مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

محمد دياب يكتب:كليات الطب الخاصة.. عندما يدخل البيزنس غرفة العمليات

2026-11-05 06:04 AM  - 
محمد دياب يكتب:كليات الطب الخاصة.. عندما يدخل البيزنس غرفة العمليات
محمد دياب


تحولت قضية التعليم الطبي الخاص إلي ملف يستحق المواجهة، بعدما أصبح التوسع في إنشاء الجامعات وكليات الطب يثير تساؤلات حادة حول حقيقة الأولويات: هل الهدف إعداد أطباء أكفاء يخدمون المجتمع، أم توسيع سوق استثماري تدر عليه المصروفات الدراسية أرباحاً ضخمة؟ فالفارق كبير بين جامعة تستثمر في صناعة المستقبل، ومؤسسة تنظر إلي الطالب باعتباره مصدراً للإيرادات.
المشكلة تبدأ عندما تصبح أعداد المقبولين وحجم المصروفات محور الاهتمام، بينما تأتي إمكانات التدريب والتأهيل في مرتبة تالية. فالطب مهنة تقوم علي العلم والتطبيق والخبرة، والطريق إلي لقب طبيب يمر بسنوات من الدراسة الجادة والتدريب السريري والتقييم المستمر. أما اختزال التجربة التعليمية في دفع المصروفات والحصول علي شهادة، فهو خلل يهدد قيمة المؤهل وثقة المجتمع في منظومة التعليم بأكملها.
والسؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بكليات الطب التي تعتمد علي مستشفيات خارجية أو اتفاقيات تدريب محدودة: هل تتناسب الإمكانات المتاحة مع أعداد الطلاب؟ وهل يحصل كل طالب علي فرص كافية للتعامل مع الحالات المرضية تحت إشراف متخصصين؟ ومن يراجع جودة التدريب فعلياً، ويتأكد من أن الطالب اكتسب المهارات التي تؤهله لتحمل مسؤولية المريض؟
إن إنشاء كلية طب يحتاج إلي استثمارات ضخمة في المعامل والتجهيزات والمستشفيات وأعضاء هيئة التدريس. وهذه التكاليف تمثل جزءاً أصيلاً من مسؤولية المؤسسة التعليمية، وليست أعباء يمكن تأجيلها لحساب التوسع في القبول. وكل جنيه يدفعه الطالب ينبغي أن يقابله تعليم جاد، وتدريب حقيقي، وإمكانات تتناسب مع طبيعة المهنة التي يستعد لممارستها.
أما الدولة، فتقع علي عاتقها مسؤولية مباشرة في ضبط هذا السوق، من خلال مراجعة الطاقة الاستيعابية لكل كلية، والتأكد من كفاية المستشفيات التدريبية، وإعلان نتائج الرقابة والاعتماد بشفافية. كما يجب ربط قبول دفعات جديدة باستيفاء المتطلبات التعليمية والمهنية، مع تطبيق الجزاءات القانونية علي المؤسسات التي يثبت إخلالها بالمعايير المعتمدة.
والأخطر أن فاتورة الخلل في التعليم الطبي قد يدفعها المريض؛ فالطبيب الذي يدخل غرفة الكشف أو يتعامل مع حالة طارئة يحتاج إلي أساس علمي راسخ وخبرة عملية حقيقية. وهنا تصبح جودة التعليم قضية أمن صحي، ويصبح التساهل في معايير إعداد الأطباء مخاطرة تمس المجتمع كله.

مساحة إعلانية