مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة :عبدالله الحُب... بقلم جلاء الطيري

2026-08-09 04:14 PM  - 
قصة قصيرة :عبدالله الحُب... بقلم جلاء الطيري
المبدعة جلاء الطيري
إعلان بنك saib

..ورأى في ماءِ الساقيةِ ما رأَى، فخرَج بعد غيابٍ، عندما التقطه بعضُ السيارة، وهو يصرخ الحُب.. الحُب، من يومها صار اسمه (عبد الله الحُب).

استطال النهار في صيف قائظ، وأجساد يجافيها النوم، وشمس اشتد وهَجها، حتى إن أحدهم قال: إن جهنم نفثَت غضبَها اليوم.

في هذا اليوم، وتلك الساعة، يا حسرتَا على ما فرَّط، وكيف مال برغبة فجَّة، واقترف ما اقترف، هو الآن يُصغِي إلى خرير مياه راكضة، ونخلة تدلَّى سعفُها ليُلامِس وجْه الماء.

تعلَّق بسعفة عفيَّة، نزَل إلى الساقية، ونام على خشبها.

نسمة هواء، وظِل نخلة، ورُطَب تساقَط؛ فاختمر في البئر، سَكِرَ بلا شراب، دارت الساقية بلا ثور.. دار معها.

للسكون شهوة، عرَفها عندما تناءَى الصخَب، وخفَّ أزيز صوت ارتطام الخشب بالماء، إنها الرغبة المستميتة للبقاء بلا ذاكرة، واسترضاء النفس اللوامة. هو العدم الجميل، كورقة شجَر يابسة سقطت؛ فذرتها الرياح، أيُّ هوَس تلبَّسه؟! .. وأيُّ جَمال رأَى؟! .. وأيُّ عِشق تعالَى وتعاظَم؛ فراح يصيح : الحُب..  الحُب؟!.

كم عامًا جلَس على خشب الساقية؟ كم عمرًا قضَى؟

لم يُدرك، ولم يعرف سوى أنه رأى عتمة تضيء، وليلاً يتهاوَى، وشمسًا حانية تبزغ من قعْر الماء. كيف له أن يمسك بهذا الطوفان من البهاء ولا يفلته أبدًا؟.. هل هي جِنيَّة الماء؟

فطالما خاف الناس من ماء الساقية، من نخلتها التي كانت عالية، فتدلَّت لتُلقِم جنيَّةَ الساقية تمْرَها، لقد اقترب ودنَا؛ فصار خشبُها وسائدَ من حرير، وماؤها أنهارًا من عسل مُصفَّى.

هل متَّ يا عبد الله؟ وأنت الآن غارق في أنهار الجنة!

هل هذه التي لا وصف لها حوريتك التي اصطفَيت؟

لكن كيف تكون لك جَنة وقد فعلتَ ما فعلتَ؟

تقول دائمًا: اللهم لا تُسلِّطْ علينا غيرَك.

لقد تَسلَّطَ عليك غيرُك، ولم تُستجَب دعوتُك!

عندما لَاكَ الغيرُ سيرةَ فاطمة؛ قُرَّة عينك، ربيبتك وصغيرتك، ربَّيتها على عينك، أجمل بنات القرية، عيناها خضراوان كعشب نبَت على حافة بئر، شَعرها استطال؛ حتى لكأنها تشبكه في دلو البئر، عندما اشتهيت شَربة ماء باردة، في ليل احترقت فيه الأجساد من لفْح الحَر، مددت يدك، أشتهي الماء، الماء البارد لا يأتي إلا من ساقية تحرسها نخلة عالية، تؤتي أُكُلها قبْل مثيلاتها، ذهبتْ دلَّتْ دلوها.. العتمةُ نظارة الأعمى.

انزلقت قدماها في طين لزِج، كبلقيس كشَف الثوب عن ساقَين كالمرمر، وبرغم الليل، كان للنخلة ظِل باعَد بين ساقَيها، وسكَن بينهما، بين الساتر والساتر.. انكشفت فاطمة، سُرق منها الوقت، صار الظِّل يلاحقها، وأعين وألسنة الناس تأكل لحمها. أنا الشريفة يا عبد الله، لم أَكُ بغيًّا، فقط أبتغي لك شربةَ ماء. أترتوي يا عبد الله وتتركنني ظمأَى؟! أقرع بابك؛ فترُدَّني، أتدري ما بي؟!

صدِّقني.. وكذِّبهم .. هو مجرد ظِل طاب له المقام بين ساقَيَّ، أنا الطاهرة في باطني، المدنَّسة في ظاهرهم. أظنك انشغلت بمكائدهم عنِّي، فلمْ تصدِّق عِفَّتي.

يقتلني ظَنُّك، لكنني أحبكَ أكثر من شربة ماءٍ لتائهٍ في الصحراء، أحبكَ أكثر من رُطَب العالية .. أحبك أكثر منك أيها السامع بالأُذن دون القلب. تقبَل ما يأمرك به سَمْعك. ألقِني في بئر الساقية، ولكن اعصُبْ عينَيك وأنت تدفعني.

أعلم أنك لا تستطيع، افعلْها ولا تخَفْ.. ربما موتِي يعيدك إلى سيرتك الأولى.

مال جِذْع العالية، وتدلَّى سَعْفُها، حتى لامَس سطْح الساقية، صار رُطبُها مُرًّا.

خرَج عبد الله بعدما رأَى في الساقية ما رأَى.. من يومها وهو يهيم صائحًا: الحُبُّ.. الحُبُّ..!

مساحة إعلانية