مساحة إعلانية
كتب: مرتضي العمدة
تحتفي وزارة الأوقاف باليوم العالمي للمدن، الذي يوافق ٣١ من أكتوبر من كل عام، وأعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم ٦٨/٢٣٩؛ لتعزيز التعاون الدولي في مواجهة تحديات التحضر ودعم التنمية الحضرية المستدامة. ويأتي احتفال عام ٢٠٢٦ تحت شعار «تجديد المدينة: سكن ملائم للجميع»، مسلطًا الضوء على أهمية التجديد الحضري وتوفير السكن اللائق والخدمات الأساسية، وإشراك المجتمعات المحلية في تطوير أحيائها وصون حقوق سكانها. فالمدينة ليست مباني وطرقًا ومرافق فحسب، بل هي حياة الإنسان وكرامته وفرصه وعلاقاته؛ والعمران الحقيقي لا يقاس بما يرتفع فيها من مبانٍ وحدها، بل بما يتحقق فيها من بناء للإنسان، وتحسين لجودة الحياة، وإتاحة للخدمات، وبيئة تحفظ الحقوق وتصون الموارد. وقد جعل الإسلام عمارة الأرض من مقتضيات الاستخلاف ومسئولية الإنسان فيها، فقال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. وهذه المسئولية لا تتحقق بمجرد الوجود في الأرض، وإنما بالعمل والإصلاح والإنتاج وإتقان المهن، وبناء ما ينفع الناس، وتحقيق مصالحهم، وحفظ حقوقهم، وصيانة البيئة والموارد من الإفساد والهدر. وقد قرر سيدنا النبي ﷺ قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»؛ رواه ابن ماجه، بما يؤسس لقيم التعاون والتراحم ومراعاة المصالح في حياة المجتمع. ومن ثم فإن العبادة في التصور الإسلامي تمتد آثارها إلى حركة الحياة؛ فيكون الإيمان دافعًا إلى العمل الصالح، والإنتاج المتقن، وخدمة الناس، والإسهام في إعمار الأرض وبناء الحضارة. وتجسد الدولة المصرية هذه الرؤية من خلال جهود متكاملة في التنمية العمرانية، تشمل التوسع في إنشاء المدن الجديدة، وتطوير المناطق غير الآمنة، والارتقاء بالبنية الأساسية والمرافق والخدمات. وقد نجحت هذه الجهود في مضاعفة مساحة المعمور المصري من نحو ٧٪ عام ٢٠١٤ إلى نحو ١٤٪، بما يفتح آفاقًا أوسع لاستيعاب الزيادة السكانية، وإعادة توزيع الكثافات، وتوفير فرص جديدة للسكن والعمل والاستثمار. وتتقدم هذه الجهود المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، بوصفها مشروعًا وطنيًّا استثنائيًّا لا نظير له في اتساع نطاقه وتكامل مجالاته وأثره التنموي؛ إذ تستهدف تحسين جودة الحياة في الريف المصري والارتقاء بالخدمات والبنية الأساسية في آلاف القرى، بما يمس حياة ملايين المواطنين. وإلى جانب ذلك، تواصل الدولة جهودها لتوفير السكن الملائم من خلال المبادرة الرئاسية «سكن لكل المصريين»، والتوسع في إتاحة الوحدات السكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل. وهي جهود تجعل التنمية العمرانية أوسع من مجرد التوسع في البناء؛ إذ تستهدف توفير مقومات الحياة الكريمة وتحقيق التوازن في فرص التنمية والخدمات. ومن هذا المنطلق، ترى الوزارة أن الدين حافز على الابتكار والعمل والعمران والإنتاج بوصفها من صميم مسئولية الإنسان، بما يجعل أثر الإيمان ظاهرًا في عمارة الأرض وصناعة الحضارة. وقد كان من أبرز مخرجات المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذي عُقد بعنوان «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، ترسيخ هذه الرؤية التي عبّرت عنها مخرجات المؤتمر من أن «العمران ثلث الدين»؛ بما يؤكد مكانة العمل والبناء والإنتاج في الفهم الصحيح للدين؛ فالعمل إذا اقترن بالنية الصالحة، وأُدِّي بأمانة وإتقان، وكان نافعًا للناس، أصبح بابًا من أبواب العبادة؛ والإيمان الصحيح لا يصنع إنسانًا منعزلًا عن حركة الحياة، بل إنسانًا منتجًا، متقنًا لمهنته، مسئولًا عن دوره، مشاركًا في نهضة وطنه. وتبقى إقامة المدن المستدامة مسئولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمطورين والمواطنين؛ تقتضي تخطيطًا يراعي احتياجات الناس، وخدمات متاحة للجميع، وبيئة آمنة، ومساحات عامة تحفظ حق المجتمع، ومشاركة واعية للسكان في تطوير محيطهم. كما تتطلب من كل مواطن المحافظة على الشوارع والمرافق والحدائق ووسائل النقل، وعدم التعدي على الممتلكات العامة، وترشيد استهلاك الموارد، والإسهام الإيجابي في خدمة مجتمعه.