مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة نقدية : حدوتة الطيب أديب .. رائحة الطين فى الصعيد .. بقلم نبيل بقطر

2026-02-24 05:55 PM  - 
قراءة نقدية : حدوتة الطيب أديب .. رائحة الطين فى الصعيد .. بقلم  نبيل بقطر
الكاتب الروائى الطيب أديب
منبر

المبدع الحقيقي هو الذي يستطيع أن يعبر وبصدق عن البيئة التي يعيش فيها وما يحيط به وبها من مشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية،  لما للمبدع من رؤى تختلف عن الآخرين, لأنه يرصد وبدقة ما يحدث حوله من متغيرات في شتى المجالات، وبخاصة عندما يكون هذا المبدع صاحب ثقافة عالية و متنوعة ويملك ناصية الكتابة, ليرسم بقلمه صورة حقيقة للواقع المعاش، وهذا ما ينطبق تماما علي الطيب أديب في أول تجاربه الروائية ( رائحة الطين ) وان كانت ليست أول كتاباته فابن نقادة (عضو اتحاد كتاب مصر) له العديد من المؤلفات منها ( رحيل السنط ) وهي مجموعة قصصية صدرت عام 2003 عن مركز الحضارة العربية وتسعة كتب قصصية للأطفال عن شركة روان للنشر عام2004 م  ودراسة بعنوان كيف نربي أطفالنا 2007 ثم مجموعة مقالات منشورة بعنوان ( نحن والغرب وإسرائيل 2008 ) وهو من مواليد 1963 وحصل علي ليسانس آداب جامعة عين شمس قسم جغرافيا عام 1987 ونشرت إبداعاته ومقالاته في العديد من الصحف والمجلات المصرية و العربية,

وكعادة الطيب أديب ابن كوم الضبع بنقادة يتألق في "رائحة الطين, التي تدور أحداثها في الفترة ما بين نهاية الستينيات وحتي أيامنا هذه, وقد استهل روايته بالبحث عن الجذور حيث تدور الأحداث في قرية كوم الضبع بنقادة وبعض القرى المجاورة وتمكن من الغوص في أعماق الشخصيات وكيفية نزوح الجد الأكبر من شبه الجزيرة العربية بعد الفتح العربي لمصر، ولماذا سمي بالضبع واختلاف الرواة في سبب هذه التسمية،  ثم كلمات الجد الأخيرة التي أوصي بها إخوته وأولاده وحريمه وخدمه والتي أنهاها ( بأن الشيطان ما يزال يكيد للإنسان والإنسان عدو لنفسه ) ويأخذك الراوي لشمس بئونة الملتهبة والساحة الكبيرة وشجرة الجميز والنخيل  وحضن الأم والدفء الأسري وبيت الجد المبني بالطوب اللبن والكانون و وابور الجاز وسبت المانجو ونشرات الأخبار في الراديو

