مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الأنثى.. وتجليات الذات المتصدعة بين قيود القهر ومحاولات التحرر

2026-02-06 02:14 PM  - 
الأنثى.. وتجليات الذات المتصدعة بين قيود القهر ومحاولات التحرر
عاطف عطيت الله
منبر

(قراءة في المجموعة القصصية حدث ذات ليلة) بقلم عاطف عطيت الله

في مجموعتها القصصية الأولى "حدث ذات ليلة" تطوف بنا الكاتبة "سعيدة رفيع" عن طريق البوح والفضفضة بعوالم قد نراها للوهلة الأولى بعيدة عنا مهما تعلمنا أو تألمنا في تفاعلنا معها، غير أننا بشيء يسير من التأمل والتركيز سنفاجأ بأنها قد اقتحمت ذواتنا نحن أيضا.. منبهة ومحذرة.
  فنحن (على المستويين: الذكوري والأنثوي) وإن كنا في الواقع الراهن خارج الحيز الفيزيقي (physical space) غير مؤطرين بالزمان والمكان والحدث؛ فقد عايش هذا ذوات غيرنا، صارعت وتألمت ومارست الحياة داخل عوالمها المختلفة بكل معطياتها وأحداثها، إلا أننا لسنا ببعيدين كل البعد عن خوض كل تجربة أو (التورط) في لعب دور من تلك الأدوار التي لعبها أبطالها الذين سيطر عليهم الخوف والحزن أو لاح في أفقهم في لحظات ما أمل زائف غير مكتمل.

  ومن خلال قراءتنا لنصوص المجموعة قراءة تأملية سنلمس تلك الهمسات الساحرة التي لا تدعو إلى مشاركة كل ذات مشاعرها وأحاسيسها (لا سيما الأنثى المقهورة والمسلوبة أبسط حقوقها) ومؤازرتها فحسب، بل بالتوحد مع الإنسانية على العموم...

  ولتحليل النصوص وفهم محتواها بعمق ستعتمد منهجية القراءة النقدية لدينا على العديد من المحاور:
أولا: المدخل النقدي الكاشف لطبيعة العمل:
 جاءت المجموعة القصصية مصبوبة داخل القالب الواقعي الكلاسيكي الذي يتميز بالنزوع إلى التحليل الاجتماعي وجعل الإنسان بهمومه ومشكلاته وأحلامه وطموحاته المحور الرئيس بالعمل، حيث يتم نقل الواقع كما هو، من خلال طرح محايد وسرد ممنطق أو عقلاني وتصوير الصراعات الداخلية والخارجية، النفسية والاجتماعية، بعيدا عن الرومانسية أو المبالغة في التخيل؛ وعليه فقد تميزت المجموعة بالعديد من الخصائص والسمات كالتركيز والإيجاز حيث الفكرة المحددة أو الحادث الواحد دون التطويل في الوصف أو الحشو السردي، كما التزمت بأسس البناء الدرامي الذي يعتمد على المقدمة والوسط والنهاية أو الخاتمة، كذلك صورت الواقع مبتعدة عن نزوات الخيال إلا في نصين اثنين: "حين تهمس الأوراق"، وهو النص العاشر بالمجموعة، وهو نص اتكأ على الفانتازيا بصورة واضحة فهو يجسد معاناة ورقة شجر في مناجاة تعكس في عينيها صورة فصل الخريف وكذلك الكثيرين من البشر، كذلك نص "ولها مع البحر حياة" وهو نص يرسم حالة وجدانية تصل إلى مرحلة حب أحادي الجانب.
  كما تميزت المجموعة بوحدة الزمان والمكان، واللغة السلسة الواضحة الخالية من أية ضبابية أو غموض، فضلا عن الطابع الأخلاقي والتربوي الذي حمله كل نص حتى صار ذلك الطابع الغاية المنشودة بالمجموعة.
  ثانيا: الثيمة المركزية:
 إذا كانت ثيمة الفن هي ذاتها ثيمة الحياة كما قال الكاتب البريطاني "لورانس داريل" وإذا كان الفن يعكس الحياة أو بمعنى أدق هو مرآة تعكس الواقع، فإن الكاتب هو مضمون تلك المرآة أو مادتها المصقولة، وكيما نفهمه ونعي مضمون رسالته جيدا فعلينا أن نسعى قدر المستطاع للإحاطة برسالة تلك الحياة التي نعيشها، حسب ما اعتقده "إبراهيم ناجي" في كتابه "رسالة الحياة" بقوله: المفتاح لمعرفة رسالة الإنسان هو الإحاطة برسالة الحياة.
  ورسالة الحياة تبدو غامضة إلى حد كبير، غير أنها بواسطة وجهها الأكثر شهرة.. الغاضب والمتربص دوما، وهو الوجه الذي تقابل به الحياة غالبية الخلائق في عالم الإنسان والحيوان، سرعان ما تتضح رسالتها شيئا فشيئا حيث تسعى إلى الكمال بلا رحمة أو هوادة لأنها تخشى الموت؛ ولأنها تخشى الموت فهي تقف بصف الأقوى دائما.
  لكن الحياة مع هذا تحبذ التعاون وتدعو إليه.. كما لا ترفض التكامل.
  وهي نفس رسالة الكاتبة هنا، حيث تدعونا لأن ننتبه متمسكين بأكبر قدر من إنسانيتنا؛ فلا يستغل القوي منا ضعف الآخر.. ولأن نتعاون؛ فيقيل منتصبنا من تهاوى في عثرته.. إنها تخبرنا في تلويحاتها دون تصريح أن ننتبه.. أن نسعى إلى التكامل الذي يحقق ذلك الكمال.

