مساحة إعلانية

منبر

وزاراتنا

ننفرد بنشر نص خطبة الجمعة القادمة بعنوان التنمرُ وأثرُه على شخصيةِ الإنسانِ

2026-08-05 12:34 PM  - 
ننفرد بنشر نص خطبة الجمعة القادمة بعنوان التنمرُ وأثرُه على شخصيةِ الإنسانِ
وزير الاوقاف
إعلان بنك saib

كتب: مرتضي العمدة

الحمدُ للهِ الذي كرَّمَ بني آدمَ فرفعَ قدرَهُم، وشيَّدَ أركانَ العدلِ والاحترامِ لجمعِ شملِهِم، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، يعلمُ ما تخفي الصدورُ وما تُكنُّهُ الضمائرُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، الذي بُعثَ ليتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ، ويُرسيَ قواعدَ التراحمِ والتآلفِ في الآفاقِ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ صلاةً وسلامًا دائمَيْنِ إلى يومِ الدينِ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ: ١- احفظْ حالَكَ ومقالَكَ من آفةِ التنمرِ: واعلمْ أنَّ الإيذاءَ النفسيَّ والجسديَّ واللفظيَّ جنايةٌ كبرى في ميزانِ الشرعِ، وعدوانٌ سافرٌ على كرامةِ الإنسانِ، فالتنمرُ مزحةٌ مدمرةٌ، وسلوكٌ جسيمٌ، وخلقٌ مذمومٌ، وسهمٌ يمزقُ النسيجَ الاجتماعيَّ، ويزرعُ البغضاءَ، ويزيدُ الشحناءَ، ويحيي ثقافةَ الكبرِ والاستعلاءِ، حيثُ يغترُّ المتنمِّرُ بقوتِهِ أو مكانتِهِ ظانًّا أنَّهُ بمَنجاةٍ من العقابِ، وغافلًا عن عاقبةِ صنيعِهِ حينَ اتخذَ السخريةَ منهجًا، والاستهزاءَ طريقةً، فوقعَ في إثمٍ عظيمٍ وبهتانٍ مبينٍ، إذ أهانَ نفسًا مكرمةً، رفيعًا قدرُها، مصداقًا لقولِ العزيزِ الحكيمِ في محكمِ التنزيلِ: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ...﴾. ٢- احذرْ منَ الخوضِ في أعراضِ الناسِ واحتقارِهِم: وتجنَّبْ استدراجَ الشيطانِ لكَ لتجرحَ مشاعرَ الآخرينَ، فالتنمرُ بالكلمةِ الجارحةِ، أو اللقبِ المهينِ، أو الفعلِ المؤذي، أو التعدي على الضعفاءِ، جرمٌ عظيمٌ، وجريمةٌ مشينةٌ، تكسرُ القلوبَ، وتدمرُ الأرواحَ، فالنظرةُ المؤذيةُ، والكلمةُ اللاذعةُ، والرسالةُ الساخرةُ عبرَ الشاشاتِ أو في المجالسِ، كلُّها جنودٌ لإبليسَ، فالمؤمنُ الحقيقيُّ هو مَنْ سلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويدِهِ، ولا يرتضي لغيرِهِ ما لا يرتضيِهِ لنفسِهِ، فلا تستهنْ بخِلْقةِ أخيكَ، أو لونِهِ، أو مستواهُ الاجتماعيّ، فتلكَ هي صنعةُ الخالقِ التي يجبُ توقيرُها، وتقديره الذي يجبُ الرضا بِه، ومَنْ احتقرَ خَلقَهُ فقد تعرَّضَ لغضبِهِ، واستحقَّ بذلكَ شرَّ الجزاءِ، وأسوأَ العقابِ، واعلمْ أنَّكَ بتنمُّرِكَ على غيرِكَ قد حزتَ الشرَّ كلَّهُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ: «بحسبِ امرئٍ منَ الشرِّ أنْ يحقرَ أخاهُ المسلمَ». ٣- تجنَّب التنمرَ الرقميَّ، واستشعرْ بشاعةَ الأذى الإلكترونيِّ: فالكلماتُ الجارحةُ، والصورُ المسرَّبةُ، والتعليقاتُ الساخرةُ، وحملاتُ التشهيرِ المنظمةُ، وإنشاءُ صفحاتٍ وهميةٍ للسخريةِ منَ الآخرينَ، ونشرُ الفيديوهاتِ المحرجةِ دونَ إذنٍ، والتعصبُ الكرويُّ الأعمى وما يرافقُهُ من إهانةٍ للخصومِ وإثارةٍ للفتنِ عبرَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ، تحوَّلتْ إلى معاولَ هدمٍ للنفوسِ، ومسبباتٍ للاكتئابِ والعزلةِ، فاجعلْ صفحتَكَ الشخصيةَ واحةَ سلامٍ، وتعامُلَكَ الرقميَّ خاليًا من كلِّ أشكالِ التنمرِ والإيذاءِ، وكُنْ مفتاحًا للخيرِ، مغلاقًا للشرِّ، واحرصْ على أنْ تتركَ أثرًا جميلًا، أو كلمةً طيبةً تبني ولا تهدمُ، وإذا كانَ الوعيدُ الشديدُ قد استقرَّ لمن يؤذي المؤمنينَ، فكيفَ بمن يتخذُ التنمرَ أداةً لإسقاطِ الآخرينَ وإشعالِ الفتنِ؟ فكمْ من كلمةٍ لم يُلقِ صاحبُها لها بالًا هوتْ بهِ إلى سخطِ اللهِ! وكمْ من قلبٍ كُسرَ بسببِ سخريةٍ دنيئةٍ! فليستحضرْ هذا المتنمِّرُ أنَّ عقابَ الله لمن يؤذي عبادَ اللهِ؛ مصداقًا لقولِ اللهِ سبحانهُ وتعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُوا۟ بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾. ٤- اعلمْ أنَّ خلفَ الكلماتِ الساخرةِ رقابةً إلهيةً محيطةً: وتدبَّر الآثارَ النفسيةَ المدمرةَ التي يُخلِّفُها التنمرُ في نفوسِ الضحايا من قلقٍ شديدٍ، وخوفٍ مستمرٍّ، واكتئابٍ عميقٍ، وعزلةٍ تامةٍ، وانطواءٍ عن المجتمعِ، وفقدانٍ للثقةِ بالنفسِ، وانهيارٍ في المعنوياتِ، وانكسارٍ في القلبِ، وانظرْ بعينِ الرحمةِ إلى تلكَ الأرواحِ التي أنهكَها الاستهزاءُ والإقصاءُ، فما هذهِ الممارسةُ إلا هدمٌ لسكينةِ المجتمعِ، وزرعٌ للعداواتِ، واحذرْ أشدَّ الحذرِ من الإساءةِ إلى ذوي الهممِ، أو الاستهزاءِ بقدراتِهِم، والتنقيصِ من شأنِهِم، وتذكَّرْ أنَّ نصرةَ الأمةِ، ورزقَها، وبركتَها إنما تكونُ برعايةِ الضعفاءِ وإكرامِهِم، فقد قالَ النبيُّ ﷺ: «هل تُنصرونَ وتُرزقونَ إلا بضعفائِكم»، وقالَ ﷺ: «المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ».