وأهل نقادة الذين يعتمدون علي الفركة والأنوال والسجاد ألنقادي والرفاص والتنقل من شرق النيل لغربه، والعودة،  وانتظار السواح القادمين من الأقصر لمشاهدة مقابر ومعابد الفراعنة ثم البر الغربي والقرنة وتمثالا ممنيون عند المدخل، وعيال القرية يحملون ألواحهم الصفيح وشنطهم القماش يقطعون ثلاثة كيلو مترات ذهابا وعودة لكتاب الشيخ قناوي ورجال القرية وتفضيلهم لأعمال الحقل والتجارة وانوال الفركة داخل بيوت القرية ورفضهم الوظائف الحكومية التي صدر أمر بها من الزعيم جمال عبد الناصر للعائدين من حرب اليمن، وحكايات عربان الجبل ومعاركهم مع رجال الأمن, ومبادرة كبير القرية وعضو مجلس الأمة بتسليم المطلوبين وتسنين الآخرين واستخراج شهادات ميلاد وبطاقات شخصية مقابل توطينهم في المنطقة كما ترغب الحكومة التي تركت لهم مساحات شاسعة من الأرض استصلحوا بعضها واستولوا علي البعض الآخر يبيعونه لسكان القرى الأخرى, ولم ينس الراوي الشتاء في القرية حيث يسحب الفلاحون أبقارهم ويربطونها في محاريثهم لحرث الأرض ورش البذور وركوب الصغار ( الدحديحة ) والسواقي ترفع المياه عبر القواديس الفخارية التي تملأ الجداول لتروي الحقول فيتغنى الفلاحون فرحا, ثم يأتي وقت الحصاد فيهلل الحصادون بمعاولهم الحادة يجزون أعواد القمح، وتتجمع الفتيات يحملن مقاطفهن يجمعن الفاقد من سنابل القمح في الغيطان ويذهبن لبيوتهن يفركنه ثم يستبدلونه من صاحب الدكان بالشاي والسكر واللبان، إلي أن تأتي (النورج ) لتدوس القمح وتهب الريح فيتم تزريته بالمزراه ليفصل التبن عن بذور القمح وتكتمل الصورة بامتلاء صوامع القمح بالحبوب وتمتلئ الشون بالتبن .

ويأتي بعد ذلك جني القطن فيشارك الجميع في جنيه, و ترتفع الزغاريد في القرية ويطوف المزمار في شوارعها يزف البنات للشباب. ويغوص الراوي في تاريخ حضارة نقاده التي تعتبر أقدم حضارة عرفتها البشرية فاسمها الفرعوني ( نوبت ) وتعني مدينة الذهب واسمها القبطي ( نيكاتي ) وتعني مدينة الفهم والذكاء، وبها المقابر الفرعونية والمآذن التي تعانق أبراج الكنائس القديمة والمقابر الرومانية وبقايا معبد ( امبوس ) عاصمة ( نوبت ) في عصر ما قبل التاريخ وحتي الأسرة الأولى. كل هذا داخل السياق الروائي دون خلل أو ملل, بل بأسلوب شيق ورصين وجمل بسيطة وعبارات وألفاظ موحية بما يريد البوح به، ولا يكاد القارئ يلتقط أنفاسه حتى يدخلك الكاتب في أحداث ومتغيرات جديدة، فمرة يسحبك بجواره لتجلس بجوار فرن الخبيز البلدي لترى النسوة وهن يلقين بالوقيد - وهو بقايا النباتات والأشجار الجافة - داخل الفرن لتشتعل النيران ولا تتركه حتي يخرج الخبز طازجا في (برش الخوص), فتجري معه لبلاص العسل الأسود وبرطمان الطحينية تتناول وجبة شهية، ومرة يأخذك لحضن الجدة لتستمع لحكايات أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة والأمير والأميرة, وسرعان ما يجرجرك معه لموكب عيد الأضحى والذبائح والنذور والربابة والطبل البلدي والسعدية والجمال المزينة والخيالة والمزمار وحلبة التحطيب، 

و يأخذك الراوي معه لتتعرف علي ما يتبع من عادات لمن لم تنجب حيث تذهب إلي جبانة الشيخ حسن لتتخطي القبور ثم الذهاب لبير العين بدير مار جرجس والاغتسال من ماء البير, ويأخذك لمولد سيدي عبد الرحيم القناوي حيث ميدان الجبلاوي بقنا وساحة المسجد الفسيحة وحلقات الشيخ سيد الضوي يروي والسيرة الهلالية، وتسابق القبائل والعائلات في ذبح العجول وانتهاء المولد باحتشاد الجموع يتقدمهم المحافظ وكبار المسئولين لسماع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد,  ثم يجوب الموكب شوارع قنا ليعود الجميع محملين بأكياس الحمص والفول السوداني والهريسة وألعاب الربابة والطرابيش الملونة. وإذا كان لرؤية هلال شهر رمضان مذاق خاص وترتيبات خاصة داخل القرية منها فتح المنادر للغرباء وصياح الصغار (افطر ياصايم .... والكحك عايم), فإن خبر عبور قواتنا المسلحة قناة السويس وتحطيم خط بارليف الحصين والنصر الكبير علي إسرائيل كان له وقع خاص في التعبير عن الفرحة بالنصر الكبير داخل القرية حيث ارتفاع الأعلام الخضراء ودوي طلقات الرصاص وانطلاق الزغاريد وفرق السعدية والطبل والمزمار والخيول العربية ومواكب الجمال التي تجوب القرى وتلتحم بمواكب النصر بالقرى الأخرى,

