مساحة إعلانية
كعادة الفنون القولية التي تميل إلى التورية والإخفاء، أخذنا الشاعر من عنوان الديوان إلى فضاء الخيالات: ماذا يقصد بالجبل والنيل؟ وهل اختار الرمزين للدلالة على البيئة المحلية التي يعيش فيها ابن أسوان، في أسوان، محاطًا بالجبال والنيل؟ وهل يقصد آهات أهل أسوان أم يقصد آهات مصر كلها التي يُعدّ النيل شريان حياتها؟ ناهيك عن دلالة الجبل التي تشير إلى الصلابة والتحمّل، أم أسقط الشاعر بالعنوان على ظروف صعبة تعيشها الأمة المصرية حتى تأوّه منها القوي والضعيف؟
كلها دلالات تأخذنا ويأخذنا إليها هذا العنوان، ويظل المبنى ويظل المعنى في بطن الشاعر.
قسّم الشاعر ديوانه لأغراض ثلاث: المدح، والغزل، وشكوى الزمن والناس، وهي أغراض قديمة اعتادها الناس وألفوها، لكن الغريب أن يلجأ الشاعر، الذي أخذنا إلى فضاء الخيالات في عنوان ديوانه، إلى المباشرة والتصريح في الإعلان عنها، فلم يلجأ مثلًا إلى تقسيمها بالألوان: كالأخضر للغزل، والأبيض للعتاب، والأسود للثورة، والأحمر للغضب، والأزرق للهجاء مثلًا.
من ناحية الشكل، اختار الشاعر أن يكون الديوان من فن الواو فقط، رغم معرفة الشاعر بباقي الفنون القولية أو الألوان الأخرى كما ذكر في مقدمته، ليكون الديوان على نسيج واحد، وهو أمر يُشكر عليه الشاعر؛ فالواو أحد أهم وأصعب الفنون القولية، الذي يعتمد على الفكرة والموسيقى كما يعتمد على الدهشة التي يصنعها لدى المستمع، ليكون هذا الشكل هو الأصعب في الفنون القولية.
والواو في مجمله، كما عرّفه المصري القديم، عملية صيد تعتمد على أربع حركات كحركات الصيد: عتب، وتثبيت، وشد، وصيد. يضع في الشطر الأولى قدمه على الأرض، ثم يثبتها في الشطر الثانية، ويشد في الثالثة، ليخرج لنا الصيد في الشطرة الرابعة التي تكون مصحوبة بالدهشة لدى المستمع. يصيد الشاعر أيضًا هو باعث الأسئلة في نفوس مستمعيه: هل بدأ مع ابن عروس أم بدأ قبل قبله؟ كيف وصل إلينا رغم أنه لم يُدوَّن إلا حديثًا؟ وبمنطق قبل البحث، وللتطبيق قبل البحث، نؤكد أنه لم يُدوَّن إلا حديثًا، وللتطبيق قبل البحث نؤكد أن الواو قبل ابن عروس بكثير، فلم يثبت في تاريخ ابن عروس أنه أتى بالجديد وحارب ليصنع الناس به أو ليقنع الناس به، بل ثبت أن الناس احتفظت به وحفظت شعره. أما الذي يجتهد قليلًا في بحثه فسيجد مفارقات عجيبة: أن الواو أو التربيع عامة أصل فارسي، قدم إلى مصر مع الفتح الإسلامي في عدة صور، وكان فصيحًا، استقبله المصري وحوّله إلى لغته العامية، بل وصبغه بلون كل منطقة عليه، فتجد الموال، والواو، والنميم، والكان كان، والدوبيت، كلها تعبر عن طبيعة المناطق التي تستخدمه.
ننتقل إلى الباب الأول وهو المدح، كعادة الفنون القولية، يستهل حديثه بمدح المصطفى ﷺ، وقد اعتمد الشاعر في المدح على الصفات الكريمة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفِ بالمدح فقط، بل تطرق إلى العبادات والأخلاق؛ فتحدث عن الصوم، والعيد، والبر، والإحسان، والعطف، وكلها أمور محمودة، لكنها قد توضع في باب يختلف عن المديح.
الباب الثاني: الغزل.
أعتقد أن مربع الافتتاح في هذا الباب هو خير مفتتح للغزل:
في العشق داير معِمّي
من يوم ما طلت تزورنا
عيل وتايه مع امي…
دايرين في نذورنا
ناعمة عيونك كسكين
في قلوبنا تجرح جرايح
وتعبني كثر المسكّين
النوم أروح له جرايح
ورغم كل هذا الجمال في هذا الباب، فقد أجد الشاعر، وذلك لطبيعته المحافظة، يظل الغزل عفيفًا لا يخدش حياء القارئ.
