مساحة إعلانية
تاريخ الإخوان مليء بالمؤامرات لا بالسياسة والسقوط السريع طبيعي
❒ لا يمكن قراءة مشاهد العنف بعد ٣٠ يونيو إلا وفي خلفيتها حوادث الخازندار والنقراشي والمنشية واستعراض جامعة الأزهر
محمد خليل
بعد ١٣ عاماً علي ثورة ٣٠ يونيو وقرارات ٣ يوليو يمكن قراءة الأمور في سياق سياسي لنعرف كيف كانت عملية الإنقاذ صعبة ومعقدة خاصة أننا عاصرنا هذه الأمور بأنفسنا ولم نقرأها في كتب التاريخ حتي يوهمنا أحد بأن هذه الأمور قد خضعت للتزييف أو تشكلت وصبغت بلون وانتماءات المؤرخين.
لن نعود إلي الخلف كثيراً ولكنها قفزات لمحطات فارقة يجب وضعها في الاعتبار حتي نكون أمام صورة واقعية وحيادية.
ظلت جماعة الإخوان تمارس السياسة عبر انتخابات النقابات ومجلسي الشعب والشورى، والانتخابات الطلابية في الجامعات، وكانت تحقق أرقاماً جيدة بمقاييس العلوم السياسية ولكن التوقف عند حدود النتائج فقط هو أزمة لمن يقرأ هذه القراءة وذلك لاعتبارين مهمين الأول أن منافس جماعة الإخوان كان هو الحزب الوطني سيء السمعة وأعضاؤه ذاتهم اعترفوا بالأمر بدليل عبارة شهيرة لأحد أعضائه التاريخيين ألا وهي: «الفساد في المحليات للركب».
والأمر الأخر أن المعارضة التي تم تجريفها لسنوات لم تكن لتملأ عين الشعب المصري أبداً.
وأمام هذين المعطيين كان الإخوان يقدمون أنفسهم بشعارات دينية ومنها الإسلام هو الحل، ومن لم يحكم بما أنزل الله.
وفي الوقت ذاته كان لهم سخاءً مجتمعياً عبر جمعياتهم وعلي سبيل الأفراد والمتمثل في الإعانات الاجتماعية وهو ما عُرف شعبياً بالزيت والسكر.
بهذه المحددات ترسخ وجود الإخوان في الشارع ومع قاعدة اجتماعية راسخة بالفعل وتهاوي شعبية نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك كان صعود الإخوان صاروخياً.
العالم ببواطن الأمور لم يكن ينظر لهذا الصعود سوي بالقلق لا بالفرح، لأن هذا الصعود ليس سياسياً فقط وإنما كان شعوراً لدي الإخوان بامتلاك المجتمع.
كان القلق هنا طبيعياً ووطنياً في آن واحد خاصة في النصف الثاني من العقد الأول في الألفية الثالثة.
ويمكن أن أشير هنا إلي نقطة محل قلق كبير، أنه مع تحقيق الإخوان لما يزيد علي ٨٠ مقعداً في مجلس الشعب في انتخابات ٢٠٠٥ وسيطرة علي النقابات المهنية والدفع نحو كثير من الاحتجاجات الفئوية رأيت أنا وغيري حادثة جعلتنا نراجع أنفسنا فيما سيقدم عليه هذا المجتمع ألا وهي الاستعراض العسكري الطلابي في جامعة الأزهر وهي الحادثة التي لم تتهاون فيها الدولة وأحالتها للقضاء العسكري وصدر فيها أحكام قضائية ضد قيادات لجماعة الإخوان وعلي رأسهم رجل الأعمال آنذاك خيرت الشاطر.
كانت تلك الحادثة فارقة فمن يعرف تاريخ الجامعة أدرك في هذه اللحظة أن الجماعة استوحشت، أو بالأحري ظنت أنها تمتلك المجتمع وامتلك المصريين.. -وكان ظنها إثم-.
مبعث القلق لدي الكثيرين هنا أنهم قرأوا التاريخ وعرفوا أنه عندما قويت شوكة الجماعة اغتالت النقراشي والخازندار وفي مرحلة أخري تعرضت لجمال عبدالناصر في حادث المنشية عام ١٩٥٤.
تطورت الأحداث سريعاً مع خنق سياسي واضح في انتخابات ٢٠١٠، فما كان إلا عملية تنفس سياسي صناعي في ثورة يناير ٢٠١١.
والتي كانت عملية ضرورية في دورة الزمان السياسية وتدخل ضروري.
ولأن الإخوان لم يمارسوا السياسة بمعناها المجرد ارتبكوا كطبيب بلا خبرة في غرفة العمليات.
