مساحة إعلانية
الداكر ليس طبيبا ماهرا فحسب في تشخيص أمراض الجسد بل كاتبا ماهرا بدرجة طبيب حاذق أستطاع أن يستخدم أدواته في تشريح أمراض المجتمع و علله و يقدمها لنا على طبق من ذهب في صورة قصص قصيرة . ومن هنا تبدو تجربة الدكتور أيمن الداكر تجربة تستحق التوقف؛ لأنه لا يكتب الإنسان بوصفه شخصية أدبية فحسب، وإنما يراقبه في ضعفه، وفقره، وخوفه، وأحلامه الصغيرة، وفي علاقته بالسلطة والمجتمع والشارع.
واللافت في هذه المجموعة أن الكاتب لا يختار شخصياته من الطبقات الغنية أو من مجتمع فاحش الغنى ، بل ينزل إلى الشارع؛ إلى سائق «التوك توك»، والمرأة البسيطة، والفتاة الصغيرة، والموظف، والفلاح، والشيخ، والمرشح النيابي ، والمواطن الذي يقف في طابور البنك ، وإلى أولئك الذين يعيشون مهمشين على أطراف المجتمع .
وهنا تبدأ أهمية المجموعة القصصية
«أنف كبير وثلاث عجلات».
انطلاقاً من السيرة الذاتية المدونة في نهاية المجموعة، فإن الدكتور أيمن الداكر حمدون إسماعيل، المعروف باسم أيمن الداكر، كاتب وطبيب مصري، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الجمعية المصرية لكتاب القصة والرواية، وعضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في سلطنة عمان، وُلد في قرية الحجز بالبلينا في سوهاج سنة 1978، وتخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس سنة 2002، وعمل في المجال الصحي بسلطنة عمان، وتولى إدارة عدد من المؤسسات الطبية الحكومية هناك.
وحين نقرأ هذه السيرة إلى جوار النصوص، ندرك أن مهنة الطب ليست معلومة هامشية في حياة الكاتب، بل يمكن أن تكون أحد مفاتيح قراءة تجربته؛ فهو شديد الانتباه إلى التفاصيل الإنسانية، وإلى علامات التعب والانكسار والخوف، وإلى الفارق بين المظهر الخارجي و الجوهر الداخلي للإنسان .
وقد حصل الداكر على جائزة إحسان عبد القدوس في القصة القصيرة بمصر سنة 2023، وجائزة المركز المتوسطي للدراسات والأبحاث في القصة القصيرة بالمغرب سنة 2019، وجائزة صالح هلال الدولية في القصة القصيرة بمصر سنة 2018، إضافة إلى تكريمات وشهادات تقدير أخرى. كما صدرت له مجموعات قصصية وكتاب مقالات ورواية، من بينها «قلب صعيدي»، و«شجرة الرمان»، و«عمامة خضراء»، و«هوامش على دفتر المحروسة»، و«أنف كبير وثلاث عجلات»، و«برديات الجنوبي»
وهذا كان إستهلال لا بد منه قبل الخوض في مجموعة «أنف كبير وثلاث عجلات». للدكتور / أيمن الداكر
نبدأ دراستنا النقدية كما تعودنا من الغلاف و كما يقولون ( الخطاب يظهر من عنوانه )
الغلاف:
حين نقول صورة تغني عن ألف كلمة فإن الغلاف من أكثر عناصر المجموعة نجاحًا في صناعة عتبة القراءة.
فاللون الترابي المسيطر على الغلاف ليس لونًا بريئًا؛ إنه لون الأرض والغبار والطرق القديمة والجدران التي أكلتها السنون وتظهر على سطحه تشققات واضحة، وكأن الغلاف نفسه يحمل آثار مجتمع مثقل بالأوجاع و الهموم
وهنا تصبح التشققات البصرية شبيهة بالتشققات الاجتماعية التي سوف نعثر عليها داخل القصص.
أما عن اللون الأسود في كتابة العنوان فيمنح العبارة ثقلًا ووضوحًا، بينما تأتي صورة «التوك توك» في مقدمة المشهد بألوان أكثر حرارة، وفي مقدمتها الأحمر والبرتقالي، فتبدو المركبة وكأنها الكائن الأكثر حركة وحياة داخل هذا العالم الساكن المتشقق وكأنه هو البطل الحقيقي للمجموعة .
