مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

تأمين واستثمار

ملف خاص| كيف تُبحر سفينة التأمين في عصر الحروب؟ (1) الاتحاد المصري لشركات التأمين يجيب

2026-03-11 01:05 PM  - 
ملف خاص| كيف تُبحر سفينة التأمين في عصر الحروب؟ (1) الاتحاد المصري لشركات التأمين يجيب
علاء الزهيري رئيس اتحاد شركات التأمين المصرية
منبر

كتب- عاطف طلب

في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع التوترات السياسية والعسكرية، تقف صناعة التأمين باعتبارها واحدة من أكثر القطاعات حساسية تجاه التحولات الجيوسياسية الكبرى. ومع شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حربًا على إيران، ووصول نيران هذه الحرب إلى دول الخليج والعراق والأردن، يعود ملف المخاطر الإقليمية إلى الواجهة بقوة، لا سيما مع إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والتجارة الدولية. هذه التطورات لا تمثل مجرد أزمة سياسية أو عسكرية عابرة، بل تفتح الباب أمام سلسلة معقدة من التداعيات الاقتصادية والمالية، يأتي قطاع التأمين في قلبها، باعتباره خط الدفاع الأول في إدارة المخاطر وحماية الأصول والاستثمارات.

 يشكّل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق الدولية. وبالتالي فإن أي اضطراب في الملاحة أو تهديد بإغلاقه يرفع فورًا منسوب المخاطر على السفن وناقلات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.. فماذا لو وقعت الحرب فعلا؟

هنا تتدخل شركات التأمين، خصوصًا تلك المتخصصة في تأمين الشحن البحري والطاقة، لتقييم المخاطر الجديدة وإعادة تسعير وثائق التأمين وفقًا للمتغيرات الأمنية. ومع تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية في المنطقة، تبدأ الشركات العالمية بإعادة النظر في حدود التغطية، وفرض أقساط إضافية تُعرف في قطاع التأمين باسم “علاوات مخاطر الحرب”، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة النقل والتجارة العالمية.

وتاريخيًا، أظهرت الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط قدرة هائلة على إعادة تشكيل سياسات التأمين العالمية. فكلما ارتفع مستوى التوتر العسكري في الخليج، ترتفع معه تكلفة التأمين على السفن والطائرات والمنشآت النفطية، كما تتشدد شركات إعادة التأمين في شروطها لتقليل تعرضها للمخاطر. وفي سيناريو إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل مؤقت، قد يواجه قطاع التأمين اختبارًا غير مسبوق، إذ ستضطر الشركات إلى التعامل مع احتمالات خسائر ضخمة ناجمة عن توقف حركة التجارة، أو استهداف ناقلات النفط، أو تعرض منشآت الطاقة لهجمات مباشرة.

ولا يقتصر التأثير على التأمين البحري وحده، بل يمتد إلى مجموعة واسعة من قطاعات التأمين الأخرى، مثل التأمين على الطاقة، وتأمين المخاطر السياسية، وتأمين سلاسل الإمداد. فالشركات متعددة الجنسيات العاملة في المنطقة قد تجد نفسها مطالبة بإعادة تقييم استثماراتها وتغطياتها التأمينية، بينما قد تتجه الحكومات والشركات النفطية إلى زيادة الاعتماد على برامج التأمين المشتركة أو الصناديق السيادية لتقاسم المخاطر المحتملة.

 

وفي مثل هذه الأزمات، يصبح دور قطاع التأمين أكثر تعقيدًا من مجرد دفع التعويضات، إذ يتحول إلى لاعب استراتيجي في إدارة المخاطر العالمية. فالشركات الكبرى لا تكتفي بتعديل الأسعار أو تقليص التغطية، بل تلجأ إلى نماذج تحليل متقدمة لتقدير السيناريوهات المحتملة، كما تعمل بالتنسيق مع شركات إعادة التأمين العالمية لضمان استمرار التغطية في مناطق النزاع. وفي الوقت نفسه، قد تلجأ بعض الشركات إلى استبعاد مناطق معينة من التغطية التأمينية أو فرض قيود صارمة على العمليات في المناطق المصنفة عالية المخاطر.

