مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

مسيرة يوسف حسن نوفل بين المعاصرة والتراث .. حوار شامل

2026-08-05 11:23 PM  - 
مسيرة يوسف حسن نوفل بين المعاصرة والتراث .. حوار شامل
العبقري يوسف حسن نوفل
إعلان بنك saib

حوار مطول مع الحائز على جائزة النيل في الآداب لعام 2026

المؤسس لكلية التربية ببورسعيد والشاعر والناقد وعضو المجمع العلمي المصري والرئيس الفخري لاتحاد الكتاب.


حاوره: مصطفى علي عمار


ولد في بورسعيد عام 1938. تخرج في دار العلوم 1964، وحصل على الدكتوراه 1973 عن "روايات محمد عبد الحليم عبد الله". أستاذ متفرغ بجامعة عين شمس، وأسس أقسام اللغة العربية في 4 كليات بجامعة قناة السويس، وتولى عمادة كلية التربية ببورسعيد، ورئاسة أقسام عربية في مصر والسعودية والإمارات. عضو مجمع اللغة العربية منذ 1976.  
صاحب مشروع نقدي يقوم على الجمع بين التراث والمناهج الحديثة، وابتكر آلياته في "طائر الشعر.. عش الفيض.. فضاء التأويل". قام بتأليف 37 كتابا، بينها "موسوعة الشعر العربي الحديث والمعاصر" التي رصدت 8500 شاعر، وخمسة دواوين شعر ومجموعة قصصية. أشرف وناقش نحو 200 رسالة ماجستير ودكتوراه.  
بدأ مشواره بخمس جوائز في ليلة واحدة عام 1965 سلمها له يوسف السباعي، وصولا إلى جائزة الدولة التقديرية 2022 وتكريم الشارقة الثقافي 2022. واليوم يرشح اسمه ضمن القائمة القصيرة لجائزة النيل في الآداب 2026.  
في هذا الحوار يتحدث عن هجره للشعر، وعن أطروحته التي اختارها عن غير قصد، وعن حال النقد والجامعة واللغة، وعن معنى الجائزة في عمر الثامنة والثمانين.

أخذت خمس جوائز في ليلة واحدة عام 1965 من يوسف السباعي: شعر، قصة، مسرح، مقال، بحث. بعد ستين عاماً، هل ندمت على تركك الشعر واشتغالك بالنقد؟ أم أن النقد هو الذي أنقذك من فخ "شاعر وسط ألف شاعر"؟  
ـ الحقيقة أنني اضطررت اضطراراً إلى هجر الشعر، والتوقف عند آخر ديوان أصدرته، مستوحى من ثورة يناير 2011. وبصدور هذا الديوان، وهو "برديات أبي الهول"، حيث تخيلت أن أبا الهول قد هبط على شاطئ النيل عند ميدان التحرير، فرأى ما رأى، ونقد ما نقد، وتكهن بما تكهن، وكل ما تكهن به حدث، إلى آخر هذه الأمور.  
وكنت أعاني من كثرة الانشغالات الفنية والفكرية والذهنية، فلكي تعيش مع قصيدة ستغرقك وتأخذ وقتك نائماً ومتيقظاً... إلى جانب هذه القصيدة التي تسيطر عليك، لكي تكتبها أنت مكلف ببحوث ترقيات تفحصها لترقّي الناس، وتحكيم بحوث للنشر في مجلات علمية، وتحكيم بحوث مقدمة في مسابقات دولية ومحلية، والإشراف على رسائل، وتدريس مناهج دراسات عليا وليسانس في الجامعة، وتأليف كتب ومقالات.  
إذاً، من أين يأتي الوقت لكل هذا وأنت منشغل بقصيدة ملكت عليك حواسك ليلاً ونهاراً؟ والحقيقة، وجدت نفسي غير قادر على السباحة في هذه التيارات جميعها، فقررت عقب انتهائي من ديوان "برديات أبي الهول" أن أقاوم شيطان الشعر. ولا أزعم أنه كف عني ورحمني، بل هو يعاودني، لكنني لا أمكنه من وقتي، حتى تأتيني افتتاحية قصيدة ربما أسجلها في أي وقت، لكنني لا أعود إليها مرة أخرى.  
لأني واثق لو عدت إليها لسيطرت على وقتي وعقلي وتفكيري، ويصعب أن أسدد التزاماتي الأدبية تجاه من كلفوني أو طلبوا مني شيئاً. هذا هو سر عزوفي عن تأليف الشعر رغم أنفي. ووجدت في تحليل الشعر عوضاً عن ذلك.  
وليس لأني رأيت نفسي شاعراً بين آلاف الشعراء، أي بمعنى أنني خلف السطور، أي أنني لست شاعراً بارزاً، إن كان السؤال يقصد هذا. لا، ليس هذا المقصود، فما المانع أن تكون شاعراً من بين آلاف الشعراء؟ ليس هذا السبب. إنما السبب أنني كإنسان لا يمكن أن أنشطر جزأين: أخصص جزءاً للوحي والإلهام وتنقيح القصيدة ومعاودتها ومعايشتها ليلاً ونهاراً، ثم أقوم بالأعباء، خصوصاً المطلوب مني كثيراً جداً. لا أستطيع أن أعدد الجهات المتنوعة داخل مصر أو خارجها التي تطلب مني بوصفي أستاذاً بعد أستاذني في وقتي: إما لبحوث أو للترقية أو لمجلات أخرى، أو لكتابة مقال أو استكمال كتاب.  
صعب جداً. وجدت من المستحيل أن يكون الإنسان مبدعاً في القصة أو الشعر أو المسرحية، إلى جانب أنه يكون ناقداً فعلياً بارزاً في مصر والعالم العربي. هذا هو سبب عزوفي عن الشعر.