ثم تأتي الشخصيات البشرية في صورة ظلال داكنة، لا تكاد نرى ملامحها. وهذه نقطة شديدة الدلالة؛ فالقاص لا يقدم لنا «أبطالًا» بالمعنى التقليدي، وإنما يقدم لنا نماذج بشرية يمكن أن يكون أي واحد منهم أنا أو أنت أو شخص تعرفه .
وهنا يصبح الإنسان مجرد رمز في الحكاية ، بينما تصبح العربة ذات الثلاث عجلات هي العامل المشترك في كل القصص .
وكأن الغلاف يقول منذ البداية لا تبحث عن بطل واحد... ابحث عن مجتمع كامل يستخدم التوك توك كوسيلة انتقال اقتصادية .
أما اختيار الخط العريض الثقيل في عنوان الكتاب، فهو يتناسب مع طبيعة المجموعة؛ فالعنوان ليس شاعريًا هادئًا، وإنما عنوان صادم، ساخر، شعبي، يحمل شيئًا من المفارقة.
والأجمل أن الغلاف الخلفي لا يكتفي بالتعريف بالكتاب، بل يقدم مشهدًا من عالمه، ثم يقدم صورة الكاتب وسيرته، بما يجعل الغلاف أشبه بمدخل سردي لا مجرد غلاف تجاري.
العنوان:
«أنف كبير وثلاث عجلات»
العنوان وحده يستحق دراسة مستقلة.
أنف كبير؟ وثلاث عجلات؟
ما العلاقة بين الأنف والعجلات؟
العنوان في ظاهره يبدو ساخرًا وغريبًا، لكنه بعد قراءة المجموعة يتحول إلى مفتاح.
فـ «التوك توك» حاضر بقوة في عدد من القصص، حتى يكاد يصبح شخصية مستقلة. الكاتب لا يستخدمه باعتباره وسيلة مواصلات فحسب، وإنما باعتباره مساحة متحركة يلتقي فيها الناس، ويتكشفون، ويتجادلون، ويحبون، ويخافون، ويحتالون، ويحلمون. إلخ
أما «الأنف الكبير» فيمكن قراءته بوصفه علامة على التطفل والشمّ والدخول في التفاصيل، وربما على الشخصية التي تقتحم المشهد ولا تستطيع أن تمر من الحياة مرورً الكرام .
ومن هنا فإن العنوان يجمع بين عضو في الجسد ووسيلة في الشارع؛ بين الإنسان والآلة.
وهنا تكمن براعة العنوان: أنه يبدو بسيطًا من الخارج، لكنه بعد قراءة المجموعة يصبح أكثر اتساعًا من دلالته الأولى.
«التوك توك» هنا هو البطل الذي لا يكتب اسمه على الغلاف بل أكتفينا بوصف كاريكاتيري له في استدلال على الحس الساخر للكاتب
إذا كان لابد من اختيار شخصية محورية متكررة في المجموعة، فلن يكون الاختيار إنسانًا واحدًا، وإنما سيكون:
التوك توك
في وصفه بـ «خنفسة سوداء» يتحول التوك توك إلى كائن حي تقريبًا؛ يوصف بحركة وصوت وسرعة وهيئة، حتى إن الكاتب لقبه بالخنفسة السوداء.
والأمر لا يقف عند حدود التشبيه.
إنه المركبة التي يرفضها البعض، ويحتاج إليها الجميع.
وفي ذلك مفارقة اجتماعية واضحة: الشيء الذي يراه البعض قبيحًا أو فوضويًا قد يكون بالنسبة إلى آخرين وسيلة رزق ووسيلة حياة.
ولهذا فإن «الخنفسة السوداء» ليست مجرد تسمية ساخرة للتوك توك؛ إنها تسمية تحمل نظرة المجتمع إلى هذا القادم الجديد.
