مساحة إعلانية
أم كلثوم.. فنانة من طراز فريد، لا يمكن تصنيف ما قدمته تصنيفا عاديا تتساوى فيه مع نجوم عصرها، أو إضافتها إلى تيارات الفن التى مرت وانتهى تأثيرها .
فقد كانت أم كلثوم ولا زالت حلقة فريدة من الفن والفكر والتثقيف الذهنى والوجداني الذى يقف شامخاً متفردا لا مثيل له، ولم يكن ذلك على مستوى الغناء والطرب فحسب، وإنما امتد ليشمل كافة مناحى الحياة ويرقى بالوجدان المصرى والعربى إلى آفاق بعيدة في وقت كانت الحياة المصرية الاجتماعية تئن من ويلات الاستعمار والحروب والفقر والجهل.
فحينما نقول أن أم كلثوم ومن خلفها من شعراء وموسيقيين وصحافيين وكتاب كانت وهؤلاء جميعاً معها سبباً في رقى الوجدان وتهذيبه فإن هذا ليس فيه مبالغة.
فكانت أم كلثوم عاملاً مهماً في إحداث طفرة موسيقية وشعرية شهدها القرن العشرين لم يكن لها أن تولد وتزدهر لولا وجودها.
وعلى المستوى الشخصي فإن التطور الشخصي لأم كلثوم يشهد بحالة من النبوغ والوعى لم يكن يتحقق إلا لأنها تمتلك ذكاء فطريا لا مثيل له ولعل النظر لبدايتها ونشأتها ومقارنة ذلك برحلتها الفنية الطويلة وما وصلت إليه يؤكد ذلك.
ولعل ما سبق يكشف عن مكانة أم كلثوم وبعض ما لها من حضور وتأثير في الحياة العامة والخاصة ويفتح الباب للحديث عن فيلم "الست"، وما آثاره من ضجة كبيرة في الأوساط الفنية والأدبية، لما يحتويه على مغالطات وأهداف لا علاقة لها بالفن والإبداع، والفيلم إنتاج (سعودى)، يخضع لفلسفة برنامج هيئة الترفيه السعودى، هى جهة ثقافية ترفيهية للتسلية وشغل وقت الفراغ في الواقع العربى والسعودى.
ولا شك أن تلك الهيئة المنوطة بالترفيه لها مالها وعليها ما عليها، وهي من خلال ما طرحته في الأعوام السابقة في صراع دائم مع الفكر العربي والتاريخ الحضارى وخاصة التاريخ الحضارى المصري .
وذلك لمحاولة بناء سياق ريادى من لا شيء إلى تصدر كل شيء دون تاريخ نوعى في معظم المجالات، وبالمناسبة هذا ليس عيبا كما يبدو لهم هناك ....!
والغريب أن القائمين على نشاط هيئة الترفيه ليس أمامهم سوى التاريخ الفنى المصرى فهم ينتحلونه انتحالا ليس نسبة أو هضما، ولكن يحاولون القيام بنقله وتقليده بصيغة جديدة في سياق الترفيه، وهم في ذلك يعتمدون على المصريين أنفسهم في ذلك، مما يؤكد أنهم ينطلقون من واقع الحياة المصرية ولا يغادرون الطبيعة الفنية المصرية، معتقدين أن ذلك تاريخا جديدا لهم.
من ذلك النشاط السينمائي الذى يحاولون صياغته بشكل مقلوب غير صحيح وبأيدى مصرية مرتشعة، لا هم لها إلا جمع المال.
نعود لفيلم "الست "، الذى يحاول عبثا تقديم حياة أم كلثوم، والغريب في طرحه وتناوله أن الفيلم يقوم على الصفات السلوكية والنفسية لأم كلثوم تلك الشخصية التي تجاوزت كل الحدود الفنية والإبداعية في مجال الغناء حتى نالت مكانة مرموقة في الحياة المصرية والعربية والعالمية بواسطة موهبتها الفنية الخالدة
وقد لقبت بعدة ألقاب منها الست،وكوكب الشرق، وسيدة الغناء العربي ، وسيدة مصر الأولى وهى ألقاب لم تكن لتوهب وتنسب لأم كلثوم هباء.
وأم كلثوم موهبة كبيرة في الغناء العربي والتاريخ العالمى للفن وستظل موهبتها طاغية عالية في مكانتها هذه لأشياء كثيرة يصعب حصرها وعدها هنا في هذا الحيز الضيق.
والعجب كل العجب أن يتناول الفيلم بخل الست ولم يتناول موقفها الوطنى فى أيام الحرب، وما قدمته للمجهود الحربي وهو موقف عظيم ومشرف أضاف لقيمة الفن المصري والفنانين وأضاف للوطنية العربية الكثير والكثير .
وهو تصرف عظيم ما يقف موقف الند لما قدمته بعض الدول العربية بما تملكه من إمكانيات كبيرة في هذا الوقت العصيب من حياة الأمة العربية.
مما يجعل الحديث عن الصفات الشخصية الخاصة في حياة أم كلثوم هو حديث العبث والشتات، ويجعل الفيلم ذاته مادة للنقد والتقويم، ويبعد بالشخصية الفنية عن قيمتها العامة .
كما يضع القائمين على الفيلم موضع شبهة غريبة وكأنهم مأجورين لتشويه الرمز الغنائى المصرى والعربى تشويها أعمى يفتقر للمصداقية.
كل ذلك يطرح سؤالا حياديا وهو ما هى ضوابط تناول الشخصيات العامة الفنية والسياسية والاقتصادية والدينية على المستوى الفنى والتمثيلى ..؟
وهل تناول الشخصيات العامة التي آثرت حياتنا الفكرية والفنية وبيان ما قدمته ومناقشة القضايا المتعلقة بتاريخها له علاقة بالبخل والجود والكرم... والطول والقصر.. وغير ذلك؟
وهل الفن الصحيح يقوم على المكايدة والتشويه..؟
وما الهدف الذي تسعى له هيئة الترفيه..؟
وعندما نقول أن أم كلثوم ..: كذا وكذا ونتعرض لحياتها الشخصية.. ! أجدى وأفضل أم نقول : أم كلثوم كوكب الشرق .. مبدعة تحلق في سماء المجد والخلود..!! ..