 مشروعك كله قائم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة. بصراحة، عندما تجلس أمام نص حداثي غامض، هل تشرحه بمنهجك "طائر الشعر" أم تقول في سرك: هذا كلام فارغ؟  
ـ تسألني عن منهجي في كتابي "طائر الشعر" وأنا أضيف في كتب أخرى في الأربعين: هل ينطبق على ما سميتهم الشعر الحر وما قلت إنهم عصافير أو غربان؟  
أولاً أنا لا أسميه شعراً حراً، أسميه شعر تفعيلة أو شعر سطري.  
إنما لا أوافق على كلمة شعر حر لأنه أيضاً مقيد ومنضبط بنفس معايير الشعر القديم.  
الحقيقة كتاب "طائر الشعر" وكتب أخرى كتبت فيها عن شعراء قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر وعن شعراء الشعر التراثي موحد القافية.  
الحقيقة الاثنان عندي سواء. أنا لا أقلل من شأن شعر التفعيلة أو الشعر الجديد الجيد، إنما من يتقمص شكل الشعر الجديد دون إتقان أو جودة هذا لا أعترف به أصلاً.  
كما أرحب بقصيدة النثر، والذي يكتب شخابيط لا أقول عنه قصيدة نثر، لكن الذي يكتب إيقاعات داخلية وتحليق في الصورة وتخييل وتركيب رمزية وإيحاءات وزخم معنى تقف أمامه فينفتح أمامك عوالم كبيرة فنعم، هذه هي قصيدة النثر. إنما الباقي شخابيط. وذلك في إحدى المرات في ندوة قالت لي إحداهن وجاءت لي بتسجيل قديم مختزل وقالت: إنك قلت إن قصيدة النثر شخابيط.  
قلت لها نعم، قلت إن قصيدة النثر المدعية المترهلة الضعيفة هي شخابيط.  
إنما قصيدة النثر التي يتوفر فيها الإيقاع الداخلي ثم السبك والحبك والتخييل والرمز والإيحاء والمعاني المتدفقة لا تأتي إلا بجهد، فنعم، لها هي قصيدة النثر.

 موسوعتك عن ثمانية آلاف وخمسمائة شاعر في ألف صفحة كلفتك عمراً. بعد كل هذا، هل هناك اسم شاعر واحد من هؤلاء السبعة آلاف لو مُحي من ذاكرة العرب ستحزن عليه حقاً؟ ومن هو؟  

ـ عن موسوعة "دواوين الشعر في العالم العربي" التي صدرت منها الطبعة الثالثة عن دار العالم العربي، في أكثر من 8500 شاعراً من مصر والعالم العربي، من موريتانيا إلى البحرين، ومن مصر إلى السودان، في أكثر من 1200 صفحة. صدرت هذه الطبعات الثلاث، وكانت الطبعة الأولى عن دار نشر أخرى، والطبعة الثانية عن المجلس الأعلى للثقافة، والطبعة الثالثة كانت عن دار العالم العربي.  
سواء الشعراء الذين اكتشفتهم ولم نكن ندرسهم، وأنا أدرّس الشعر في الجامعات المصرية والعربية والخليجية منذ أكثر من 50 عاماً: شعراء في عصر النهضة وعصر البارودي، وشعراء في عصر شوقي، وبالتالي لم يهتم بهم أحد.  
أنا اكتشفت هؤلاء الشعراء وأنا أحصد الشعراء الذين لهم دواوين. فإذا بهؤلاء الشعراء مما عرفتهم الحياة الأدبية والتاريخ الأدبي منذ عصر النهضة حتى الآن، أو مما يعرفهم ولا يعرفهم كثيرون. وبالتالي يصعب جداً أن أقول: من ذا الذي يُشار إليه بالبنان أو لا يُمحى ذكره؟ لا شاعر واحد فقط، لا يمكن. لأني إذا قلت في مرحلة عصر النهضة والبارودي ومنزلته، ثم العصر الملاصق له شوقي ومنزلته، ثم نازك الملائكة، ثم نزار قباني، ثم صلاح عبد الصبور... عديدون الحقيقة، لا أستطيع أن أحصرهم في واحد، بل لا أستطيع أن أحصرهم في العشرات، بل أستطيع أن أحصرهم فيما فوق ذلك.