ثم يعود التوك توك في قصص أخرى، مرة حاملًا فتاة، ومرة حاملًا امرأة إلى السوق، ومرة جزءًا من حكاية الشيخ، ومرة أداة سياسية، ومرة وسيلة للهروب أو الحركة حتى في بعض القصص كان هو نفسه البطل المحرك للأحداث .
وبهذا يتحول من وسيلة مواصلات إلى وحدة سردية مشتركة تربط أجزاء المجموعة.
المكان:
الشارع هو المسرح لا يحتاج أيمن الداكر إلى مسارح ضخمة كي يصنع قصته.
محطة قطار. /حارة. /سوق / مقابر./ شارع / بنك./ قرية. /ميدان. / سيارة / توك توك.
هذه هي خشبة المسرح. ومن أجمل ما في المجموعة أن المكان ليس ديكورًا محايدًا، وإنما عنصر مشارك في صناعة الحدث.
في «خنفسة سوداء» يتحول الشارع إلى مسرح للفوضى والحركة.
وفي «المقابر» يصبح المكان أكثر من مجرد مقابر؛ إنه فضاء تتقاطع فيه الحياة والموت والرزق والمرأة الفقيرة والرحلة اليومية.
وفي «حقيبة قماشية صغيرة» ينتقل الكاتب إلى عالم مختلف، عالم الشيخ والتجارة والسلطة الدينية والاجتماعية.
وفي «حوّالة بنكية» يتحول البنك إلى ساحة للبيروقراطية والانتظار.
أي أن المكان عند الداكر يحدد طبيعة القصة كما يحددها الشخص.
و هنا الشخصيات لا يقدمها الكاتب من الخارج فقط؛ بل يمنحها مساحة للكلام والفعل والتأثير.
حيث تأتي قيمة قصص مثل «مريلة زرقاء» و«حقيبة مدرسية»، حيث تصبح الحياة اليومية نفسها مادة درامية.
فالكاتب لا يبحث عن البطولة في الأحداث الاستثنائية فقط، وإنما في التفاصيل التي اعتاد الناس أن يمروا بجوارها دون أن يلتفتوا إليها
شخصية زينب:
من أكثر القصص التي تكشف حساسية الكاتب الاجتماعية قصة «مريلة زرقاء».
زينب فتاة صغيرة اعتادت أن يحملها التوك توك إلى المدرسة والدروس، ثم تبدأ في ملاحظة نظرات السائق إليه
هنا ينجح الكاتب في نقل الحدث من مجرد علاقة بين فتاة وسائق إلى سؤال أكبر يتعلق بالثقة والخوف والنضج المبكر وغياب الحماية الاجتماعية.
واللافت أن الكاتب لا يجعل المشكلة في المركبة نفسها.
المشكلة في الإنسان الذي يجلس خلف المقود.
وهذا فارق مهم. فالآلة محايدة، لكن الإنسان هو الذي يمنحها أخلاقه.
ومن هنا يصبح التوك توك مرة أخرى مرآة للمجتمع.
و إذا تمعنا مع الداكر في تشريح المجتمع نجد أن الفقر ليس مجرد خلفية في القصة .. بل محرك للأحداث
الفقر في المجموعة ليس مجرد وصف لبيئة الشخصيات. إنه قوة تدفع الشخصيات إلى اتخاذ قراراتها.
المرأة التي تخرج إلى السوق. الشخص الذي يبحث عن الرزق.
الشيخ الذي يتعامل في المواشي. سائق التوك توك الذي يبحث عن لقمة العيش.
الأم التي تجهز أبناءها للمدرسة. كل هؤلاء يتحركون لأن الحياة تضغط عليهم.
وهذا ما يجعل المجموعة اجتماعية من غير أن تتحول إلى تقرير مصور عن قضايا المجتمع
فالكاتب لا يقول لنا: «هؤلاء فقراء». بل يجعلنا نرى الفقر وهو يتحرك أمامنا وله دوره الفاعل في الأحداث .
وفي «سيادة النائب» يستخدم الكاتب السخرية من صعود الشخص العادي إلى موقع السلطة الرمزية، وكيف يمكن للقب أن يغير طريقة الناس في التعامل مع صاحبه.
