مساحة إعلانية
كتب- عاطف طلب
في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع التوترات السياسية والعسكرية، تقف صناعة التأمين باعتبارها واحدة من أكثر القطاعات حساسية تجاه التحولات الجيوسياسية الكبرى. ومع شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حربًا على إيران، ووصول نيران هذه الحرب إلى دول الخليج والعراق والأردن، يعود ملف المخاطر الإقليمية إلى الواجهة بقوة، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والتجارة الدولية. هذه التطورات لا تمثل مجرد أزمة سياسية أو عسكرية عابرة، بل تفتح الباب أمام سلسلة معقدة من التداعيات الاقتصادية والمالية، يأتي قطاع التأمين في قلبها، باعتباره خط الدفاع الأول في إدارة المخاطر وحماية الأصول والاستثمارات.
يشكّل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق الدولية. وبالتالي فإن أي اضطراب في الملاحة أو تهديد بإغلاقه يرفع فورًا منسوب المخاطر على السفن وناقلات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.. فماذا لو وقعت الحرب فعلا؟
هنا تتدخل شركات التأمين، خصوصًا تلك المتخصصة في تأمين الشحن البحري والطاقة، لتقييم المخاطر الجديدة وإعادة تسعير وثائق التأمين وفقًا للمتغيرات الأمنية. ومع تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية في المنطقة، تبدأ الشركات العالمية بإعادة النظر في حدود التغطية، وفرض أقساط إضافية تُعرف في قطاع التأمين باسم “علاوات مخاطر الحرب”، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة النقل والتجارة العالمية.
وتاريخيًا، أظهرت الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط قدرة هائلة على إعادة تشكيل سياسات التأمين العالمية. فكلما ارتفع مستوى التوتر العسكري في الخليج، ترتفع معه تكلفة التأمين على السفن والطائرات والمنشآت النفطية، كما تتشدد شركات إعادة التأمين في شروطها لتقليل تعرضها للمخاطر. وفي سيناريو إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل مؤقت، قد يواجه قطاع التأمين اختبارًا غير مسبوق، إذ ستضطر الشركات إلى التعامل مع احتمالات خسائر ضخمة ناجمة عن توقف حركة التجارة، أو استهداف ناقلات النفط، أو تعرض منشآت الطاقة لهجمات مباشرة.
ولا يقتصر التأثير على التأمين البحري وحده، بل يمتد إلى مجموعة واسعة من قطاعات التأمين الأخرى، مثل التأمين على الطاقة، وتأمين المخاطر السياسية، وتأمين سلاسل الإمداد. فالشركات متعددة الجنسيات العاملة في المنطقة قد تجد نفسها مطالبة بإعادة تقييم استثماراتها وتغطياتها التأمينية، بينما قد تتجه الحكومات والشركات النفطية إلى زيادة الاعتماد على برامج التأمين المشتركة أو الصناديق السيادية لتقاسم المخاطر المحتملة.
وفي مثل هذه الأزمات، يصبح دور قطاع التأمين أكثر تعقيدًا من مجرد دفع التعويضات، إذ يتحول إلى لاعب استراتيجي في إدارة المخاطر العالمية. فالشركات الكبرى لا تكتفي بتعديل الأسعار أو تقليص التغطية، بل تلجأ إلى نماذج تحليل متقدمة لتقدير السيناريوهات المحتملة، كما تعمل بالتنسيق مع شركات إعادة التأمين العالمية لضمان استمرار التغطية في مناطق النزاع. وفي الوقت نفسه، قد تلجأ بعض الشركات إلى استبعاد مناطق معينة من التغطية التأمينية أو فرض قيود صارمة على العمليات في المناطق المصنفة عالية المخاطر.
"منبر التحرير" ترصد المخاطر وتطرح أسئلة وهي:
- تأثير الأحداث على معدلات المخاطر والخسائر؟
- تعديلات أو تحوطات في سياسات التسعير وإعادة التأمين؟
- تأثير تقلبات الأسواق وأسعار الصرف على المحافظ الاستثمارية؟
- إجراءات لضمان استمرارية الأعمال وحماية العملاء؟
- فرص نمو أو مجالات استثمار جديدة؟
- تأثير الأحداث على توجهات وسلوكيات العملاء؟
- توصيات لتعزيز استقرار بيئة الأعمال خلال الفترة المقبلة؟
ونستطلع آراء الخبراء لنقدم إجابات شافية توضح الصورة الضبابية.
وتوجهنا بأسئلتنا إلى مصطفى ابو العزم العضو المنتدب للجمعية المصرية للتامين التعاونى
- تأثير الأحداث على معدلات المخاطر والخسائر
قال مصطفى ابو العزم العضو المنتدب للجمعية المصرية للتامين التعاونى إن التوترات الإقليمية الحالية ترفع من مستوى عدم اليقين وتضاعف احتمالات الخسائر، خصوصًا في الفروع المرتبطة بالنقل البحري والطيران والطاقة، إضافةً إلى تغطيات العنف السياسي والحروب.