كتبت "جماليات القصة القرآنية". هل هاجمك النقاد العلمانيون؟ واتهمك المشايخ بالجرأة؟ ما أكثر تهمة أوجعك من الفريقين؟  
ـ أربعون كتاباً في النقد الأدبي: نقد الشعر ونقد المسرحية، وخمسة دواوين صدرت في الأعمال الكاملة عن دار الكتب والوثائق القومية. سؤالك: هل مات الشاعر؟ مات الناقد؟ لا، لم يمت أحد منهما. فهما باقيان ممتزجان، لأنني بالشعر ناقد أو الناقد شاعر، كما فصلت ذلك عن الشعراء النقاد أو النقاد الشعراء في كتابي "تأويل الشعر" من أمثال إسماعيل عبد القادر القط، شكري عياد، إلى آخره. فالحقيقة أن أحدهما لم يمت، لأني أنقد الشعر بصفتي شاعراً. فإذا لعلك تلاحظ أنه حينما تقرأ تحليلاً شعرياً لنص شعري من ناقد هو في الأساس أو هو إلى جانب نقده شاعر، غير أنك تقرأ تحليلاً شعرياً لنص شعري من ناقد فحسب، لابد أن الموقف مختلف بين الاثنين.

أسست كليات وأقساماً وأشرفت على مائتي رسالة. قلها صريحة: ما النسبة المئوية للرسائل الجامعية اليوم التي هي مجرد "قص ولصق" ولا تستحق الشهادة؟  لو رأيت باحثاً من هؤلاء وقد صار عميد كلية، هل ستقول له أنا السبب؟ أم ستعرب وتقول أنت الشاطر؟  
الحقيقة لست سبباً، بل إنه هو الشاطر بقدرته العملية وموهبته. هو الشاطر فعلاً.  
والحقيقة فعلاً كما تفضلت: الذين ناقشتهم وأشرفت عليهم وتتلمذوا على يدي، إما في الليسانس أو الماجستير والدكتوراه، بل وفي مراحل الترقية، منهم من كان رئيس جامعة ومنهم من كان عميداً ومنهم من كان رئيس قسم، وهم متلألئون في الساحة الأكاديمية والساحة النقدية. الحقيقة أشهر أن الأمر يرجع إلى شطارتهم وليس إلى أي جهد مني. أنا قد أكون مكتشفاً مثل المتخصصين الذين يكتشفون المواهب في حقول المواهب المختلفة. فعلاً، وربما أتحت لهم مكتبتي. كل من أشرفت عليهم الأربعمائة ومن لم أشرف عليهم، مكتبتي كانت مفتوحة يستعير الكتاب ولا يعيده.  
وأنا وهبت له هذا الكتاب. كثيرون نهلوا من مكتبتي واقتنوها أكثر مني، وحلال عليهم حتى الآن.

أطروحة الدكتوراه عن محمد عبد الحليم عبد الله لا عن طه حسين ونجيب محفوظ. هل كان ذلك ذكاء أم عناداً؟ يعني هل هربت من مقارنة العمالقة أم ترى عبد الحليم أهم منهما؟  
ـ ألفت فعلاً للدكتوراه.  
كانت أطروحتي عن محمد عبد الحليم عبد الله. وسؤالك: لماذا لم تكن عن نجيب محفوظ أو طه حسين أو غيرهما؟  
الحقيقة ليس هذا ولا ذاك.  
المسألة أنه وقتها كانت إعداد الأطروحات للماجستير والدكتوراه لابد أن تكون عن أموات. كانت عام 1969، فرفض أستاذي أن نكتب عن الأحياء. وفعلاً سجلت موضوعاً آخر غير راض عنه. وفجأة توفي محمد عبد الحليم عبد الله، فذهبت إلى أستاذي وعرف وقال: أنت قادم لتسجل عن محمد عبد الحليم عبد الله لأنه مات؟  
قلت: فعلاً، أنتم قلتم لا يجوز التسجيل عن الأحياء لأن المعاصرة حجاب. أما وقد مات عبد الحليم فسوف أكتب عنه. وفعلاً كتبت عنه لأنه كان مظلوماً من طبقة معينة من النقاد لها أيديولوجية معينة، ولا داعي للتفصيل، وقفوا بإنتاجه وتقديمه عند "لقيطة" و"بعد الغروب" في الأربعينيات.  
كيف وقد كتب حتى سنة 1970؟ فأنا درسته دراسة علمية موضوعية لا فيها حياد حتى وصلت لما كتبه قبل موته سنة 1970. ليس هذا اختراعاً مني، ولكن بالضرورة. ولو كان سبقه إلى الموت أحد غيره لكنت كتبت عنه.  
هذا فضلاً أني كتبت عن طه حسين ونجيب محفوظ كتاباً ضخماً يعد مرجعاً أساسياً في السرد، هو "نظرية السرد بين جيلي طه حسين ونجيب محفوظ"، بأكثر مما كتبت عن محمد عبد الحليم عبد الله في كتاب مستقل. فالحقيقة هذا لب الموضوع وأسبابه ودوافعه.