"منبر التحرير" ترصد المخاطر وتطرح أسئلة وهي:

- تأثير الأحداث على معدلات المخاطر والخسائر؟

- تعديلات أو تحوطات في سياسات التسعير وإعادة التأمين؟

-  تأثير تقلبات الأسواق وأسعار الصرف على المحافظ الاستثمارية؟

- إجراءات لضمان استمرارية الأعمال وحماية العملاء؟

- فرص نمو أو مجالات استثمار جديدة؟

- تأثير الأحداث على توجهات وسلوكيات العملاء؟

- توصيات لتعزيز استقرار بيئة الأعمال خلال الفترة المقبلة؟

ونستطلع آراء الخبراء لنقدم إجابات شافية توضح الصورة الضبابية.

الاتحادالمصري لشركات التأمين يرى أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة جديدة من التصعيد العسكري غير المسبوق، بعد الضربات الأمريكية التي استهدفت طهران والرد الإيراني الذي طال قواعد أمريكية ومنشآت حيوية في عدد من دول الخليج. لم يعد المشهد مجرد توترات سياسية أو صراعات بالوكالة، بل مواجهة مفتوحة تعيد رسم خريطة المخاطر في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية.

وفي قلب هذه التحولات تقف صناعة التأمين العالمية، خاصة التأمين البحري وتأمين أخطار الحرب، التي أصبحت في بؤرة التأثير المباشر لهذا التصعيد، مع ارتفاع الأخطار المرتبطة بحركة الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

بداية الأزمة

شكّلت الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة فجر السبت 28 فبراير 2026 نقطة تحول رئيسية في مسار التوترات الإقليمية، حيث جاء الرد الإيراني سريعاً عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية ومنشآت استراتيجية في عدد من دول الخليج العربي.

ومع تصاعد الهجمات، أغلقت عدة دول عربية مجالاتها الجوية كإجراء احترازي، ما تسبب في اضطراب واسع في حركة الطيران المدني وتعطل آلاف الرحلات، ووجد آلاف المسافرين أنفسهم عالقين في المطارات حول العالم.

إغلاق مضيق هرمز.. أزمة طاقة عالمية

في تطور استراتيجي بالغ الأهمية، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، وهو أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وما يقرب من ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال.

هذا القرار نقل الأزمة من إطارها العسكري إلى أزمة اقتصادية عالمية، مع تحوّل المضيق إلى بؤرة مواجهة بحرية تهدد حركة التجارة والطاقة.

تداعيات مباشرة على قطاع الشحن

ارتفاع تكاليف النقل

بدأت أسعار الشحن البحري في الارتفاع بشكل ملحوظ نتيجة زيادة الأخطار وتأخر السفن، إلى جانب تكدس أساطيل كاملة عند مداخل المضيق في انتظار تقييم الوضع الأمني.

اضطراب سلاسل الإمداد

أعلنت شركات شحن عالمية كبرى، من بينها ميرسك (Maersk)، تعليق عملياتها في المنطقة والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، ما يزيد زمن الرحلات عدة أسابيع ويرفع التكاليف التشغيلية.

تعليق إنتاج الغاز القطري

في تطور لافت، أعلنت قطر للطاقة (QatarEnergy) تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد تعرض إحدى منشآتها لهجوم بطائرة مسيّرة. ونظراً لأن نحو 90% من صادرات الغاز القطري تمر عبر مضيق هرمز، فإن هذا القرار يمثل صدمة كبيرة لأسواق الطاقة العالمية.

التأمين البحري في قلب العاصفة

مع تحول الخليج العربي ومضيق هرمز إلى منطقة عمليات عسكرية نشطة، بدأت سوق التأمين البحري تشهد تطورات متسارعة.

إلغاء تغطيات أخطار الحرب

أرسلت عدة شركات تأمين بحرية إشعارات رسمية بإنهاء التغطية التأمينية لأخطار الحرب للسفن العابرة في المنطقة، ومن أبرزها:

شركة سكولد (Skuld) النرويجية، التي أعلنت إلغاء تغطية أخطار الحرب للسفن العاملة في الخليج وإيران والمياه المجاورة اعتباراً من 5 مارس 2026، مع إشعار إلغاء يسري خلال 72 ساعة.

الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب (AWRIS)، الذي قرر تعليق التغطية للسفن العابرة في الخليج العربي ومضيقي هرمز وباب المندب إلى حين إعادة تسعير الأخطار وفقاً للظروف الجديدة.

