مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ولاء جمال تكتب:زوزو في مرآة النيل: لماذا يبدو الأتوبيس النهري حكراً على السندريلا؟

2026-06-21 01:52 PM  - 
ولاء جمال تكتب:زوزو في مرآة النيل: لماذا يبدو الأتوبيس النهري حكراً على السندريلا؟
ولاء جمال

ولاء جمال 

في هذا الاتوبيس النهري مشاعري وذكرياتي نسجت نفسها حول هذا الجماد وبعثت فيه نبض الحياة وجعلت منه مخلوق احبه وافتقده فهذه اللحظات الماضية التي أحببناها ظللنا نجتذبها معنا كل يوم فاصبحت معنا حاضرا مستمرا انه الحب الذي خلق من الجمادات احياءً فبالحب وحده يحل الانسجام والنظام في الجسد والروح ويكون التجلي الأكثر صدقا لتحقيق السعادة والفرح 
في خيالي، الأتوبيس النهري ليس مجرد وسيلة مواصلات عامة تنقل الموظفين والطلاب عبر ضفتي النيل في القاهرة. في خيالي، هذا الكيان الخشبي والحديدي الذي يشق ماء النيل أُنشئ خصيصاً لامرأة واحدة؛ لفتاة تلبس فستاناً أبيضاً مشدوداً بمشد أحمر، تحمل كتبها الجامعية، وتوزع ابتساماتها على الأمواج والنباتات والطيور والبشر .
أعلم يقيناً أن الآلاف يركبونه يومياً، لكن عقلي  يرفض هذه الحقيقة، ويصر على أن الأتوبيس النهري رُفع عنه الخدمة فور نزول "زوزو " منه!
 سحر التفاصيل، نظرتها وهي تقف على السلم الأزرق الظاهر في الهواء الذي يداعب شعرها،كل هذه التفاصيل جعلت الجيل الذي لم يعش تلك الحقبة، والجيل الذي عاشها، يرى الأتوبيس النهري بعيون "زوزو" لا بعيون الواقع.
حين قررتُ ركوب الأتوبيس النهري مدفوعة بهذا الحب والخيالات الأسطورية، لم أجد "زوزو". وجدتُ وجوهاً متعبة من عناء اليوم، ومقاعد قديمة، وضوضاء المحرك. لكن المفارقة أنه بمجرد أن تحركت المركبة وبدأ الهواء يلفح وجهي، شعرتُ بتلك "المسحة" من السحر.
نعم، لم تكن سعاد حسني هناك بجسدها، لكن روحها  ما زالت ترفرف فوق الماء. الأتوبيس النهري يمنحك فرصة لفصل نفسك عن صخب أسفلت القاهرة والسيارات، لتتأمل المدينة من منظورها الأجمل.. تماماً كما كانت تراه زوزو.
نحن لا نحب الأتوبيس النهري لأنه أسرع أو أفضل، نحن نحبه لأن السينما علمتنا كيف نرى الجمال في أبسط أشيائنا. وفي كل مرة سأقف فيها عند مرسى النهر، سألتفت حولي لا شعورياً، بانتظار فتاة رشيقة تخطف الأنظار، ليتأكد خيالي أن  السندريللا لن تأتى مجددا وسيظل مكانها خاليا وهى التى سكنت 
القلب والوجدان الاتوبيس النهري  مساحة للحرية  بيلخص "سحر سعاد"؛ البنت التي خرجت من قلب حارة شعبية وتذهب الي الجامعة، وفي ركوبها للاتوبيس النهري والأغاني والضحك، كانت بتعكس حالة من الانعتاق والراحة النفسية. المياه والهوا وكأنهم يخلعوا من عليها رداء القيد ويفكوا من حول مشاعرها الأغلال، فينكشف عنها صفاء النفس وعفوية الروح .
الجميل في "زوزو" أنها لم تكن تمثل البهجة، بل كانت هى البهجة نفسها التى تعانق قلب كل من يراها دون استئذان. لذلك عندما اركب  الاتوبيس النهري واتذكرها في هذا الفيلم أنا لا أتذكر مجرد كادر سينمائي، بل استحضر طاقة أمل، وشباب دائم، وضحكة صافية عاشوا وحفروا بصمات فى أعماقنا .
كأن الاتوبيس النهري مازال محتفظ بصدى غناها وشقاوتها الي الآن وكأن سعاد حسني هي التي صنعت هويّة هذا المكان، وصدق المشاعر هو الذي يجعل هذا المكان عصي على النسيان، حتى لو خِلي من صاحبه
  العلاقة بين الأتوبيس النهري وسعاد حسني هى علاقة تماس لمنطقة غالية وعميقة فى حياتنا ، فهى لم تكن مجرد فنانة عابرة للقلوب بقدر ماكانت حالة إنسانية ووجدانية عابرة للروحانيات . روحها كانت خفيفة وصادقة لدرجة إنها عندما كانت تدخل  مكان—سواء في الحقيقة أو ورا الكاميرا—كانت بتطبع عليه بساطتها وشجنها، وتملأه حياة لدرجة تخليه حِكر عليها في ذاكرة أي إنسان يراه .
الاتوبيس النهري بنيله، وحركته الهادية وسط المياه، والناس البسيطة التي تركبه، شبه روح "السندريلا" في البساطة الآسرة المكان فيه روح مصرية خالصة، وسعاد كانت تجسدهذه  الروح في أصفى صورها.
 البهجة الممزوجة بالشجن النيل والاتوبيس فيهم روقان لكن داخلهم شجن دافي، وهذا بالظبط التناقض الساحر الذي عاشت فيه سعاد حسني.
 الحضور العابر للزمن كأني  كل ما اركبه ألمح طيف ضحكتها الصافية العفوية على وجه المياه أو نظرة عينها السرحانة وهي تنظر للقاهرة من الشباك.
هذه الأماكن حين ترتبط بنفوس بالجمال والعمق الذي يخص سعاد تتطهر من "عاديتها" وبتتحول لـ مساحة من السحر الخالص.. وكأن النيل والاتوبيس النهري خلقوا فقط ليسيروا على خطى روحها.

مساحة إعلانية