نلت جائزة الدولة التقديرية عام 2022 وعمرك أربعة وثمانون عاماً. لو نلتها وأنت في الأربعين، هل كان مصيرك سيتغير؟ أم أن الجوائز الكبيرة تأتي متأخرة حتى لا يغتر الكاتب؟  
ـ إن أنا نلت جائزة الدولة التقديرية عام 2022 وعمري 84.  
الحقيقة قال الكثيرون وكتب الكثيرون وقتها أنها تأخرت فعلاً.  
والحقيقة هي تأخرت نحو عشرين عاماً صراحة لأمور عديدة جداً، بعضها لوجود أشخاص لا يحبون أن يظهر غيرهم ربما، وربما تقاعس مني لعدم تقديمي. أنا أرى أن الأشياء تأتي في وقتها، وأنا لم أكن متكالباً على النقد إلى الجوائز.

كرمتك الشارقة عام 2022 خارج مصر. ما إحساسك حين تتأخر بلدك خمسين عاماً ثم يأتي بلد آخر ليقول: نحن من فهمناك أولاً؟  
ـ جائزة الشارقة وهي تكريم العناصر الثقافية على مستوى الوطن العربي وهي من خارج مصر.  
الحقيقة لم يكن في ذهني أني كرمت في خارج مصر أكثر من مصر، لأني كرمت في الستينات.  
وأيضاً كرمت في مصر، نلت جائزة جامعة عين شمس التقديرية.  
الحقيقة جوائز الجامعات التقديرية وليس فقط جائزة جامعة عين شمس، جامعات أخرى أدق وأشد صعوبة علمية وتدقيقاً من جوائز الدولة ذاتها لأنها فحص علمي دقيق ودخول منافسة محكمة، فهي لا تقل عن جوائز الدولة أو الجوائز الخارجية بالعالم العربي، فضلاً عن الجوائز في العالم العربي الكبرى الدولية أن حكمت فيها.  
فأنا حكمت في زايد ومؤسسة للتقدم العلمي كمحكم، فأنا أحجمت عن التقدم. فلما فوجئت بجائزة تكريم من الشارقة من سلطان القاسمي دون التقدم، هذه بالاختيار، سعدت جداً لأنها لم أتقدم.  
ومثلها جائزة دولية أخرى: جائزة كفافس الدولية أيضاً لم أتقدم لها، فوجئت لأنها بالاختيار وليس التقدم.  
فجائزة الشارقة وكفافس الدولية بالاختيار من عندهم وليس بالتقدم.  
ثم في العام الماضي الجائزة التقديرية لمؤسسة عبد الله باشا رحيل أيضاً دون أن أتقدم.  
يعني هذه مجموعة جوائز عربية واليونان دون أن أتقدم لها.  
الحقيقة لم يدر في ذهني التكريم جاء من خارج مصر لا.  
أنا أشعر أني كرمت بزيادة منذ كنت طالباً.  
كنت آخذ جوائز المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والمجلس الأعلى للفنون والآداب من سنة 1960 إلى 1965 آخذ جوائز.  
لدرجة قدمت بعد هذا فكانت زالت عني صفة طالب لأني كنت تمهيدي ماجستير وردوا لي الطلب وقالوا: زالت عنك صفة طالب.  
الحمد لله، أشكر بلدي الحبيب كرمت فيها منذ سنة 1960 وأنا طالب أحبو، فلم يأت في خاطري هذا إطلاقاً.