الباب الأخير: شكوى الزمن والناس.
في هذا الباب نجد أن الشاعر وضع القسم الأكبر من المربعات، والذي يُعد بحق ديوانًا كاملًا لوحده. الشاعر هنا اعتمد على أن تكون الذاتية أو التحدث عن الذات بداية لهذا الباب، وهو أمر معروف في هذا الفن القديم. فقدّم لنا الشكوى من الزمن والناس، وقدّم لنا نصائح أخلاقية أيضًا في المعاملات مع الناس، والبعد عن الحسد، وأهمية السعي لجلب الرزق، والكثير من هذه النصائح التي يقدمها من عرق الحياة، ويعطي ثمرتها للغير. تحدث عن العلم، وعن الغربة، وعن العمر المُهدر، وعن أهمية من يقول هادفًا إلى الخير، وعن أهمية الفخر بالنفس لا بالقبلية والعصبية
وعن مصر يقول الشاعر على استحياء تام
و يا سمرة مين فشّلوكي
يا كبش بين الديابة
لو عرفوا قيمتك شالوكي
ولا حد رحمك هبابة
هنا هذا المربع كان لا بد أن يكون له تكملة، أو يكون فكرة الديوان، وأن يزيدنا الشاعر منه قليلًا ليتناسب مع حالة الدهشة التي وصفها ووصلنا بها مع العنوان، لكن الشاعر أكل الطريق في إعطاء النصح والإرشاد حتى وصل، أو قل رجع ثانية يقول:
جايلك ومهرك معايزين
لعينيك يرخص ياقوتي
أعمارنا لجلك ماعايزين
وأولادي ترخص وقوتي
حافي ما لاقي الخلايق
واكسيكي من حر مالي
في الكوشة جنبك ولايق
و الندل خدتيه بدالي
هنا نعرف أن الشاعر يريد أن يبوح بآهات الجبل والنيل، لكن على استحياء أيضًا. ثم تطرق في نهاية الباب إلى الناس، وإلى القدس، بيت المقدس، باعتبارها أيضًا من آهات الجبل والنيل، ويعلن بصراحة متناهية أنها قضيتنا الأولى والأخيرة.
النظرة العامة للديوان:
هو العمل الأول للشاعر حسني الإتلاتي في الفنون القولية، ورغم جمال الديوان يظل الشاعر أكبر بكثير من العمل قيمةً وقامةً، وهو أمر يُؤخذ على الشاعر، فقد كانت مسؤوليته أن يقرب لنا هذه المسافة. لم أجد مبررًا لحالة الاستحياء التي سرد بها الشاعر آهات الجبل والنيل، فمعرفتنا به جميعًا أنه لا يخشى في الحق لومة لائم، لذلك كان لا بد أن يُفرد مساحة أكبر لهذه الآهات، حتى ولو على حساب الذات أو حتى النصح والإرشاد.
أرى، رغم اجتهاد الشاعر، أن تصبح اللغة قريبة من العصر الحديث، لكنه استخدم أيضًا اللغة القديمة، وذلك يُحسب له في الجمع بين الموروث والحديث. إن مفردات نقد أي عمل أدبي تعتمد على اللغة، والموسيقى، والفكرة، والطرح. اعتمد الشاعر، كما أسلفنا، على لغة سهلة حتى وهو يأخذ من الموروث، لتكون يسيرة الفهم على صغار السن، أمثال الشاعر وأمثالي. الشاعر ملم بموسيقى فن الواو إلماما جيدًا بحكم الدراسة والبيئة المحلية، فجنوب مصر هم أهل هذا الفن وأربابه.
أما الفكرة والطرح، فلم يجد الشاعر صعوبة في صياغة الفكرة، فهو يمتلك أدواته جيدًا، غير أن تحفّظه في الطرح كان غير مبرر نهائيًا؛ فأنت قد طرحت الفكرة في العنوان، فلماذا التحفظ داخل النصوص؟
ختامًا، هذه قراءة سريعة لديوان آهات الجبل والنيل ، قد أكون وُفقت فيها أو وُفقت في بعضها، وخانني التوفيق في البعض الآخر، أو في أكثرها، لكنني حاولت أن أنحني حبًا وتقديرًا، وأن أنحي حبي وتقديري الشديدين لعمي حسني الإتلاتي حتى لا يؤثرا على قراءتي للديوان، فالشاعر عَلَم من أعلام الأدب في جنوب مصر، وكان من الصعب على تلميذ مثلي أن يقدم قراءة نقدية لديوان دون أن يطغى عليها حب الشاعر.