وأوضح أن هذه الظروف تتطلب إعادة تقييم مستمر لمعدلات المخاطر لدى شركات التأمين، مع توقع زيادة التعويضات إذا استمر النزاع بين الاطراف المتصارعة وبالتالى تأثرت سلاسل الإمداد العالمية.
-تعديلات أو تحوطات في سياسات التسعير وإعادة التأمين بالسوق
توقع ابو العزم أن يكون هناك تشددا واضح فى اتفاقيات اعادة التامين الفترة المقبلة بسبب النزاع الدائر فى المنطقة بالاضافة الى توجه الشركات المحلية نحو التشدد في الاكتتاب وإعادة التسعير، ورفع نسب التحمل وحدود الاحتفاظ، خاصة في الأخطار المرتبطة بالحرب والمخاطر السياسية.
-تأثير تقلبات الأسواق وأسعار الصرف على المحافظ الاستثمارية
رصد مصطفى ابو العزم أن تقلبات أسواق المال وارتفاع معدلات التضخم وصدمة أسعار الطاقة تزيد من الضغط على المحافظ الاستثمارية، ما يحتم تبني سياسات استثمارية أكثر تحفظًا، مع الحرص على السيولة الكافية لمواجهة أي تعويضات كبيرة أو تغيرات مفاجئة في الأسواق خاصة وان الصورة حتى الان غير مكتملة ولا نعلم ما اذا كان الصراع سيتوقف أم ستكون هناك نهاية للحرب.
- فرص نمو أو مجالات استثمار جديدة
في ظل الأزمات السياسية والحروب، تتيح الظروف الراهنة لشركات التأمين ابتكار منتجات تأمينية متخصصة لمواجهة المخاطر الناتجة عن هذه الأحداث. من أبرز هذه المنتجات: التغطيات الخاصة بالنقل البحري عبر المناطق عالية المخاطر، حيث توفر الحماية للسفن من أضرار النزاعات أو القرصنة، وتأمينات الطيران التي تغطي المخاطر الإضافية على الخطوط الجوية التي تمر بالقرب من مناطق نزاع، بالإضافة إلى تأمينات الطاقة لحماية المصانع ومحطات الكهرباء والغاز من الأضرار الناجمة عن النزاعات أو الاضطرابات السياسية.
كما يمكن للشركات تعزيز خدماتها من خلال تقديم استشارات وتغطيات مخصصة للعملاء الذين يمتلكون أصولًا أو استثمارات في بيئات غير مستقرة، بما يتيح لهم حماية ممتلكاتهم وإدارة مخاطرهم بشكل أكثر فعالية.
- تأثير الأحداث على توجهات وسلوكيات العملاء
رصد مصطفى ابو العزم العضو المنتدب للجمعية أن الأزمات الجيوسياسية تزيد من وعي العملاء بأهمية التأمين، وتدفعهم نحو طلب تغطيات أكثر شمولًا وحماية أفضل.
ففى مصر، تؤدي الأزمات السياسية والحروب إلى تحول واضح في توجهات وسلوكيات عملاء شركات التأمين. فبعد هذه الأحداث، يزداد الطلب على التأمينات المتخصصة مثل تغطيات النقل البحري في المناطق عالية المخاطر، وتأمينات الطيران والطاقة والائتمان حيث يسعى العملاء لحماية أصولهم واستثماراتهم من المخاطر غير التقليدية.
كما يلاحظ تغير في أولويات العملاء، حيث يركزون أكثر على إدارة المخاطر والاستشارات التأمينية بدلاً من الاكتفاء بالتأمينات التقليدية، ويبحثون عن شركات ذات خبرة وقدرة على التعامل مع الظروف المعقدة. إلى جانب ذلك، يزداد وعي العملاء بالمخاطر الفعلية ويحرصون على اختيار حلول تأمينية متكاملة تناسب احتياجاتهم، مع مراعاة التوازن بين الحماية والتكلفة.
- توصيات لتعزيز استقرار بيئة الأعمال خلال الفترة المقبلة
أوصى مصطفى بضرورة تعزيز الشفافية في إدارة المخاطر، وتحديث برامج إعادة التأمين بشكل دوري، مع العمل على تنويع المحافظ الاستثمارية والحفاظ على مستويات كافية من السيولة. وأضاف أنه من المهم تشجيع الشركات على إجراء اختبارات الضغط الدورية ومراجعة الحدود والاحتياطيات لتكون قادرة على مواجهة أي صدمات مستقبلية، بما يعزز استقرار بيئة الأعمال ويطمئن العملاء والمستثمرين.