قلت إن القارئ شريك في "مغامرة التلقي". لكن هناك قراء يقرؤون النص ويخرجون بمعنى عكسه تماماً. هل هم شركاء أم مخربون؟  
ـ قلت فعلاً:  
إن القارئ شريك في إنتاج النص، لأن قراءة النص إعادة إنتاج له.  
جان بول سارتر الفيلسوف والشاعر والناقد الفرنسي يقول: الناقد مبدع ثان. فإذا  
سؤال: هناك قراء يقرؤون النص ويخرجون بمعنى عكسه تماماً، هل هم شركاء أم مخربون؟ هم ليسوا مخربين. لكل إنسان قراءته، ولكل إنسان وجهة نظره، لأن النص مختزل ومكتنز بكنوز من الظلال والإيحاءات. ممكن أنا أهتدي إلى جانب منها، وممكن غيري يهتدي إلى جانب آخر يزيد عما أنا قرأته، لأن كل إنسان له رؤيته والكم الثقافي الذي لديه. فهم ليسوا مخربين، بل مسؤولين حسب خبرتهم وذائقتهم. يختلف الأمر حسب الثقافة والذائقة النقدية.

عمرك ثمانية وثمانون عاماً، سبعة وثلاثون كتاباً، مائتا رسالة. لو خيّرك الله أن تمحو كل كتبك وتبقي كتاباً واحداً للعالم، أيهما تختار: "موسوعة الشعر" أم "طائر الشعر" أم ديوان "البحر أنثاه البحيرة"؟ ولماذا؟  
ـ الحقيقة لو خيروني أن أترك شيئاً من هذا ربما أحصر الأمر في الموسوعتين: "موسوعة دواوين الشعر في العالم العربي" و"موسوعة الزخائر التراثية العربية والإسلامية"، لأن الحقيقة فيهما كان الجهد الأكبر. يمكن الكتب الأخرى ذائقة وثقافة شخصية تنعكس على النص الذي أقرأه وأحلله، لكن الموسوعتين جهد جهيد وسعي حثيث في تجميع المادة من أقصى العالم العربي إلى أقصى المشرق العربي. لدرجة أي سفرية لي خارج مصر للبلاد العربية: أم درمان، المغرب، تونس، الأردن، العراق، البحرين، الكويت، السعودية، البحرين إلى آخره، كان كل همي أن أطلع على الببليوجرافيات وقوائم دور النشر وأقتني الدواوين، حتى أرى ما كتب عن فروع الحضارة في غير تخصصي. فيمكن الموسوعتين هم لو خيرت ليس في كتاب واحد، أقول الموسوعتين. الحمد لله رب العالمين.

عاصرت عبد القادر القط وشكري عياد ومحمد حماسة. منهم كان يخاف رأيك؟ ومن كنت تخاف رأيه؟  
ـ عاصرت د. عبد القادر القط ود. شكري عياد ومحمد حماسة وغيرهم.  
سؤالك: منهم من كان يخاف رأيك ومنهم من كنت تخاف رأيه؟  
الحقيقة الواقع غير هذا. وإنما أنا أصوغ السؤال بطريقتي بنفس المضمون الذي تريده وهو: ما مدى التفاعل بين هذين الجناحين؟ أساتذتي من ناحية، وبعض زملائي من ناحية أخرى.  
وأذكر من هؤلاء من أساتذتي الأستاذ الدكتور أحمد كمال زكي.  

التفاعل أنه درّس لنا الأدب المقارن عندما د. غنيم هلال غاب عن دار العلوم. فصاحب الفضل علي بعد الله سبحانه وتعالى د. أحمد كمال زكي. إنه أولاً عيّنني في جامعة عين شمس، ثانياً رشحني وزكاني بشكل مبالغ فيه في جامعة الرياض في السعودية، فأُعِرت إلى هناك وانتظرت خمس سنوات حتى صرت رئيس القسم هناك. وهو من بيننا، فهو صاحب الفضل علي. وهذا هو التفاعل الذي بيننا. الآراء النقدية متقاربة، وجهات النظر متقاربة.  

وأستاذي أيضاً الدكتور بدوي طبّانة. أيضاً في هذه المرحلة التي كنت معاراً فيها إلى السعودية وكنت وقتها لم أكن قد ناقشت إلا رسالتين أو بعض رسائل، فانتدبني أستاذي الكبير بدوي طبّانة رائد علم البلاغة لمشاركته في مناقشة رسالة باحث سعودي في جامعة الإمام محمد بن سعود.  

وأنا في أول الطريق أستاذي الأستاذ أحمد هيكل الذي صار وزير الثقافة بعد ذلك، الذي درّس لي الأدب والشعر في كلية دار العلوم. انتدبني بعد أن صرت أستاذاً مساعداً لمناقشة رسالة بإشرافه في كلية دار العلوم، وعلّق على مناقشتي تعليقاً خجلت من الإطراء الذي يفوق قدري بمراحل.  

