مساحة إعلانية
الأصابع الرفيعة تضغط علبة المناديل الورقية عدة مرات. تفتحها. تسحب منديلا. تعيدها بحرص إلى "جيب" القميص الضيق..
(كانت تؤكد اطمئنانها بخبطات خفيفة تتابعت فوق "الجيب" الذي انتفخ مرة أخرى)..
تفرد المنديل ــ الذى صار وحيدا ــ بعرض الكفين. تقربه من العينين، اللتين تتأملان البياض النقي لبعض الوقت. تضغط به الأنف، فيستنشق، في صوت مسموع، بقايا عطر هاربة من العرق . ترفعه منظفة زوايا العينين. تمسح الجبهة العريضة بخطوطها التي تحتجز قطرات صغيرة من العرق، وتعوقها عن مواصلة الانزلاق. تقلبه. تنغرس السبابتان داخل فتحتي الأنف في حركة دائرية. تعيد تطبيقه مرة أخرى. تمر به فوق فردتي الحذاء البني الباهت. تجعل منه كرة بيضاء صغيرة.. ثم تقذفه بعيدا كما لو كان لا يخصها!.
في غفلة من الجميع تراقب العينان المنديل، يتدحرج قليلا.. يحتمي بركن صنعته مجموعة من الأحجار المستطيلة، التي تمردت على استقامة الطوار الممتد بطول الشارع.
(كان المنديل ــ وقد نجح إلى حد ما ــ يتحرك، لبعض الوقت، ليتخلص من الشكل الكروي، وكان هواء القيلولة الساخن يحاول طرده، غير أنه لم يستطع)..
في صباح اليوم التالي:
تتأرجح أصابع عارية. تلتقط أشياء كثيرة. تقترب. يختفي المنديل داخل الكيس الكبير.
(كان الكيس الكبير قد توقف عن التمايل، والزحف لحظة أن استقر بجوف البرميل المحترق).ومن بين الكثير من الأصابع التي تغطي الأنوف بالكثير من المناديل البيضاء، خرجت من نافذة إحدى السيارات أصابع رفيعة أخرى، وقذفت كرة بيضاء صغيرة.. وكما لم يمنحها أحد أي اهتمام، لم تعطها الإطارات السوداء أية فرصة في اختيار شكلها الجديد!...
(و الأقدام داخل الأحذية مختلفة الألوان تهرول مبتعدة.. كان الهواء يحرك الدخان كيفما يشاء...)
ــ تمت ــ