مساحة إعلانية
كتبت: زينب النجار
ثمة كلام يُقرأ فيمر كالنسيم، وثمة كلام يُقرأ فيقف في القلب كأنه كان ينتظر أن يجده من زمن...
حين كتب الدكتور علي الدكروري عن المرأة، لم يكتب مقالًا، ولم يُلقِ خطبة، ولم يُردد شعارات موسمية تولد مع المناسبات وتموت بعدها؛ ولم يكتب بوستًا للإعجاب أو منشورًا لرفع اللايكات.
كتب كمن يُسدي دَينًا قديمًا، دينًا لا تكفيه الكلمات مهما علت.
لأن الأم؛ تلك المرأة التي صنعت الرجال قبل أن يعرفوا أنهم رجال؛ لا تنتظر شكرًا ولا تطلب اعترافًا...
وأم الدكتور علي من بين هؤلاء النساء العظيمات، تلك التي لم تكتف بأن تُنجب رجلًا، بل أخذت على عاتقها أن تصنع منه إنسانًا؛ غرست فيه قبل أن يتعلم الحروف: أن للمرأة قيمة لا تُقاس، وأن الوفاء فضيلة، وأن الكلمة الطيبة ليست مجاملة بل هي أمانة.
فخرج اليوم يكتب عن المرأة بهذا الوفاء؛ لأن أول امرأة في حياته علمته أن يستحقها.
قال ما لا يجرؤ كثيرون على قوله: إن المرأة ليست نصف المجتمع فقط، بل هي من تصنع النصف الآخر وتشارك في بناء الأول؛ وهذه ليست مبالغة شاعر، هذا هو الحق الذي لا يراه إلا من وقف يومًا أمام أمه وتأمّل كيف تحمل الدنيا كلها على كتفين لا تشكوان، وكيف تُدير بيتًا بأكمله وكأنها تُدير مملكة؛ بهدوء الملكات، لا بضجيج الملوك.
الرجل الذي يتحدث عن المرأة بهذا الوفاء وهذا العمق، ليس رجلًا حفظ جُملًا جميلة لمواقف مناسبة.
هو رجل تشربت روحه معنى المرأة من أم علمته قبل أن يتعلم الكلام: أن تحترم من أمامك، وأن تعرف قيمة من يُحبك، وأن تقول الحق حتى حين لا يقوله أحد.
فالكلام الراقي ما يخرج هكذا، خفيفًا صادقًا موزونًا، إلا من إنسان ربته أم تعرف معنى الإنسان؛ أم علمته أن القوة الحقيقية ليست في الصوت العالي، بل في الكلمة التي تبقى بعد أن يصمت كل شئ ؛ أم أورثته أن الوفاء ليس ضعفًا، وأن الإعتراف بالجميل ليس انكسارًا، بل هو أرقى ما يصل إليه الإنسان.
وحين نقرأ كلامه عن المرأة الأم والزوجة والابنة والقائدة، نفهم أنه لا يتكلم عن مفاهيم مجردة، بل يتكلم عن وجه واحد رآه منذ طفولته ؛ وجه أمه. تلك التي علمته أن وراء كل قصة نجاح تراها اليوم، كانت هناك امرأة لم تنتظر أن يُذكر اسمها...
فاليوم التحية ليست فقط للدكتور علي ...
على كلامه النبيل؛ بل التحية الأعمق والأجمل للأم التي ربّت هذا الرجل.
التي سقته القيم والأصول مع الحليب، وأورثته الوفاء قبل أن يعرف معناه، وعلمته أن يرى المرأة إنسانة كاملة قبل أن يراها دورًا أو وظيفة؛ فخرج كلامه اليوم صادقًا موزونًا، لأن من علّمته كانت صادقة وموزونة.
وهذا هو أعظم ما تصنعه الأم ؛
لا تصنع النجاح فقط، بل تصنع الإنسان الذي يصنع النجاح.
وبعد أن قرأتُ كلامه، وأنا الأم التي تربّي وتعيش كل يوم معنى هذه الكلمات من داخلها ؛ لم أجد فيه مجاملة ولا أداءً للمناسبة.
وجدتُ صدقًا نادرًا خرج من القلب ووصل إلى القلب ؛ لأن الكلام الذي يأتي من إنسان تربّى حقًا لا يحتاج إلى زخرفة؛ يكفيه أن يكون صادقًا ليهزّ الأرواح.
فتحيةً للأم… في كل رجل راقٍ تعرفه. .