  وهكذا ظلت كل شخصية من شخوص المجموعة تصرخ دونما صوت في بحثها عن المساندة والنقاء والكثير من الفضائل والقيم الأخلاقية والاجتماعية والروحية...

  ففي نص "جدة أطياف حياة" يتجلى زيف المشاعر عبر أمنية الجدة المهمومة بالنقاء والبراءة والتي تخشى أن تفقد ما تجده منهما بداخل حفيدتها: "أرجوك يا فاطمة.. ابق هكذا.. لا تتخلي عن دثار براءتك ونقائك". 

  وفي نص "زائر الفجر" نرى "راوية" الأرملة التي وقعت فريسة لنفس القهر الذكوري، لكنه هذه المرة لم يكن بالغياب أو السيطرة.. بل بالتعدي والاعتداء، ومع ذلك يظهر الذكر هنا في صورة أخرى وهو الابن سندا وعونا، وهو النص الأول (من أصل نصوص سبع بالمجموعة)  سجلت إنسانية الذكر/ الرجل. 

 والنص الثاني هو "جعلوني مجرما" حيث نفاجأ بالذكر هنا (الشاب جمال) ضحية مشوشة تائهة لا تبلغ طريقها الصحيح إلا بواسطة الأنثى.

  كما يأتي الرجل بنص "حب عبر الأثير" إنسانا يبدو أنه سيتحمل المسئولية ويأخذ بيد "نسمة" المتمردة على العادات والتقاليد خالقا قصة حب رائعة.

  وبالنص الرابع "وللأحجار حديث" يظهر الذكر/ الرجل إيجابيا متعاطفا، فقد تعامل (سالم) مع قهر زوجته الذي عبرت عنه بذكاء، ولطف وحكمة.

  وفي "وللقدر كلمته" تأتي زينب كأنثى أشبه شيء بسلعة تباع وتشترى لمن يملك المال أو تخوله لذلك صلة القرابة. وقد تركها الرجل برحيل قسري، وعوضها القدر بـ "زين" الابن/ الرجل الوفي الذي كان اسما على مسمى حتى رحل رحيلا يشبه رحيل والده؛ لتعاودها المعاناة من جديد.

  وببنية نص "حدث ذات ليلة" وهو العتبة الرئيسة بالمجموعة وبإحدى قصصها ــ يحتفظ به الذكر بإنسانيته ورجولته رغنم غياب القدرة على الفعل ــ يظهر الذكر/ الرجل (الوالد) في مواجهة الذكر ( الابن) العاق والتابع لزوجته (مها) المتسلطة حتى يكون للقدر رأي آخر.

  وأخيرا يأتي نص "انتصار" عن طريق تقنية الفلاش باك ليجسد إنسانية الذكر/ الرجل الذي لعب رحيله القسري دور (نكسة) أخرى بجوار (نكسة 67) ليتألق في الأفق الانتصار بعدها غارسا بذات البطلة التفاؤل وعدم الاستسلام لطيف أحزان غادرت بلا رجعة. 

ثالثا: المعمار القصصي والهوية السردية:

  جاءت البنية السردية في الغالب معتمدة على التسلسل الزماني المتتابع، وإن تخلل بعض النصوص تقنية الفلاش باك، كما جاءت الشخوص متطورة غير مستسلمة بأغلب النصوص، يحكمها ــ في الغالب أيضا ــ الحيز المكاني المغلق، ناسجة حبكة محكمة الترابط أبرز عناصرها السببية والتصاعد والذروة أو ترتيب الأحداث بصورة تساعد في خلق التشويق المناسب الذي يشد المتلقي سواء تم الوصول لحل أو لا.

  وبإلقاء الضوء على الهوية السردية (وهو مفهوم ابتدعه الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" وطرحه بشكل متكرر في العديد من مؤلفاته لا سيما "الزمان والسرد" و"الذات عينها كآخر" وهو يتمركز حول علاقة الذات بنفسها وبالآخرين وسلوكها مسالك تأويلية بواسطة النص الذي يعكس عالم المؤلف وظروفه الخاصة ) سنرى أنها تحددت عبر العديد من المظاهر: كدمج التجارب في سردية ذاتية أو ما يعرف ببناء الذات، وكذلك التشكل الزمني ليتحقق التفاعل مع القارىء الذي يتحقق بالضرورة عنه التكامل السردي الذي يمنح بدوره الماضي والمستقبل معنى جديدا.