والدكتور عبد القادر القط الحقيقة انتدبه المشرف لمناقشتي في رسالة الدكتوراه. وكان قاسياً من ناحية، ومن ناحية أخرى كنت أحاول أن أنصف محمد عبد الحليم عبد الله ومحمد فريد أبو حديد ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس من هجمة غير موضوعية من اليسار في الخمسينات. فأنا ناقشت هذا الأمر في رسالتي لمحمد عبد الحليم عبد الله بحماسة الشباب، حتى الآن أكاد أن أبالغ وأقول بحمق الشباب. ولم أكن أعرف الذي يناقشني الدكتور عبد القادر القط.  
فالحقيقة ناقشني بحدة شديدة في هذه الناحية، لدرجة أن مشرفي د. عبد الحكيم بلبع من خلف ظهره حذرني من الرد بعنف وكفني عن أن أعلق حتى يمر الأمر بسلام.  

ثم مرت الأيام وكنت معاراً في جامعة الإمارات وكنت رئيساً للقسم أيضاً. واستحدثوا نظاماً أمريكياً هو استضافة أو استقدام أستاذ كبير تحت مسمى "الأستاذ المرموق" لمدة أسبوع ومكافأة دولارية سخية جداً.  
فأنا على خلاف أصوات في القسم رشحت القط، غيري رشح كثيرين من الدول العربية. وأنا في اللجنة العليا في الكلية رسّخت ترشيح القط واستضفته. وأنا رئيس قسم استضافته الجامعة وكافأته ولازمته في كل ذلك حتى عاد إلى مصر مرة أخرى، ورأى كيف أن الوجود المصري مهم جداً في ذلك الحين.  

الدكتور شكري عياد وهو أيضاً إن لم يدرس لي، وأنا معار في السعودية شكلوا لجنة لتأليف كتاب لتعليم اللغة العربية مبسطة ومغرية للأقسام العلمية من هندسة وعلوم وصيدلة وطب وزراعة إلخ. بشكل لجنة لتضع كتاباً تسهيلياً مشجعاً مغرياً من الدكتور شكري عياد والشاب الناشئ يوسف نوفل. قمة وشيخ كبير وشاب ناهض أو واعد.  
المهم هو كان على سفر وقال لي: يا يوسف خذ الفصل الفلاني من كتابي "البطل في الأدب والأساطير" وسوف نعد كتاباً "عنترة الأسان والأسطورة" حتى يكون مغرياً للطلاب، وأنت كمّل الباقي. فوالله إن أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب أنا الذي أعددته، وهو مشكوراً رحمه الله أعطاني كمقدمة للكتاب فصل من كتاب "البطل في الأدب والأساطير". وحينما عاد مرة أخرى الرياض وجد الكتاب مطبوعاً. وكانت هذه تفاعلية وذكرى جميلة بيني وبين أساتذتي الأفاضل ومنهم الدكتور أحمد كمال زكي والدكتور بدوي طبّانة والدكتور أحمد هيكل والدكتور القط والدكتور شكري عياد.  

أما على مستوى الزملاء فلعل في مقدمتهم ما كان يطلق عليه رحمه الله "صديق العمر" منذ السنة الأولى في كلية دار العلوم وهو الناقد الكبير الراحل د. محمد عبد المطلب، الذي تزامنا وتصادقنا على الحب والخير والمودة حتى رحل. الحقيقة بيننا تفاعلات عديدة. منذ سبقته إلى الماجستير ثم بدأ يحصل على الماجستير في دار العلوم، وغير وفاق بينه وبين الداعمة فخشى أن يسجل الدكتوراه هناك. وأنا كنت في ذات الحين معيناً في جامعة عين شمس فعرفته بالدكتور إبراهيم عبد الرحمن رحمه الله.  
وأتحت له أن يسجل الدكتوراه معه، ثم بعد ذلك أتحت له أن يعينه الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في كلية الآداب. الحقيقة كان هذا بسعي وتخطيط من الله سبحانه وتعالى عن طريقي.  

ثم كان هناك تفاعل آخر أنه كان يؤلف كتاباً عن قصيدة النثر في أول نشاطها. وكان هناك أدعياء كثيرون أنا غير راض عنهم، وأطلق عليهم لقب شاعر وغير معترف بهم. والذي قلت في سؤال سابق عن إنتاجهم أنه "شخابيط" وليس عن إنتاج كل الناس طبعاً. لا، رفعت سلام وعلاء عبد الهادي ومن على شاكلتهم شعراء فضلاء ممتازين، إنما كان فيه أدعياء ولازال.  
فأنا كنت مختلف معه وهو يؤلف لأننا منفتحين مع بعض وبنطلع بعضنا البعض على ما ننشغل فيه من تأليف ونأخذ فيه رأي بعض. فأنا كنت غير متفق معه أن يجمع الحابل بالنابل في قصيدة النثر ويمدح الحابل بالنابل والضعيف والقوي.  

