مساحة إعلانية
شيء من فانتازيا العبث
أستسلم لغرقي كسمكة تهوي في قاع حوض زجاجي ...هو صمت بارد ..بعد صخب القلق .. هو اللاشيء ..تماما ً إنه هذا السكون فقط وميض الفكرة يشاغب في اقتحام ساحة الذهول .. كما اليقظة .. التفاصيل حاضرة بقوة ..جدران ..ونافذة ،ثمة حركة لستارة لها شكل انسيابي جميل يراقصها الهواء بحنو وخفة ..يمتد بين ثناياها فتبدو خطوطها كما لوكانت سوق زنابق مشيقة بأعلاها ويزداد الهواء جرأة في مداعبة الساتان والأورغانزا لتتكور بانحناءات كروية عجيبة فتبدو كثوب أبيض لامرأة حامل .تتسلل أشعة الشمس حاملة معها نثيرات غبار تدور في جنون كما لو كانت خطوط الأشعة ساحة رقصها ...أغمض عيني بكسل مرفرفة برموشي أداعب الظل والنور عبر أحداقي علني أصطاد بنظري تلك خطوط أشعة الشمس المنسلة بين الغيوم أجذبها إلي ...أحتاج دفئا من نور يغمرني ...صوت موسيقى ...مقطوعة لبيتهوفين ضوء القمر يعزفها ابني ....تتداخل الألوان وتختلط الأزمنة ...ما بين شمس النهار..وضوء القمر ......ثمة نور في مصباح عمود الكهرباء ...تتغير الإنارة ...لون الستارة ...تتداخل الأصوات ...تتسارع ضربات الأصابع على البيانو ...ويزداد تساقط المطر ...ارتطام حبيباته على فانوس الشارع وانفجار بعضها على سطحه المعدني كشرارات من الرذاذ ....
ثم ... لا شيء ...تنسحب كل هذه التفاصيل ..تغيب تماماً ....
لا زلت هناك ...لكنني لم أعد تلك التي كانت هناك ....أنهض من حوضي الزجاجي ...أرفع رأسي قليلاً...أعود للغوص ...أدرك أنني
تلك السمكة سمكة غلاصمها لاتساعدها على التنفس ...لغتها مجرد فقاعات صامتة في زمن سلب منه الصوت ...
ذات ليلة ..ضقت فيها من كل شيء
نضال سواس
8 نوفمبر 2024م
قراءة انطباعية في نص: «شيءٌ من فانتازيا العبث» للكاتبة أ. نضال سواس
بقلم الشاعرة فيروز مخول
ثمة نصوص لا تُقرأ بقدر ما تُستَنشَق، نصوص لا تُحَلَّل بقدر ما تُعاش كحالة وعيٍ متكسّر على سطح الشعور. هذا النص ينتمي بوضوح إلى فانتازيا العبث الوجودي، حيث لا يُقدَّم الواقع بوصفه معطى ثابتًا، بل كطبقات حسّية ونفسية متداخلة، تتناوب فيها اليقظة والغياب، الحضور والتلاشي، حتى يصبح الكائن نفسه موضع مساءلة.
يكتب هذا النص ذاته بوصفه تجربة انزلاق بطيء من الواقع إلى تخوم العبث، حيث لا يعود العالم إطارا ثابتا للإدراك، بل يتحول إلى فضاء هشّ، قابل للتبدد في أية لحظة. العنوان نفسه، «شيءٌ من فانتازيا العبث»، لا يعلن انتماءً كاملاً إلى العبث، بل يلمّح إلى اقتراب منه، إلى مسافة بين الذات وانهيارها الكامل، مسافة تتيح للوعي أن يراقب غرقه وهو يحدث.
الغرق كاستعارة للانسحاب من المعنى
يفتتح النص بصيغة استسلام لا تخلو من وعي حاد:
«أستسلم لغرقي كسمكة تهوي في قاع حوض زجاجي ... هو صمت بارد .. بعد صخب القلق»
الغرق هنا ليس حدثًا فجائيا، بل فعل استسلام واعٍ. اللافت أن الغرق يأتي «بعد صخب القلق»، وكأن القلق، رغم وطأته، كان دليل حياة، بينما الصمت الذي يليه هو بداية الانفصال الحقيقي. إن الانتقال من الضجيج إلى الصمت ليس راحة، بل فراغا وجوديا، حيث لا يبقى سوى إدراك بارد للعدم.