ورغم كل هذا الزخم من العادات والتقاليد في حياة القرية لم تزل عين المبدع مفتوحة عن آخرها، ولم يزل ذهنه متيقظا، وقلمه راصدا لما يطرأ من متغيرات كان أولها هجرة بعض أهل القرية للعمل بالوظائف الحكومية في القاهرة وأسوان ونجع حمادي، ثم الهجرة لدول الخليج بعد رهن الأرض وبيع المصوغات للحصول علي عدم ممانعة, والبحث عن كفيل، ودخول أول تليفزيون يعمل بالبطارية للقرية، ثم دخول أول محول كهرباء، وعودة العاملين بالخارج لتعمير القرية وهجرة البيوت الفسيحة وبناء بيوت بالمسلح بدلا منها علي أطراف القرية، واختراق زمامها الأخضر, واختفاء حقول القطن،وهجرة أنوال الفركة,  بعدأن كانوا يصدرون الملاءات إلي السودان ونيروبي وأديس ابابا، وتصدع صوامع الغلال واختفاء السواقي وغناء الفلاحين، واختفاء المساحات الشاسعة حيث ضاقت القرية وضاقت شوارعها وانتهاء دور القرية المنتجة التي كانت تزرع وتحصد وتخزن وتبيع وتشتري مكتفية ذاتيا من كل شئ، كذلك اختفاء بعض العادات الايجابية مثل التبرع بالأرض لبناء مدارس، ودور المعلم في متابعة تلاميذه ومراقبتهم خارج المدرسة, ثم تغيير بعض المفاهيم ومنها تعليم الفتيات ودخولهن الجامعة على غير عادات أهل القرية الصعيدية حفاظا علي هيبة العائلة,  وان كانت عادات دفن الموتى وفتح المنادر والجنازات كما هي, وكذلك الأفراح وتدخل العائلات في اختيار المرشحين في المواسم الانتخابية.

ومع تلاحق أحداث الرواية علي المستوى السياسي من معاهدة كامب ديفيد ووقعها علي أهل القرية الذين اختلفوا ما بين مؤيد ومعارض ومرورا بمقتل الزعيم السادات أثناء العرض العسكري في السادس من أكتوبر عام 1981 وحتى غزو صدام حسين للكويت, كانت هناك أحداث أخرى متلاحقة داخل القرية أيضا, أهمها وأحدثها هو وقوف شباب القرية يدا واحدة وتضافر جهودهم للنهوض بها ثقافيا واجتماعيا وصحيا ورياضيا وبيئيا, بتأسيس جمعية أهلية لتنمية القرية, ثم دورهم في إنشاء مركز شباب وإقامة مهرجانات مسرحية وإنشاء مكتبة بعد مشروع الألف كتاب، ثم دخول الصرف الصحي ومكتب البريد, ومع دخول الدش ووسائل التكنولوجيا إلي القرية كان للجمعية دور مهم في وضع حد لتفاقم ظاهرة ا لمغالاة في إجراءات الزواج وتوعية أهالي القرية بضرورة التخلي عن البذخ والتحلي بالبساطة والتواضع في تأسيس عش الزوجية بعمل قائمة باسم "أبو تريكة " نجم مصر والنادي الأهلي, و ترمز للبساطة وأخرى" لدروجبا " نجم كوت ديفوار, ترمز للبذخ والمغالاة, وتنتهي الرواية برواج الفكرة وتنفيذها وثناء الصحف ووسائل الإعلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مساحة إعلانية