الخطبة الثانية:

السخرية ليست خفة ظل الحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أمَّا بعدُ: ٥- فإنَّ السخريةَ ليستْ خفةَ ظلٍّ، ولم تكنْ لونًا من ألوانِ البهجةِ التي تجعلُ منْ مشاعرِ الآخرينَ مادةً للضحكِ والتسليةِ، وما علِمَ صاحبُ هذا الفعلِ أنَّ الكلمةَ الساخرةَ قد تُضحكُ مجلسًا لحظاتٍ، لكنها تُبكي قلوبًا سنواتٍ، فكُنْ خفيفَ الظلِّ دونَ انتقاصٍ أو استهزاءٍ، وتلمَّسْ حسنَ الأدبِ، وجمالَ الكلمةِ، ولطفَ المعاملةِ بلا أذًى للغيرِ ولا امتهانٍ، فاحفظْ لسانَكَ، ولا تنظرْ إلى مَنْ حولكَ بعينِ الاستصغارِ، بل استقبلْ مجالسَكَ بقلبٍ نقيٍّ يعلمُ أنَّ الاحترامَ هو ثروةُ الكبارِ، وتذكَّرْ دائمًا قولَ اللهِ جلَّ جلالُهُ: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ...﴾. ٦- أيُّها الأبُ الكريمُ، اغرسْ في ولدِكَ قيمَ احترامِ الآخرينَ، وعظِّمْ في داخلِهِ حرمةَ الإنسانِ وكرامتَهُ، وعلِّمْهُ أنْ يكونَ مزاحُهُ محكومًا بضوابطِ الشرعِ، بعيدًا عن الكذبِ والترويعِ وإهانةِ النفوسِ، وساعدْهُ على محاسبةِ نفسِهِ وضبطِ لسانِهِ، وخطِّطْ معهُ لبناءِ شخصيةٍ سويةٍ تتجنبُ السخريةَ بالهيئاتِ، أو الأنسابِ، أو الألوانِ، ووجِّهْهُ لتركِ التنمرِ والسخريةِ منَ الآخرينَ، ودرِّبْهُ على المبادرةِ بالتوبةِ، وردِّ المظالمِ، والاعتذارِ لمن أُسيءَ إليهِ، وحثَّهُ على اغتنامِ الأوقاتِ فيما يُرضي اللهَ، فبالحكمةِ والتربيةِ السليمةِ نصنعُ جيلًا يحفظُ الكرامةَ، وينشرُ المحبةَ، قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ». اللهمَّ أصلحْ ألسنتَنا، وطهِّرْ قلوبَنا، واجعلْنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، وألِّفْ بينَ قلوبِنا، واصرفْ عنَّا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطن

مساحة إعلانية