مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

عالم السياسة

مباحثات عمان… حين يركع الصراخ الإعلامي للثبات

2026-02-05 02:30 PM  - 
مباحثات عمان… حين يركع الصراخ الإعلامي للثبات
الباحث جواد سلهب
منبر

تحليل إخباري / أبو المجد الجمال

حين تعتمد القوة على الإرهاب النفسي والضجيج الإعلامي المكشوف، فإنها تفقد أهم أدواتها في تركيع الخصم لسياسة الأمر الواقع وفرض الإملاءات. وفي المقابل، حين تتفوق الجاهزية العسكرية والنفسية والمعنوية على سلاح التهديد والقوة، تبطل مفعول نبرات التهديد وأغلال القوة، لتصبح المواجهة محكومة بالمعادلات الحقيقية للصراع، لا بالشعارات أو الضجيج الإعلامي.
وهذا هو خلاصة المشهد الاستراتيجي في كواليس الساعات الأخيرة من مباحثات واشنطن وطهران، المقررة غدًا الجمعة في العاصمة العُمانية مسقط: سياسة الدفاع المُحصَّن، القائمة على معادلات القوة والجاهزية العسكرية لكافة السيناريوهات المتوقعة جوًا وبحرًا وبرًا، نجحت في كسر أسطورة الجيش الأمريكي، عبر تطوير منظومة الصواريخ الباليستية وإدخال عناصر المفاجأة، ليصبح الدفاع أشد فتكًا من الهجوم.
ويأتي ذلك في ظل تهديدات رادعة بتوجيه ضربات مباشرة في العمق الاستراتيجي الإسرائيلي والأمريكي، سواء في قلب تل أبيب أو في القواعد الأمريكية المنتشرة بالمنطقة، مع إصرار طهران على التمسك بشروطها بعدم المساس ببرنامجها النووي، باعتباره خطًا أحمر وحقًا إقليميًا ودوليًا مشروعًا لا يقبل المساومة.
ومن هذا المنطلق، تحرّكت طهران ببراغماتية محسوبة وذكاء استراتيجي عميق، فأحسنت إدارة انسحابها من اتفاقية الانتشار النووي، واختارت بعناية سلطنة عُمان، وتحديدًا العاصمة مسقط، مقرًا للمباحثات غير المباشرة بدلًا من أنقرة، مع قصر الحوار على الطرف الأمريكي فقط، في خطوة لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت ضربة محسوبة للحملة الإعلامية والدعائية والنفسية الهادفة إلى فرض سياسة الأمر الواقع.
ذلك لأن سلطنة عُمان تمثّل بيئة تفاوضية هادئة، بعيدة عن مرمى نيران الاختراق الإعلامي والاستعراض السياسي الأمريكي، ولا تُعد ساحة مفتوحة للشائعات أو الاستثمار في الضجيج، وهو ما أفقد واشنطن أحد أهم أدوات الضغط والتشويش.
لتتعلم واشنطن، ومعها ديكتاتورها الغارق في فضائح جزيرة الشيطان «إبستين»، أن القوة العسكرية لا تمحو إرادة الشعوب، وأن الحملات الإعلامية لا تُسقط أنظمة متماسكة، وأن فرض سياسة الأمر الواقع لا يصلح مع نظام لا ينكسر. فأساليب الإرهاب والترهيب لا تُجدي نفعًا مع عقلية تُدير شعبًا بنبض الروح لا بضعف العقول، على أسس عقائدية راسخة، قوامها أن الشعب ينحاز إلى نظامه حين يكون العدو خارجيًا، وأن عدو الداخل أشد خطرًا.
ومن هنا، انتفض الشعب الإيراني وخرج في مظاهرات مليونية تندد بإسرائيل والولايات المتحدة، باعتبارهما رأس الشيطان في العالم. ويبقى الدرس الأهم أن صناعة الخوف لا تقهر شعبًا ولا جيشًا ولا قيادة، بل تزيدهم صلابة وقوة، لأن الدم غالٍ، لكن تراب الوطن والحفاظ على السيادة أغلى من الروح.
إيه الحكاية؟!

في عمق التحليل الاستراتيجي
في عمق المشهد، يكشف الكاتب والباحث جواد سلهب كواليس العلاقة الإيرانية–الأمريكية خلال الساعات الأخيرة، ويفتح الصندوق الأسود لمباحثات عُمان، وما يجري خلف الكواليس في توقيت مفصلي يُعد من أشد مراحل «عضّ الأصابع».
ويؤكد أن الساحة الإعلامية شهدت خلال الأيام الماضية ضجيجًا سياسيًا واسعًا حول طبيعة العلاقة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة، لا سيما ما أُشيع عن موافقة طهران على الدخول في مفاوضات تُعقد في تركيا. غير أن هذا الضجيج لم يكن بريئًا، بل استند إلى روايات منسوبة إلى «مصادر مطلعة» مجهولة الهوية، لا يمكن البناء عليها كحقائق سياسية أو دبلوماسية، ومع ذلك وقعت في فخها العديد من القنوات ووسائل الإعلام، ولا سيما الأمريكية منها، التي روّجت لهذه الروايات وكأنها أمر واقع.