لما ظهر الكتاب "النص المشكل" لمحمد عبد المطلب عقدوا له ندوة في دار الأدباء ويحضرها الناقد الكبير عز الدين إسماعيل الذي كانت له معي تفاعلات طيبة لا أود الاستطراد فيها.  
أصر محمد أناقش هذا الكتاب. فقلت له أن بعض الأدعياء سيستنكرون وجودي.  
وفعلاً ألقيت كلمتي وأنا أرى بعض العيون تنظر لي، بل إنهم علقوا على كلمتي تعليقاً ثائراً ساخناً. ومرت الليلة بسلام.  

هذه تفاعلات بيني وبين أساتذتي وبين زملائي، ليس على سبيل أني أخاف أو أختلف معهم أو هم يخافون. لقد صغت سؤالك بطريقة أخرى. فليكن سؤالك بصيغتك، ولتكن إجابتي بصيغتي.

ألفت كتاب "العرب في صقلية" ونلت به الجائزة الأولى عام 1965. لو عاد بك التاريخ، هل كنت ستختار الكتابة عن صقلية أم عن غزة؟ ولماذا؟ 
ـ تسألني عن كتابي "العرب في صقلية" الذي فاز بالجائزة الأولى للمجلس الأعلى للثقافة عند التخرج من كلية دار العلوم.  
الحقيقة كان عنوان المسابقة عن الحضارة الإسلامية.  
تسألني: هل تكتب عن صقلية أم أكتب عن غزة؟  
الحقيقة الإجابة كأنك على علم بما أنا أكتب.  
الإجابة أن هذا الكتاب هو، وكتابي "المكتبة العربية" سنة 1986، أولاد وتلقحا وتكاثرا حتى أصدرت الموسوعة: "موسوعة الذخائر التراثية العربية والإسلامية" في ألفي صفحة، وصدرت منها طبعة سنة 2018.  
وأتمنى أن أصدر الطبعة الثانية التي اتسعت في فرصة قادمة لدار نشر قادمة إن شاء الله.  

أريد أن أقول إن هذا الكتاب الذي أنتجته وأنا طالب في مسابقة محدودة اتسع وتراكم على مدى السنين. وظللت كل يوم وليس كل شهر أضيف وأوسع وأقرأ وأشتري كتباً ومراجع وموسوعات في أي بلد ذهبت إليها في السعودية والإمارات وتونس والعراق، أجمع وأسجل حتى صارت هذه الموسوعة الضخمة.  
فإذا إجابتي على سؤالك أنه فعلاً كتبت عن المدن وليس عن مدينة واحدة. فمن أول مدن أواسط آسيا التي فتحها المسلمون في العصور الوسطى إلى الأندلس في شبه جزيرة إيبيريا غرناطة وقرطبة إلى آخره، ومن المغرب العربي إلى دمشق لبغداد للقاهرة التي هي عواصم الثقافة العربية في العصور الوسطى لهذه الموسوعة.  
فإذا معك حق أن كتيبي الذي فزت به بالجائزة الأولى للمجلس الأعلى للثقافة وأنا خريج حديث صار موسوعة ضخمة أعتز بها وأتمنى إصدار الطبعة الثانية منها عن طريق دار نشر جيدة.

بعد ثمانية وثمانين عاماً، وخمسين عاماً في النقد، لو قال لك جاهل: "النقد كلام فارغ، والشعر إحساس فقط"، فبجملة واحدة تخرسه، ما هي تلك الجملة؟

ليس كلاماً فارغاً، بل هو كلام مملوء بالحقيقة. وصدق جان بول سارتر حين قال: "الناقد مبدع ثانٍ". 
وما من شاعر من الشعراء الكبار نقدته، أو علقت على ديوان له، أو قصيدة، أو نشرتها إلا واتصل بي وقال: "أؤيدك، هذا ما أريد أن أقوله". 
لأنني أدخل وأعيش معه التجربة، وأفسر ما وراء النص، وأفجّر الطاقات الخفية في الكلمة. ففيها طاقات خفية كما قالوا. 
فالشاعر لا يريد أن يفصح عن كل الأمور، بل يوحي ويرمز ويستخدم الأقنعة والإيجاز إلى آخره. 
فما من شاعر - إبراهيم شوشة، إبراهيم أبو سنة، وغيرهما - إلا ويقول لي: "فعلاً، أنا أريد أن أقول هذا، لكن لا أفصّله تفصيلاً كالخطباء". 
الحقيقة لا أوافق من يدّعي هذا الكلام.


