مساحة إعلانية
مَا أَشْبَهَ أَيَّامِي بِأَنْوَاعِ تَذَاكِرِ القِطَارَاتِ: يَوْمٌ يُشْبِهُ الدَّرَجَةَ الرَّابِعَةَ، وَيَوْمٌ يُشْبِهُ الثَّالِثَةَ، وَيَوْمٌ يُشْبِهُ الثَّانِيَةَ، وَقَلِيلٌ مَا يَأْتِي يَوْمٌ لِيُشْبِهَ الأُولَى، مَعَ طُلُوعَةِ كُلِّ فَجْرٍ، تَهْفُو نَفْسِي لِأَنْ أُغَادِرَ نَفْسِي. تَتَسَابَقُ قَدَمَايَ لِتَسْبِقَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى. أَدْخُلُ أَدْرَاجَهَا، أَفْتِشُ عَنْ مَقْتَنَيَاتِي الثَّمِينَةِ فَلَا أَجِدُ مِنْهَا شَيْئًا، كَمْ كُنْتُ طِفْلًا وَدِيعًا! أَخَذَتْنِي الدُّنْيَا فِي أَحْضَانِهَا أَخْذَ السَّاسَةِ لِلْعَبِيدِ. طَوَّقَتْنِي بِطَوْقِ التَّحَدِّي فِي عَاصِفَةِ يَوْمٍ لَمْ تَشْرُقْ فِيهِ شَمْسٌ. وَقَفْتُ كَمَا تَقِفُ التَّمَاثِيلُ الشَّامِخَةُ مِنْ صُنْعِ الفَرَاعِنَةِ الأَوَائِلِ. شَيْءٌ مَا يُحَرِّكُنِي، وَكَأَنَّ بَاحِثًا عَنْ كُنُوزِ الفَرَاعِنَةِ يَحْفِرُ فِي مَحِيَّا دَائِرَتِي. أَخَذَتْنِي الطُّفُولَةُ فِي بِضْعِ سِنِينَ وَلَمْ تَمْنَحْنِي سُبُلَ الحَيَاةِ. وَقَفْتُ عَلَى أَعْتَابِ نَفْسِي أَهْفُو كَمَا يَهْفُو الأَطْفَالُ إِلَى اللَّعِبِ وَالمُتْعَةِ. رَأَيْتُنِي...""...رَأَيْتُنِي وَرَاءَ زُجَاجٍ سَمِيكٍ، أَنْظُرُ إِلَى مَنْ كُنْتُ وَأَنَا أَمْسِكُ بِتَذْكِرَةٍ بَيْضَاءَ خَالِيَةٍ. لَا مَحَطَّةَ كُتِبَتْ عَلَيْهَا، وَلَا وَقْتَ مُغَادَرَةٍ، وَلَا وَجْهَةٍ سفر ،
فِي مَمَرَّاتِ نَفْسِي تَضِيعُ الْخُرَائِطُ، كُلُّ بَابٍ أَفْتَحُهُ يُؤَدِّي إِلَى مَحَطَّةٍ أُخْرَى كُنْتُ قَدْ غَادَرْتُهَا بِلا عَوْدَةٍ. أَسْمَاءُ الْمَدَنِ الْمَكْتُوبَةُ عَلَى اللَّوْحَاتِ تَتَشَابَهُ: 'أَمْسِ'، 'غَدًا'، 'لَحْظَةٌ'، 'ذِكْرَى'.
وَفِي لَحْظَةِ صِدْقٍ نَادِرَةٍ، بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَأَمَّلُ الْخَرِيطَةَ الْمُمَزَّقَةَ بَيْنَ يَدَيَّ، وَجَدْتُ نَفْسِي أَسْأَلُ: 'وَمَتَى سَأَكُونُ أَنَا الْقَاطِرَةَ وَالسَّائِقَ، لا مُجَرَّدَ رَاكب حَامِلًا تَذْكِرَةً لِسَفَرٍ لَمْ بخْتَرْ مَعَالِمَهُا؟'
هَا هِيَ صَفَّارَةُ الْقِطَارِ تدوِّي مُجَدَّدًا. الْبَوَّابَةُ تُفْتَحُ. هَلْ أَدْخُلُ هَذَا الْمَرَّةَ بِاسْمِي، أَمْ أَنْتَظِرُ يَوْمًا يُشْبِهُ الدَّرَجَةَ الْأُولَى؟"وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَحْسُّ بِالْقِطَارِ يَتَحَرَّكُ أَخِيرًا تَحْتَ قَدَمَيَّ، إِذْ بِي أَسْمَعُ صَوْتَ الْبَابِ يُفْتَحُ فِي وَسَطِ الْمَمَرَّ. ظِلٌّ طَوِيلٌ يَمْتَدُّ عَلَى الأَرْضِيَّةِ الخَشَبِيَّةِ الْعَتِيقَةِ. رَفَعْتُ رَأْسِي، كَانَ هُوَ أَنَا. نَفْسُ الْعُيُونِ الْمَلِيئَةِ بِالتَّسَاؤُلِ، وَنَفْسُ الْهَيْئَةِ الَّتِي تَشُدُّهَا الْأَسْئِلَةُ كَأَنَّهَا حِبَالٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ. كان فِي يَدِهِ حَقِيبَةٌ صَغِيرَةٌ مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي كُنْتُ أَحْمِلُهَا يَوْمَ أَرْكَبُ الْقِطَارَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي طُفُولَتِي، جَلَسَ أَمَامِي، دُونَ كَلَامٍ. نَظَرَ إِلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنَ الْحَقِيبَةِ ورقة صَغِيرَةً وَقَلَمًا. كَتَبَ عَلَيها ثُمَّ مَدَّهَا نَحْوِي. " ...انْتَبَهْتُ فَجْأَةً. النَّافِذَةُ الَّتِي كُنْتُ أَنْظُرُ مِنْهَا إِلَى الْمُنْعَطَفَاتِ الْمُبْهَمَةِ، لَمْ تَعُدْ تُظْهِرُ مَشَاهِدَ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، كَانَتْ تَعْكِسُ صُورَةً وَاضِحَةً لِدَاخِلِ الْعَرَبَةِ. رَأَيْتُ نَفْسِي جَالِسًا، وَرَأَيْتُهُ هُوَ الْجَالِسَ أَمَامِي، وَرَأَيْتُ بَيْنَنَا طَاوِلَةً صَغِيرَةً عَلَيْهَا خَرِيطَةٌ.