وهنا، يزيح سلهب الستار عن عدة حقائق وأسرار بالغة الخطورة.

أما الحقيقة الأولى، فيجسّدها الموقف الإيراني من استضافة المفاوضات
فمنذ اللحظة الأولى لطرح فكرة استضافة تركيا للمفاوضات، كان الموقف الإيراني واضحًا وثابتًا. فقد شكرت إيران تركيا، كما شكرت كل دولة أو جهة أبدت استعدادها للمساهمة في إنجاح أي مسار دبلوماسي، غير أن القرار الإيراني جاء حاسمًا لا لبس فيه: لا بديل عن سلطنة عُمان.
وقد أكّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الموقف صراحة، عندما أعلن أن المفاوضات ستُعقد يوم الجمعة في تمام الساعة العاشرة صباحًا في سلطنة عُمان، في تصريح شكّل تكذيبًا مباشرًا لكل الروايات الإعلامية المتداولة عن مفاوضات في تركيا، وأسقط محاولات التهويل والضغط النفسي والاقتصادي التي تمارسها الولايات المتحدة.
أما الحقيقة الثانية، فيزيح عنها ستار السؤال الملغوم: لماذا اختارت إيران عُمان؟
لا ينطلق اختيار إيران لعُمان فقط من الثقة التاريخية والعلاقات المتبادلة منذ ما قبل سقوط نظام الشاه، بل يرتكز أيضًا على عامل بالغ الأهمية، يتمثل في أن سلطنة عُمان بعيدة عن الإعلام السياسي الاستعراضي، ولا تُعد ساحة مفتوحة للتلاعب أو التسريب أو الاستثمار الإعلامي في مسار المفاوضات، بما يحدّ من قدرة أي طرف على تشويه الوقائع أو التأثير على مجرياتها.

أما الحقيقة الثالثة، فتُجيب عن السؤال الأكثر شراسة: كيف أبعدت إيران شبح الحرب؟
لقد استطاعت إيران، خلال هذه المرحلة الحساسة، أن تُبعد شبح الحرب عبر ثلاثة عناصر أساسية شكّلت معًا معادلة ردع متكاملة.
أولًا: التماسك الداخلي للقيادة
حيث وصلت القيادة الإيرانية إلى قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة طرف لا يمكن الوثوق به، وأن الدفاع عن الجمهورية الإسلامية يجب أن يكون كاملًا وحازمًا، دون أي استعداد لتسليم القرار السيادي أو «مفتاح إيران» لأي طرف خارجي.
ثانيًا: القدرات العسكرية المتقدمة
إذ كشفت إيران عن جزء من قدراتها العسكرية، مع الاحتفاظ بعنصر المفاجأة، الذي تدرك أنه سيكون صادمًا للعدو في حال فُرضت المواجهة.
ثالثًا: توسيع نطاق أي مواجهة محتملة
حيث أكّدت القيادة الإيرانية أن أي معركة لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية، بل ستتحول إلى مواجهة إقليمية شاملة، وهو السيناريو الذي لا تريده الولايات المتحدة ولا تتحمل كلفته.

أما الحقيقة الرابعة والأخيرة، فتتمثّل في سقوط التهويل الأمريكي.
وهكذا، يتبيّن أن التهويل الأمريكي عبر أدواته الإعلامية قد سقط عمليًا. فلا توجد أي رواية إيرانية رسمية صادرة عن بيت القرار تفيد بموافقة طهران على عقد مفاوضات في تركيا. كما تدرك إيران أن قبول تركيا كمكان للتفاوض كان سيضعها في موقف حرج أمام دول أخرى، كالسعودية وقطر، التي سبق أن طلبت استضافة هذه المباحثات.
وهكذا تُدار المعارك بعقل بارد وشروط واضحة.

وهكذا، نجحت إيران في إدارة هذه المرحلة بذكاء وحنكة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والاستعراض السياسي، وأعادت الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الإيرانية، وبعنوان واحد لا يقبل التأويل:
الملف النووي فقط… لا أكثر ولا أقل.

وهكذا تثبت طهران، مرة أخرى، أن المعركة الحقيقية لا تُدار بالصراخ الإعلامي، بل بالثبات، والوضوح، وحسن اختيار الزمان والمكان.

مساحة إعلانية