجدة في شبابها.
أراد دوستويفسكي على لسان" ناستينكا" أن يوضح أن المرأة هي من تتلهف لرؤية الرجل ، فعبر عن ذلك بقولها " بعدما نمت فرحة ومسرورة، .. وكنت "أهزي بحلاق إشبيلية "، كنت أظن أنه سوف يأتي إلينا كثيرا، لكنه كف عن زيارتنا"، في مقابل حديث الشاب المضطرب حينما اتفقوا على اللقاء الثاني قال " لا أدري إن كنت سأستطيع البقاء على قيد الحياة أربعا وعشرين ساعة" . القاسم المشترك بين الفتاة والشاب هو اللهفة والشوق للحب، والحوار أظهر مشكلة الاغتراب عن الحياة والقلق التي يعاني كلاَ منهما، وهذا على نقيض المعتقد الاجتماعي السائد حول الرجل " كونك رجلاً فإن لك حرية أن تفعل ما تريد"، نعم هناك رجالاً مقيدين في هذا العالم ، كما أن الفتاة في مربوطة بدبوس في فستان جدتها وهي ترمز للقيود الاجتماعية نتج عنها حواجز نفسية ؛ ولذلك الانعزال الاجتماعي والوحدة ينشأ عنهما عزلة نفسية واغتراب.
من الناحية الانتخاب الثقافي أن الرجال الأكثر قدرة إتقان مهارة الصيد هم الأكثر جاذبية للنساء لأنه يدل على قدرته على تأمين الطعام والحماية في المجتمعات البدائية، وبالإضافة إلى هذا قدرتهم على الترحال ومكوثهم لفترات طويلة خارج مجتمعهم من أجل الحرب والصيد ، وهذا كان واضحا بشكل جلي على لسان الشاب المستأجر حينما قرر السفر إلى موسكو للعمل بقوله" اسمعيني ، أنني لا أستطيع أن أفعل شيء ، أنا فقير لا أملك شيئا في الوقت الحاضر، ليس لدي حتى مكان مناسب، بماذا سنعيش ، حتى لو تزوجتك"، ولكنه وعدها بالعودة مرة ثانية إليها للزواج بها.
الفصل بين الأدوار وهو الأساس الذي يقوم عليه العلاقات بين الرجل والمرأة ، الفصل بين كون الرجل يقوم بوظيفة إشباع احتياجات الأسرة المادية هذا من ناحية والإشباع العاطفي من ناحية أُخرى- وفي مجتمعات المعاصرة تساوي الرجل والمرأة من ناحية العمل - فالاهتمام بالدور الرومانسي من جانب الرجل على حساب الوظيفة الاجتماعية الرئيسية له تُسبب خلط الأدوار وإنهاء العلاقات ومن ثم الانحراف الاجتماعي إذا كانت هناك أسرة قائمة.
عند اعتراف " ناستينكا " بأنها على علاقة ارتباط عاطفية وسردت له حكايتها، تجلى هنا اختلاف القيم في أداء الأدوار بين المرأة والرجل من حيث " العاطفة " وبين " الشهامة " في مساعدته لها في كتابة رسالة " للشاب المستأجر" وكيف أنه جعلها تسعد وتزداد فرحا بهذا الأمر، وفي لحظة إدراك من الشاب الحالم عند قوله " كيف استطعت أن أكون أعمى؟!، بينما كل شيء كان للآخر، ولم يكن لي هذا الشيء. الحنان، الحب، القلق.)، ثم أتبع قائلا " حبها لي ... كل ذلك ليس إلا الفرح الذي كانت تحس به في رجل آخر". لربما أجاب دوستيوفيسكي على جوهر عدم انفصال "أنستينكا" عن الشاب المستأجر؛ لإنها ارتبطت به عقلياًَ ثم عاطفيا، عقليا من خلال قرأتها للكتب، وهذا جعلها تفكر به من الناحية العقلية، وعاطفياً وهو السفر فجأة، هذه العوامل تجعل من الانفصال صعباً.
لكن ما الذي جعلها تعترف بحبها، على الرغم من كونها " قالت له أن لا يقع في الحب، بقولها" لماذا احبك اليوم؟ ،.. عندما سأتزوج ستكون صديقا ؟!" .. بعيد عن مفهوم الصداقة المعاصر في الثقافة الغربية، لاتقبل الرجال أن تكون في مقاعد الاحتياط أو حاملة لنيشان الصداقة، وتجلى هذا في قوله " أحسست بحزن رهيب في هذه اللحظة". عندما تكون كلمة الحب، كلمة مبتذلة تفقد معناها عند وضعها بغير مكانها ، وتجلى هذا عندما اعترف بحبه لها وبكائه، وقالت " إنني استهنت بحبك، وهنأتك على أنك لم تتوله بحبي". وفي النهاية عند فقدانها للأمل بعودة الشاب قالت له ستكون " المستأجر الجديد" بديلاً عنه وتماشياَ مع رغبة جدتها بضرورة الزواج ، وفي هذا الحوار يتجلى الصراع بين نوعين الفعل : الفعل العاطفي في مقابل الفعل نحو التقاليد الاجتماعية عند " أناستينكا"، وانتهى هذا الصراع بعودة الشاب من موسكو وتركها للشاب الحالم.