لَمْ تَكُنْ خَرِيطَةَ مَدَنٍ أَوْ بِلَادٍ. كَانَتْ خَرِيطَةً لِوَجْهِي. الْخُطُوطُ الدَّقِيقَةُ حَوْلَ الْعَيْنَيْنِ لَمْ تَكُنْ تَجَاعِيدَ هرَمٍ، بَلْ مَسَارَاتٍ لِرِحْلَاتٍ سَابِقَةٍ. الْفَمُ لَمْ يَعُدْ مُحَطَّةً لِلسَّكْتُ، بَلْ مَدْخَلًا لِكَلِمَاتٍ جَدِيدَةٍ لَمْ أَنْطِقْهَا بَعْدُ. وَمَا كُنْتُ أَعْتَقِدُهُ «مَحْيَا دَائِرَتِي» الَّتِي يَحْفِرُ فِيهَا الْبَاحِثُونَ، كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بُوصَلَةً مُرَكَّبَةً فِي وَسَطِ الْجَبِينِ، تَشِيرُ إِبْرَتُهَا الْآنَ بِثَبَاتٍ نَحْوَ الدَّاخِلِ.
الْقِطَارُ يَسِيرُ. لَمْ أَعُدْ أَسْأَلُ إِلَى أَيْنَ. لِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ وَجْهَةً للرحيل، مَدَدْتُ يَدِي نَحْوَ الرَّجُلِ الْجَالِسِ أَمَامِي – نَحْوَ ذَاتِي الْأُخْرَى – وَأَخَذْتُ الْقَلَمَ مِنْ يَدِهِ. وعَلَى ظَهْرِ التَّذْكِرَةِ الْبَيْضَاءِ، كَتَبْتُ بِخَطٍّ لَمْ أَعْتَدْهُ عَلَى نَفْسِي، خَطٍّ جَرِيءٍ وَمُسْتَقِيمٍ:
"بَارَكَ اللهُ فِي سَفَرِي.
وَهَذِهِ التَّذْكِرَةُ إِقْرَارٌ
بِأَنَّ الرَّحِيلَ لَيْسَ فِرَارًا،
وَأَنَّ الْوُصُولَ لَيْسَ مَحَطَّةً،
بَلْ هِيَ وَسَائِلُ الْحُبِّ الْأَخِيرِ
بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي."
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ، وَرَأَيْتُ فِي عَيْنَيْهِ بَرِيقًا لَمْ أَرَهُ من قَبْل. كَأَنَّمَا كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِئَاتِ السِّنِينَ. ثُمَّ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ، لَيِّنًا وَرِقِيقًا، كَالْحِبْرِ الْأَزْرَقِ يَذُوبُ فِي مَاءِ النَّافِذَةِ الْمُعْتِمَةِ. لَمْ يَخْتَفِ. بَلْ انْسَابَ بِكُلِِِِِّّّّ سُكُوْنِهِ نَحْوِي، وَاخْتَلَطَ بِخَلِيَّتِي كُلِّهَا، كَأَنَّهُ الْحَرْفُ الَّذِي كَانَ يَنْقُصُ لِتَكْتَمِلَ الْكَلِمَةُ.
الْعَرَبَةُ خَالِيَةٌ الآنَ إِلَّا مِنِّي. وَمِنْ فَرَاغِهَا الْمُطْمَئِنِّ، أَسْمَعُ صَوْتَ الْقَائِدِ – صَوْتِي أَنَا – يَنْدَفِعُ مِنْ غُرْفَةِ القِيَادَةِ يُنَادِي بِاسْمِ الْمَحَطَّةِ الْقَادِمَةِ، بِصَوْتٍ عَالٍ وَوَاضِحٍ يَمْلَأُ كُلَّ الْفَضَاءِ الدَّاخِلِيِّ حان الوقت لححز تذكرة السفر.