  ويتضح ذلك في العديد من نصوص المجموعة:

  "أصل الحكاية" وهو النص الثاني بعد نص "حدث ذات ليلة" الذي يقدم الأنثى غير سوية، تهوى التنصت والتلصص على حياة الآخرين.

  ويأتي نص "الموت البطيء" ليطرح نفس الفكرة المتكررة المتعلقة بالذكر الأناني الذي تواجهه الأنثى الوفية "ريهام" مساندة الوالدة الضعيفة فتطرده خارج حدود حياتها الجديدة.

  بينما بنص" ومن الذكريات ما قتل" تعود الكاتبة من جديد لتضفي على الأنثى طابع الجدية والإخلاص فنرى "منى" الوحيدة لا تجد سندا في دنياها غير الأنثى/ الأم.

  وفي النصوص "حلم وأمنية" و"ألم وفرحة" تظهر معاناة الأنثى من جديد، حيث تشعر بالوحدة والانكسار غير أنها لا تتوقف عن البحث عن سندها ولو على المستوى الذهني فقط.
  و"غزاوية" نص يقف إلى جوار نصوص عربية أخرى كأداة تدين الاحتلال الإسرائيلي وتوثق جرائمه فيما يعرف بأدب المقاومة. 
  وتستمر النصوص في عرض ملابسات الحياة التي تعيشها الأنثى ككيان مستغل مقهور لا يملك أبسط الحقوق أمام طغيان الجنس الآخر/ الذكر، بحسب السياق البيولوجي  (Biological context ) 
  ويأتي المرض وتحطيم الحلم أيضا كقهر من نوع جديد كما في نص "زيارة ومكافأة" حيث تتعرض الأنثى المريضة للخديعة من أقرب الناس. وقد وظفت الكاتبة هنا المرض كحيلة كشفت المستور داخل النفس، وبنص "حلم" تتحطم "ماجدة" بانهيار حلمها حين يفرض عليها العمل بمجال مهني آخر.
  ويصور نص " جنون الإبداع" نفس الطغيان الذكوري حيث تلتحق "صباح" على الرغم منها بدراسة الهندسة المعمارية رغم ميولها الأدبية والنفسية.
  وفي "لقاء مرتقب" تظهر الأنثى المثقفة المهمومة بقضايا المجتمع الفكرية.
  وفي الأخير ينسج نص "طلقني من فضلك" حياة ذات على وشك الخروج من شرنقتها؛ فنرى مجددا تلك الأنثى المكافحة المتحملة لأزمات شتى،  الفاقدة لحلمها أيضا والتي تبحث عن الانفصال بالوقت المناسب، وقد جاء العنوان كعتبة للنص وخاتمة له.
  وفي الختام نستعرض أهم السمات البارزة بالمجموعة: 
لقد تميزت المجموعة بصغر الحجم والإيجاز وعدم الحشو والإطالة.
كما تميزت بوحدة الانطباع والتأثير والتركيز الموضوعي حيث دار كل نص من نصوص المجموعة حول شخصية أو حادثة أو عاطفة واحدة.
كذلك تحلت النصوص بنهايات ذكية منها ما لاءم توقعاتنا ومنها ما تفوق عليها.
كما كانت النصوص في مجملها ذات لغة مباشرة، واقعية تستهدف إحداث تغيير فكري أو سلوكي أكده ذلك الرابط الواضح بين نصوص المجموعة موضوعا وأسلوبا.
وأكرر هنا مقولة "ثيودور روزفلت: "الناقد ليس بالمهم" قبل أن أعلن عن أمنيتي بأن تتاح لي فرصة الاستمتاع بنصوص أخرى للكاتبة تطرح فيها قضايا بعوالم أخرى غير عالم المرأة؛ حتى لا تبدو منحازة كأنثى لبنات جنسها كما يستشف من تلك المجموعة، وإن كان هذا لا يعد عيبا كبيرا.. 
  وأخيرا.. كم هي رائعة تلك الأنامل التي يستحيل القلم بين أحضانها لعدسة تسجل أدق اللحظات الإنسانية.. 
مع تمنياتنا بدوام التوفيق والاستمرارية. 
عاطف عطيت الله 
عضو اتحاد كتاب مصر 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سعيدة رفيع: معلمة لغة إنجليزية. تقيم بمحافظة البحر الأحمر
 *تتكون المجموعة من اثنين وعشرين نصا قصيرا. طباعة دار مركز الحضارة العربية.

مساحة إعلانية