مساحة إعلانية
في مشهد عابر قد لا ننتبه له، لكنّه محمّل بدلالات نفسية واجتماعية عميقة؛الرجل حين يبكي، يرفع يده سريعًا ليغطي عينيه،والمرأة حين تبكي، تميل لا إراديًا لتغطية فمها.اختلاف بسيط في الحركة… لكنه يكشف تاريخًا طويلًا من التربية، والصورة النمطية، ونظرة المجتمع للمشاعر.
منذ الصغر، يُربّى الرجل على فكرة واحدة: “الرجالة ما بتعيطش” فتتحول الدموع إلى ضعف،والضعف إلى عيب. لذلك حين يبكي الرجل، لا يحاول إيقاف الدموع بقدر ما يحاول إخفاءها.
العين هي مرآة الانكسار، والدمعة شهادة لا يمكن إنكارها، فيغطي عينيه كأنه يقول:لا تنظروا إليّ الآن… هذا ليس أنا الذي تعرفونه. تغطية العين هنا ليست خجلًا فقط،بل محاولة لحماية صورته أمام نفسه قبل الآخرين.
أما المرأة، فقصتها مختلفة.المرأة سُمح لها بالبكاء… لكن بشروط:ابكي، لكن لا تصرخي. تألمي، لكن لا تُزعجي.
احزني، لكن لا تُبالغي. لذلك حين تبكي، تغطي فمها،كأنها تخشى أن يخرج الصوت قبل الدموع.
تخشى أن يُترجم الألم إلى صراخ،فيُقال عنها “هستيرية” أو “مبالِغة”. تغطية الفم هي محاولة لكبح الألم،للسيطرة على الانفعال،وللاعتذار غير المعلن عن الحزن.
علم النفس يفسر هذه الحركات على أنها استجابات لا واعية تشكّلت عبر سنوات من القوالب الاجتماعية:الرجل يُخفي ما يُضعف صورته،المرأة تُخفي ما قد يُزعج الآخرين، فكلاهما يتألم…لكن كلٌ بطريقته، وبحسب ما سُمح له أن يُظهره.
ليس الرجل أقسى لأنه لا يبكي،ولا المرأة أضعف لأنها تبكي.القسوة الحقيقية في أن يُفرض على الإنسان: كيف يشعر… وكيف يعبّر… ومتى يصمت.ربما آن الأوان أن نعيد تعريف القوة:أن يبكي الرجل دون خجل،
وأن تبكي المرأة دون اعتذار،وأن نفهم أن الدموع ليست ضعفًا…بل لغة إنسانية صادقة، لا تحتاج إلى غطاء.