تضخم الحسّ بوصفه مقاومة للتلاشي
في مواجهة هذا الفراغ، يتشبث الوعي بالتفاصيل الدقيقة:
«حركة لستارة لها شكل انسيابي جميل يراقصها الهواء بحنو وخفة»
الستارة، في هذا السياق، ليست عنصرا جامدا، بل كيانا نابضا بالحياة، يتشكل ويتكور «كثوب أبيض لامرأة حامل». هذه الصورة تحديدا تستحضر رمز الاحتمال والامتلاء، لكنها تظهر في وعيٍ يعيش نقيضها: الفراغ. هكذا يصبح العالم الخارجي أكثر حياة كلما اقترب الداخل من التلاشي.
الضوء كاحتمال خلاص مؤجل
يتحول الضوء إلى موضوع رغبة صريحة:
«أحتاج دفئًا من نور يغمرني»
هذه الجملة تكشف هشاشة الذات، فهي لا تملك الضوء، بل تحتاجه. إنه ليس حالة قائمة، بل إمكانية منشودة. الضوء هنا ليس عنصرا بصريا فقط، بل رمز لمعنى مفقود، لطمأنينة لم تعد متاحة إلا بوصفها رغبة.
اختلاط الأزمنة وتفكك الواقع
يصل النص إلى لحظة
ذروة حسية حين تتداخل الأزمنة:
«ما بين شمس النهار.. وضوء القمر»
هذا التداخل يلغي التسلسل الطبيعي للزمن، ويضع الذات في حالة بينية، لا تنتمي إلى لحظة محددة. إنّه وعي لم يعد قادرًا على تثبيت نفسه داخل زمن واضح، فيتحول الإدراك إلى فسيفساء من اللحظات المتراكبة.
وتتعمق هذه الحالة مع تصاعد الإيقاع:
«تتسارع ضربات الأصابع على البيانو ... ويزداد تساقط المطر»
التسارع هنا ليس موسيقيا فقط، بل وجودي. كل شيء يتكثف، كما لو أن العالم يبلغ ذروته قبل أن ينطفئ.
لحظة الانسحاب: حين يتلاشى العالم
ثم يأتي التحول الحاسم:
«ثم ... لا شيء ... تنسحب كل هذه التفاصيل .. تغيب تمامًا ....»
اللاشيء هنا ليس غيابا مفاجئا، بل نتيجة حتمية لمسار التلاشي. العالم لا ينهار، بل ينسحب بهدوء، تاركًا الذات في مواجهة حقيقتها المجردة.
الاعتراف النهائي: الكائن الذي لا يستطيع التنفس
تبلغ الرمزية ذروتها في الصورة الأخيرة:
«أدرك أنني تلك السمكة سمكة غلاصمها لا تساعدها على التنفس ... لغتها مجرد فقاعات صامتة»
هذه ليست مجرد استعارة، بل كشف وجودي. الكائن موجود، لكنه عاجز عن أداء فعل الحياة الأساسي: التنفس. حتى اللغة، آخر ملاذ للتعبير، تتحول إلى «فقاعات صامتة»، بلا أثر، بلا صدى.
خاتمة: العبث بوصفه وعيا لا نهاية
نص «شيءٌ من فانتازيا العبث» ليس تأملا في العبث بقدر ما هو معايشة له. إنه يرصد لحظة اكتشاف الذات لهشاشتها، حين تدرك أنها، رغم وجودها داخل عالم نابض بالحياة، تعيش انفصالا داخليا عميقا.
إنه نص عن الكائن الذي لا يموت، لكنه لم يعد يحيا كما كان؛ عن الوعي الذي يظل حاضرا، حتى وهو يشهد تلاشي المعنى من داخله. هنا، لا يكون العبث حدثا، بل حالة إدراك — إدراك أن الغرق قد لا يكون نهاية، بل شكلا آخر من أشكال البقاء.