في البداية أعلنت الجماعة عدم المشاركة وأنها تحترم رموز الحزب الوطني، وقال قادة الجماعة في تصريحات موثقة أنهم لم ولن يشاركوا ولم يدعو إلي الثورة.
اشتعل الحماس في الميدان. وتأخر نظام مبارك في رد الفعل مما جعله يفقد الدفة ويتحرك عشوائياً مع الأمواج إن علت ارتفع وإن هبطت نزل معها.. وكانت مرحلة أشبه بالارتجال السياسي.
في هذه المرحلة كان الإخوان ينغمسون تدريجياً في الميدان وركبت تصريحاتهم المشهد وسط الزحام فتواجد وافي الصورة وإما أن سقط مبارك ووضعوا أنفسهم عنوة في الصورة.
والمضحك سياسياً هنا أن الإخوان قبل هذه الرحلة كانت الأمور تأتي من مكتب الإرشاد إلي الشباب وكان التنفيذ تحت بند السمع والطاعة وبمبدأ الأخوة الذين فوق يعرفون أكثر، لكن في مرحلة ما اخترعوا حجة شباب الجماعة يريد.. هذا الشباب الذي كان خاضعاً للمرشد أصبح اليوم ثائراً كانت حجة وسط الزحام وانطلت علي الكثيرين لكن ما لم يدُركه الإخوان أن الأيام فضاحة.
في مرحلة ما بعد يناير تحالف الإخوان مع كل الخصوم سواء في التيار الإسلامي أو غيره فتحالفوا مع السلفيين واليسار، لكنهم احتفظوا بزمام الأمور في أيديهم حتي سيطروا علي مجلسي الشوري والشعب حتي عادوا إلي ظنهم الأساسي أنهم امتلكوا المصريين أو ظنوا أن مصر يمكن أن تكون لون واحد وهذا ضد حركة التاريخ.
ترشحوا علي انتخابات الرئاسة بمرشحين الأول أساسي خيرت الشاطر والثاني الدكتور محمد مرسي تم استبعاد الشاطر لاعتبارات إجرائية ووصلوا إلي جولة الإعادة بين الفريق أحمد شفيق والدكتور محمد مرسي.
وركبوا المشهد درامياً ففي الشوارع أوهموا الناس أن النتيجة تم تزويرها لصالح شفيق بدليل صوره التي تملأ الشوارع، رغم أن اللافتات كانت لكلا المرشحين وفي الوقت ذاته قالوا إن أي تغيير في نتيجة الانتخابات يعني موجة إضرام نيران.
في النهاية أعلن فوز مرسي، فلم يعتذروا عن اتهامات التزوير، وتحولت تهديدات موجة إضرام النيران إلي وجوه المصريين.
وكما قلنا سابقاً لم يمارس الإخوان السياسة في معناها وإنما مارسوا تكالب يبدو عليه صفة السياسة، فكان أول صدام حول مكان حلف اليمين حيث نص الإعلان الدستوري علي الحلف أمام المحكمة الدستورية فاعترضوا وأقسم أكثر من مرة أمام هيئة المحكمة الدستورية وفي ميدان التحرير وفي جامعة القاهرة وهذا صدام لم يكن منه جدوي لو كانوا يفهمون سياسة فالعبرة في اليمين وصدقه لا مكان الحلف.
تحدي الإخوان المحكمة الدستورية بإعلان مرسي عودة مجلس الشعب المنحل بقرار رئاسي في صدام لم يكن له داع فلو أجريت الانتخابات مرة أخري لكانت النتيجة لصالح الإخوان والسلفيين أيضاً.
لم يتحدث مرسي بلسان رئاسة الجمهورية والسلطة بقدر ما تحدث مرشد الإخوان محمد بديع وعصام العريان وخيرت الشاطر ومحمد البلتاجي ورشاد البيومي.
والحقيقية أن الرئيس الأسبق محمد مرسي لم يكن سياسياً ولم يصدق في داخله أنه رئيس الجمهورية فكان طبيعي أن يصطدم بالناس قبل أي أحد، فأصدر إعلاناً دستورياً يحصن قراراته من أي شيء ما يجعله ديكتاتوراً فوق الجميع وهي الاتهامات التي وجهوها للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك لم يتحمل الإخوان الاحتجاجات الفئوية التي كانوا أحد داعميها في السابق وصرخوا بأنها مؤامرات ضدهم، فهل اعترفوا انهم كانوا متآمرين في السابق؟
الحقيقة لا توجد إجابة.