قفزة في أقساط التأمين

يتوقع خبراء التأمين ارتفاع أقساط التأمين للسفن العابرة في مناطق النزاع بنسبة تتراوح بين 25% و50% نتيجة الزيادة الحادة في الأخطار.

أخطار الاحتجاز والقرصنة

لم يعد الخطر مقتصراً على الهجمات العسكرية المباشرة، بل امتد ليشمل احتمال احتجاز السفن أو الاستيلاء عليها لأسباب سياسية، وهو ما بات ضمن حسابات شركات التأمين.

رؤية الخبراء الدوليين

أصدرت مؤسسة Kennedys Law Firm القانونية الدولية دراسة تحليلية اعتبرت أن الصراع الحالي قد يمثل حدثاً نادراً متعدد الأبعاد لصناعة التأمين وإعادة التأمين العالمية.

وترى الدراسة أن استمرار العمليات العسكرية وتعطل تدفقات الطاقة قد يؤثر على عدة خطوط تأمينية رئيسية، أبرزها:

تأمين الممتلكات: نتيجة الأضرار التي لحقت بالموانئ والمطارات والبنية التحتية للطاقة.

تأمين العنف السياسي: مع احتمال ارتفاع المطالبات الناتجة عن الأضرار التي تلحق بالأصول الخاصة.

التأمين البحري: بسبب تصنيف مناطق واسعة كمناطق عالية الأخطار أو مستثناة من التغطية.

تأمين فقد الإيرادات: في حال احتجاز السفن أو تعطيل عمليات الشحن.

تأمين الطيران: نتيجة إغلاق المجالات الجوية وتعرض المطارات والمنشآت للطائرات المسيّرة والصواريخ.

تأمين الائتمان التجاري: نتيجة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها على قدرة الشركات والدول على السداد.

كما حذرت الدراسة من أن أي هجوم ناجح على ناقلة نفط قد يترتب عليه التزامات قانونية وبيئية ضخمة مرتبطة بالتلوث البحري.

نقاشات الاتحاد الدولي للتأمين البحري

ناقش الاتحاد الدولي للتأمين البحري (IUMI) التطورات الأخيرة في الخليج ومضيق هرمز، مشيراً إلى أن استهداف ناقلات النفط قد يمتد ليشمل سفن الشحن الأخرى، ما يهدد حركة الملاحة العالمية.

كما أشار المشاركون إلى مبادرة أمريكية لتوفير تأمين ضد الأخطار السياسية للسفن العابرة في الخليج عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC)، إلى جانب احتمال قيام البحرية الأمريكية بمرافقة الناقلات عبر المضيق.

وأكدت المناقشات أيضاً أن قناة السويس لا تزال ممراً آمناً نسبياً، رغم وجود بعض الأخطار في مناطق من البحر الأحمر.

السيناريوهات المستقبلية

على المدى القصير

تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز

استمرار اضطراب سلاسل الإمداد

تشدد في شروط التأمين وارتفاع الأقساط

على المدى المتوسط

إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، ستضطر الشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد والاعتماد على طرق بديلة، ما قد يعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية.

على المدى البعيد

قد تؤدي الأزمة إلى:

إعادة تصنيف مناطق الأخطار الجيوسياسية

تطوير منتجات تأمينية جديدة

زيادة الاهتمام بتأمين الأخطار المرتبطة بالطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.

انعكاسات محتملة على مصر

تشير تحليلات مؤسسات مالية دولية إلى أن تأثير الصراع على مصر سيكون في الغالب غير مباشر، عبر ثلاث قنوات رئيسية:

ميزان المدفوعات

التضخم

الأوضاع المالية

وتبقى إيرادات قناة السويس والسياحة وأسعار الطاقة من أهم العوامل التي ستحدد حجم التأثير الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

الخلاصة

تكشف الحرب الأمريكية الإيرانية عن حقيقة جوهرية في عالم الاقتصاد الحديث، وهي أن صناعة التأمين ليست مجرد قطاع مالي، بل خط الدفاع الأول أمام المخاطر العالمية.

ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتطور أدوات الحرب الحديثة، تجد شركات التأمين نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأخطار غير التقليدية وإعادة صياغة نماذج التغطية والتسعير بما يتناسب مع عالم أصبح أكثر تقلباً وتعقيداً.

مساحة إعلانية