الكلمة تصبح أهم من الإنسان. واللقب يتحول إلى سلطة. وهنا تظهر إحدى الأدوات الأساسية عند أيمن الداكر: السخرية.
لكنها ليست سخرية من أجل الضحك. إنها سخرية تكشف الخلل.
أيمن الداكر كاتب ساخر، لكن سخريته ليست من النوع الذي ينفصل عن الواقع.
إنها سخرية لها جذور اجتماعية. نضحك على سائق التوك توك، ثم نكتشف أنه يعكس فوضى أكبر منه.
نبتسم من لقب «سيادة النائب»، ثم نكتشف أن المجتمع نفسه يشارك في صناعة هذه النكتة
نضحك من الموقف، ثم نجد أننا نضحك على أنفسنا.
اللغة:
اللغة عند الداكر فصحى تتماهى مع بعض الالفاظ العامية في تناسق عجيب ملفت غير منفر متجانس فيه إبداع
فالكاتب يستخدم الفصحى في السرد، لكنه لا يخشى أن يدخل الحوار العامي عندما تقتضي طبيعة الشخصية ذلك.
وهذا الاختيار مناسب لعالم المجموعة.
فلو جعل سائق التوك توك يتحدث بلغة أدبية منمقة طوال الوقت، لفقدت الشخصية مصداقيتها
أما حين يتكلم السائق بلغته اليومية، ثم يعود السرد إلى فصحاه، فإن النص يحقق توازنًا بين الأدب والواقع.
ومن أمثلة ذلك حضور عبارات قصيرة عامية داخل الحوار، بينما يظل الراوي قادرًا على بناء الصورة والوصف باللغة الفصحى.
الصورة الفنية:
يمتلك أيمن الداكر حسًا واضحًا بالصورة. و جماليات التعبير المنمق المبهر بدون إزعاج للقارئ
ففي «خنفسة سوداء» لا يكتفي بوصف التوك توك، بل يحوله إلى كائن حي يتحرك ويزمجر ويقذف نفسه وسط الشارع.
وفي مواضع أخرى يستخدم التشبيه لتقريب الصورة إلى ذهن القارئ. ومن الملفت للنظر أن معظم الصور مستمدة من البيئة نفسها.
فهو لا يحتاج إلى صور غريبة عن عالم الشخصيات.
وهذا يجعل الصورة عنده صورة معبرة عن المكان وليست صورة مستوردة من قاموس أدبي بعيد.
الحوار:
الحوار من أكثر أدوات الكاتب حضورًا. وهو حوار يؤدي أكثر من وظيفة.
فهو: يكشف الشخصية ويحرك الحدث. ويكشف المستوى الاجتماعي ويمنح القصة إيقاعها.
والحوار عنده غالبًا قصير وسريع، وهو ما يناسب عالم التوك توك والشارع.
البناء الدرامي :
لا تعتمد المجموعة على شكل واحد. هناك قصص تقوم على المفارقة. وأخرى على الموقف.
وأخرى على الحكاية. وأخرى تنتهي بقفلة صادمة أو ساخرة. وأخرى تترك أثرها من خلال المفارقة الاجتماعية.
وهذا التنوع جيد؛ لأنه يمنع المجموعة من أن تتحول إلى قصة طويلة مقسمة إلى فصول.
لكن وحدة المجموعة لا تأتي من تشابه الحبكات، وإنما من تشابه الروح. روح السخرية.
وهذا هو ما يجعل المجموعة تبدو كتابًا واحدًا رغم اختلاف قصصها.
«حقيبة مدرسية»
الأمومة في أبهى صورها تظهر في «حقيبة مدرسية» صورة الأم التي تجهز أبناءها للذهاب إلى المدرسة، وتخفي دمعتها وتودعهم بالدعاء.
وهنا يبتعد الكاتب عن السخرية المباشرة، ويذهب إلى منطقة أكثر هدوءًا.
المدرسة تصبح حلمًا. والحقيبة تصبح رمزًا. والطريق يصبح رحلة. والأم تصبح الحارس الأول لهذا الحلم.