تم ترشيح اسمكم ضمن القائمة القصيرة لجائزة النيل في الآداب هذا العام 2026، لتكونوا واحداً من الأسماء التي سيُختار منها الفائز النهائي. 
بعد 88 عاماً من العطاء و37 كتاباً، كيف تتلقى هذا الترشيح؟ وهل تغير معنى الجائزة عندك وأنت في هذه المرحلة من العمر؟ أم أن رضاك الحقيقي كان دائماً في أثرك على طلابك وقرائك؟


بالنسبة للجوائز، أكرمني الله سبحانه وتعالى. وأتشرف أن أكون في القائمة القصيرة في الآداب مع شخصيات عظيمة ومرموقة. 
أولاً: أحمد الله سبحانه وتعالى، وهذا فضل من الله. 
ويدعوني ذلك أن أتجه بالشكر والتقدير إلى السادة الأفاضل أعضاء اللجان المتعاقبة، حتى اللجنة العليا بقيادة معالي الوزيرة اللامعة. 
أنا أشكرها بعد شكر الله سبحانه وتعالى على هذه الثقة، وأرجو أن أكون عند حسن ظنكم. 

وأقول: إن هذا فضل من الله سبحانه وتعالى، و{إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً}. 
على مدار أكثر من خمسين عاماً لا همّ لي إلا القراءة والبحث، والإشراف على البحوث، ومساعدة الباحثين، وتأليف ما استطيع تأليفه، سواء على الساحة الأدبية والأكاديمية في مصر أو في بعض الدول العربية التي قُدّر لي أن أذهب إليها، كما أشرت في إجاباتي السابقة.

وهنا، بعد توجيه الشكر إلى كل هؤلاء الأفاضل، بدءاً من أعضاء اللجان الأولية حتى اللجنة العليا في المجلس الأعلى للثقافة برئاسة معالي الوزيرة، أقول للسادة الزملاء الذين لم يُقدّر لهم الفوز حتى الآن: 
ومن خلال ما أقرأ على صفحات التواصل الاجتماعي من احتجاج لدى بعض الأفاضل الذين لم يُقدّر لهم الفوز حتى الآن، والمجال مفتوح لهم وربنا يطيل أعمارهم، أقول لهم: 
ينبغي أن ننظر إلى الأمر بعدسة واحدة وموضوعية. مصر أكثر من مائة مليون، وفيها آلاف المواهب في فروع المجلس الأعلى للثقافة الثلاثة: الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. آلاف يستحقون الجوائز.

فأي دولة تتيح لها إمكانياتها المادية، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية والعالمية، أن تعطي آلاف الجوائز كل عام لآلاف الموهوبين؟ طبعاً مستحيل. 
إذا كان هناك أكثر من خمسة فروع للجوائز في المجلس الأعلى، ومنها جائزة المبدع الصغير التي اعتمدتها سيدة مصر الأولى، وأنا حكمت فيها. وهذه الجوائز المتعددة بمبالغ طائلة وميدالية ذهبية تقدر بكذا... في ظل ظروف كلنا نعلمها. 
لا والله، أنا أشفق على مصر أن تنفق هذا المال في مجال الجوائز في ظل هذه الظروف الاقتصادية القاتمة القاسية.

ولذلك أرى أن يتم تعدد الجوائز لدى الهيئات والمؤسسات والأفراد، على غرار جائزة ساويرس - أكرمه الله - وجائزة إحسان عبد القدوس - أكرم الله أبناءه. 
أرجو من كل رجل أعمال ناجح أنعم الله عليه أن ينشئ جوائز متعددة على غرار جوائز المجلس الأعلى، كي نستوعب الطاقات والمواهب العديدة. 
فيكون لدينا ألف جائزة متعددة: ما بين الهيئات والمؤسسات ورجل الأعمال الفلاني... لن أذكر أسماء. 
وإن كنت ذكرت ساويرس، وفيه جائزة فلان الفلاني. من رجال أعمال كثيرين وفضلاء أنعم الله عليهم. 

إذا كان عندنا مائة جائزة على الأقل، وفي كل جائزة اثنان أو ثلاثة، فكل عام سوف يفوز مئات من ضمن آلاف المواهب الموجودة، فتقل موجة الاحتجاجات لدى بعض الزملاء والأصدقاء الذين يكتبون على الصفحات احتجاجاً: "أنه لم يفز" أو "أن فلان فاز وأنا لم أفز".

لابد من تعدد الجوائز، ليس عن طريق الدولة. فالدولة يكفيها هذا العبء الضخم: 6-7 جوائز في فنون مختلفة لأفراد متعددين، بميزانية ضخمة جداً مع علاء سعر الذهب. 
أرجو من الهيئات والمؤسسات، وجهات التعليم والجامعات، ووزارة التربية والتعليم، والأفراد من رجال الأعمال، أن يطرحوا جوائز عديدة لكي نستقبل مواهب عديدة أنعم الله على مصر بها، حتى تخف موجة الاحتجاجات.

وفي النهاية أكرر شكري وتقديري لكل من تفضل عليّ بصوته فيما مضى، أو سوف يمنحني صوته فيما هو قادم. وكل شيء بقدر الله، وأنا راضٍ بما قدره الله. 

مساحة إعلانية