اندلعت الاحتجاجات ضد الإخوان فسميت هذه الاحتجاجات بالمؤامرات ولم يخبرونا هل كانوا متآمرين من قبل أم لا.
سخروا من كل السياسيين أطلقوا علي حمدين صباحي اسم حمضين وعلي البرادعي عم شكشك وغيرهم وإن قال أحد علي «مرسي» الاستبن يقرأون علينا «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم».
وصل الصدام بين الإخوان والقوي السياسية إلي مرحلة صعبة ما استدعي تحذيرات الجيش التي نبهت إلي خطورة الصدام علي الوطن ولأن الإخوان لم يعرفوا السياسة ظنوا أن نداء الجيش الذي أطلقه الفريق أول عبدالفتاح السيسي آنذاك وزير الدفاع هو انحياز للإخوان.
لم يُدركوا نعمة منّ الله بها علي مصر وهي عدم تسييس الجيش.
المفارقة كانت في سخرية أحد أعضاء الجماعة علي الهواء حينما سمع نداء الفريق أول آنذاك عبدالفتاح السيسي وقال تصريح وزير الدفاع للقوي السياسية فهل مؤسسة الرئاسة من القوي السياسية؟
لم يدركوا خطورة ما فيه الشارع.
توالت التحذيرات خلال العشر الأواخر من شهر يونيو وتوالت معها الإساءات من قيادات الجماعة وعلي رأسهم حازم صلاح أبوإسماعيل الذي كان سابقاً يحاصر مدينة الإنتاج الإعلامي كان الغباء سيد الموقف ففرض علي مصر طريق ٣٠ يونيو والأصل في الأشياء أن مصر إن فُرض عليها طريق تعبر وبالفعل عبرت.
مع انعدام سياسة الاخوان وإحباط أي مسلك سياسي جن جنون الإخوان لأن بذرة الوصول للحكم التي زرعوها حرقوها في عام واحد فلم يستمروا سوي سنة، فقارئوا التاريخ لم يستغربوا ما فعله الإخوان في أنفسهم فمن أدركوا مشهد الاستعراض العسكري في جامعة الأزهر عام ٢٠٠٧ كانوا يعرفون ما نحن مقدمين عليه وهو تحديدا سلوك الجماعة في مرحلة ما بعد قرارات ٣ يوليو.
هددوا وقتلوا وسقط الشهداء ومررنا بمرحلة عصيبة لكننا عبرنا.
هنا لا يفوتنا أن نذكر المشهد الأيقوني للقيادي الاخواني محمد البلتاجي حينما قال إن الذي يحدث في سيناء -في إشارة إلي الارهاب- يتوقف في اللحظة التي يعود فيها الرئيس مرسي الي الحكم.
ورغم أنها شهادة واضحة ظهر البلتاجي من ميدان رابعة يفسر قوله بأنه يقصد أن هذه الأحداث اندلعت بناء علي ما حدث مع مرسي وأنه لم يقصد أن جماعة الإخوان هي المسئولة.
يريدننا وسط هذا العنف أن نقرأ تصريحه ونسمعه ونراه أمام أعيننا ونحسبه ملاكاً لا يقصد.
المفارقة أن الإخوان ذاتهم لم كانوا يمسكون تصريحاً حمال أوجه كانوا يحلبونه تأويلات لصالحهم واتهامات ضد خصومهم يريدوننا أن نظن أنفسنا شياطين وهم الملائكة.. تلك المرحلة التي كانوا يريدونها أن تفقد مصر ثقتها في نفسها وهذا ضد عجلة التاريخ.
الآن بعد ١٣ عاماً علي ثورة ٣٠ يونيو نري الصورة بلا وضوح ولا تشويش أن مصر ضبطت عجلة التاريخ برجل آمن بالله وبمصر فوهبه الله قلباً لا يخاف إلاه وعقل فيه من الرجاحة ما يكفي لضبط حركة التاريخ.
هذا الرجل هو الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي فرض كلمة مصر التاريخية علي الجميع لم يعبأ بتيار أمريكي يدعم مرسي، ولا بتهديد أوروبي تحت شعار الديمقراطية فوضع كل ذلك خلف ظهره وقلبه علي كتفه وتصدي فكانت مصر التي نراها الآن.
استقرار سياسي واقتصادي وحضور دبلوماسي وصمود ضد المؤامرات إنها مصر ٣٠ يونيو.. والحمدلله اننا حضرنا هذه الايام بانفسنا حتي لا يزيفها احد.
هنيئاً لمصر ٣٠ يونيو ونتعاهد علي البقاء أبداً علي مبادئها.