وفي هذه القصة يظهر جانب آخر من الكاتب: ليس الكاتب الساخر فقط، وإنما الكاتب الذي يعرف متى يخفض صوته.
«عكس الاتجاه»
القفلة التي تلخص روح المجموعة اختيار «عكس الاتجاه» خاتمة للمجموعة اختيار ذكي من الناحية الدلالية.
فالقصص كلها تقريبًا تتحرك في إتجاه واحد وهو الفقر./ البيروقراطية./ العادات. /الفساد الاجتماعي.
ثم تأتي قصة «عكس الاتجاه» في النهاية وكأنها عنوان للحركة كلها. لكن اللافت أن النهاية لا تقدم انتصارًا بطوليًا.
إنها نهاية قاسية ومفارقة، حيث يتحول الطريق إلى مساحة للموت والذكرى. وهنا يصبح «عكس الاتجاه» أكثر من عنوان قصة؛ يصبح سؤالًا: ماذا يحدث عندما يسير المجتمع كله في الاتجاه الخطأ؟
الطبيب داخل الكاتب:
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأهم في تجربة أيمن الداكر.
الدكتور أيمن ليس مجرد كاتب مارس الطب، ولا مجرد طبيب كتب قصصًا.هناك شيء من طريقة الطبيب في طريقة القاص.
الطبيب يرى المرض. ثم يبحث عن السبب
والقاص يرى السلوك. ثم يبحث عن الإنسان الذي خلفه. و ثم يصبح الكاتب بالفعل أشبه بطبيب اجتماعي، لا يعالج بالدواء، وإنما بكشف السلبيات محاربتها .
نقاط القوة:
أبرز ما أراه من نقاط قوة المجموعة:
أولًا: اختيار عالم قصصي قريب من الناس، دون افتعال.
ثانيًا: تحويل التوك توك إلى عنصر فني متكرر له وظيفة تتجاوز وظيفته الأساسية وهي وسيلة نقل .
ثالثًا: القدرة على صناعة المفارقة.
رابعًا: الجمع بين الفصحى في السرد والعامية في الحوار بصورة تخدم الشخصيات.
خامسًا: وضوح الحس الاجتماعي الساخر .
سادسًا: القدرة على رؤية المهمشين ومنحهم مساحة في الأدب.
سابعًا: تنوع عناوين القصص وموضوعاتها.
ثامنًا: وجود حس بصري واضح في وصف المكان والحركة.
تاسعًا: النهاية القصصية التي تعتمد أحيانًا على المفاجأة أو المفارقة.
عاشرًا: أن المجموعة لا تتعامل مع الواقع باعتباره مادة للتوثيق، وإنما تعيد تشكيله فنيًا.
الخاتمة:
«أنف كبير وثلاث عجلات» ليست مجموعة تبحث عن الجمال في الأماكن الجميلة؛ وإنما تبحث عنه في الأماكن التي اعتدنا ألا نراه فيها. وهذه هي ميزتها الأولى. أيمن الداكر ينزل بالكاميرا الأدبية من برجها العاجي إلى الشارع.
يجلس بجوار سائق التوك توك يدخل السوق. ويقف أمام البنك. ويستمع إلى الناس.
ثم يعود ليكتب. ولذلك فإن أكثر ما يميز المجموعة ليس كثرة الأحداث، ولا غرابة الشخصيات، وإنما عين الكاتب.
العين التي ترى ما لا نراه. والطبيب الذي يعرف أن الجرح الحقيقي هو مشاكل المجتمع المزمنة .
والقاص الذي يعرف أن المجتمع، مثل الجسد، قد يبدو سليمًا من الخارج، بينما يخفي داخله مرضًا يحتاج إلى من يكتشفه.
إن الدكتور أيمن الداكر لم يكتب «أنف كبير وثلاث عجلات» ليحكي لنا عن التوك توك، وإنما استخدم التوك توك لكي يحكي لنا عن الإنسان.
وهذه، في رأيي، هي الجملة التي يمكن أن تختصر المجموعة كلها:
««أنف كبير وثلاث عجلات» كتاب كتب ليفضح لنا مشاكل مجتمعنا بعين طبيب بدرجة أديب .»
