مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة نقدية في قصة "امرأة الظل" للقاصة جلاء الطيري... بقلم حسن غريب أحمد

2026-08-05 10:19 PM  - 
قراءة نقدية في قصة "امرأة الظل" للقاصة جلاء الطيري... بقلم حسن غريب أحمد
الكاتب والناقد حسن غريب أحمد - العريش
إعلان بنك saib

بلاغة الغياب ولعبة الأسئلة المؤجلة

قراءة نقدية في قصة "امرأة الظل" للقاصة جلاء الطيري

تؤسس جلاء الطيري في قصتها القصيرة جدًا "امرأة الظل" عالماً سردياً يتجاوز الحكاية المباشرة إلى مساءلة الذات الأنثوية في مواجهة العزلة والرغبة والرقابة الاجتماعية. فالنص لا يحكي قصة علاقة افتراضية بين رجل متزوج وامرأة أربعينية فحسب، بل يطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن للإنسان أن يجد اعترافاً عاطفياً خارج منظومة المجتمع دون أن يدفع ثمن ذلك من كرامته وطمأنينته؟

منذ الجملة الأولى: "كلما داهمني الحنين إليه أذهب إلى صفحته"، يدخل النص فضاء العالم الرقمي بوصفه بديلاً عن اللقاء الواقعي. فالصفحة الإلكترونية تتحول إلى مساحة للحضور والغياب معًا؛ حضور الصورة، وغياب الجسد، وحضور الرغبة، وغياب العلاقة الحقيقية.

المفارقة بوصفها محركًا للسرد

يعتمد النص على مفارقة دقيقة؛ فالرجل يحاول اختزال المرأة في جسدها، بينما تصر هي على إعادة كل سؤال جسدي إلى سؤال وجودي. وحين يسأل عن نهديها، لا تجيب بمقاس أو وصف، وإنما تقول:

"صدري يضيق عندما أشم رائحة خبز محترق..."

لتتحول الدلالة من الإثارة إلى الحرمان، ومن الجسد إلى الأمومة المؤجلة.

 وهنا تبلغ القاصة ذروة نجاحها في قلب المعنى، إذ تجعل اللغة تقاوم الابتذال وتنتصر للبعد الإنساني.

ويتكرر الأمر مع الحديث عن الساقين؛ فبينما ينظر الرجل إليهما بعين الشهوة، تنظر إليهما البطلة باعتبارهما وسيلة للوصول إلى العمل، ولخوض معركة الحياة اليومية.

وهكذا يتجاور الجسد الوظيفي مع الجسد المرغوب، فتنتج القاصة ثنائية دلالية ثرية.

المونولوج الداخلي وبناء الشخصية

يكاد النص بأكمله يقوم على المونولوج الداخلي، وهو اختيار يتلاءم مع طبيعة البطلة التي تعيش داخل أسئلتها أكثر مما تعيش في الواقع. ومن خلال هذا التدفق الوجداني تتشكل شخصية امرأة أنهكتها الخيبات، حتى أصبحت تصف نفسها بسلسلة من التعريفات المؤلمة:

"أنا امرأة الظل... امرأة الفراغ... امرأة الخيبات... امرأة اللا شيء."

هذا التكرار ليس حشواً، بل تقنية إيقاعية تكشف عن تآكل الهوية، ومحاولة إعادة تعريف الذات بعد كل خسارة.

رمزية الأبيض والأسود

يحضر اللونان الأبيض والأسود بوصفهما علامتين رمزيتين متقابلتين؛ فالفستان الأبيض يرمز إلى الحلم المستحيل، بينما الأسود الذي ترتديه البطلة بعد فقدان أحبائها يتحول إلى قدر اجتماعي، يجعل الآخرين ينظرون إليها بعين الشبهة لا بعين التعاطف.

كما أن الشرشف الأبيض، وفستان الزفاف الأبيض، والنافذة المغلقة، تشكل جميعها حقلاً رمزياً يوحي بأن النقاء نفسه أصبح محاصراً بالخوف.

الفضاء الرقمي بوصفه بطلاً خفياً

نجحت القاصة في جعل وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من البنية السردية، لا مجرد خلفية للأحداث. فالصفحات، وكلمات المرور، والأسماء المستعارة، وإغلاق الحساب، كلها تتحول إلى أدوات درامية تكشف هشاشة العلاقات الافتراضية.

ولعل النهاية التي يغلق فيها الرجل صفحته إلى الأبد لا تمثل نهاية علاقة، بقدر ما تمثل انهيار وهم كانت البطلة تؤجل به وحدتها.

اللغة بين الشعرية والإسهاب

تمتلك جلاء الطيري لغة شعرية واضحة، تعتمد على الصورة والاستعارة والإيقاع الداخلي، وهو ما يمنح النص حرارة وجدانية عالية.

غير أن هذه الشعرية نفسها تدفع النص أحيانًا إلى شيء من الإطالة، خاصة في المقطع الذي تتوالى فيه أوصاف البطلة لنفسها. فلو خضع هذا الجزء لمزيد من التكثيف لاكتسب النص قوة أكبر، لأن القصة القصيرة جدًا تقوم أساسًا على الاقتصاد اللغوي.

كما أن بعض الجمل تحتاج إلى مزيد من الضبط اللغوي وعلامات الترقيم، وهو ما يزيد من انسياب القراءة دون أن يمس القيمة الفنية.

النهاية المفتوحة

تنتهي القصة بجملة بسيطة:

"أرسل لي وجهًا حزينًا ورحل... أغلق صفحته للأبد."

وهي نهاية لا تعتمد على المفاجأة، بل على الانطفاء.

 وهذا الاختيار يتناغم مع طبيعة النص كله؛ إذ لا ينتصر أحد، ولا يخسر أحد بصورة كاملة، وإنما يبقى الفراغ هو الشخصية الوحيدة التي تواصل حضورها.

وفي خلاصة قراءتي أقول:

قدمت جلاء الطيري نصًا يشتبك مع أسئلة المرأة العربية المعاصرة، ويكشف عن التوتر القائم بين الحاجة إلى الحب والخوف من المجتمع، وبين الجسد بوصفه موضوعًا للرغبة والجسد بوصفه وعاءً للذاكرة والألم.

ورغم بعض المواضع التي تميل إلى الاسترسال، فإن "أسئلة سريرية" تنجح في تقديم خطاب سردي إنساني، يعتمد على المفارقة النفسية، والرمزية، والمونولوج الداخلي، ليجعل من العلاقة الافتراضية مرآة لعزلة الإنسان الحديثة، حيث يصبح إغلاق صفحة إلكترونية مرادفًا لإغلاق نافذة كانت تطل على حلم صغير لم يكتمل.

مساحة إعلانية