مساحة إعلانية
رسالة وفاء من بلاط صاحبة الجلالة إلى جيل العمالقة.. ودعوة لجمع شمل رفقاء " التختة الأولى "
بين دفتي كراستي المدرسية الأولى، وفوق تلك المقاعد الخشبية العتيقة في مدرسة النصر بدمياط، ولدت حكايتي مع الحرف. هناك، في الصف الأول الابتدائي، أقبض بأصابعي الغضة على قلمي الصغير، ولم أكن أدري حينها أن هذا القلم سيكون رفيق دربي، وسلاحي في بلاط صاحبة الجلالة كعضو بـ نقابة الصحفيين، وصوتي في خدمة أبناء مدينتي كعضو سابق بـ مجلس محلي مدينة دمياط. إن القمم التي نصل إليها في خريف العمر، ما هي إلا ثمار لبذور غُرست في ربيع الطفولة، وفي مدرسة النصر تحديداً، تعلمت كيف أقف شامخاً بالكلمة، وكيف أسطر بالمداد مواقف لا تنسى
لقد ظل هذا الصرح العريق في وجداني دائماً رمزاً للأمان والسكينة، ولذلك أثارني الهلع واجتاحني قلق بالغ عندما قرأت أخيراً عن تعرض مدرستي الغالية "مدرسة النصر" لحريق. في تلك اللحظات العصيبة، شعرت وكأن النيران لا تلتهم جدراناً صامتة، بل تكاد تحرق أوراق كراستي الأولى، وتطمس ملامح طفولتي وذكريات جيلي المطبوعة على تلك الجدران. ولكنني أحمد الله حمدًا كثيرًا، وأتنفّس الصعداء، لأن الحريق كان بسيطاً ولم يمس جوهر هذا البيت العتيق بسوء. لقد كان هذا الحادث العابر بمثابة إنذار هَزّ قلبي، وأيقظ في داخلي واجباً ملحاً بضرورة الالتفات إلى محرابنا الأول قبل فوات الأوان
في تلك الأروقة المضيئة، لم نكن نتلقى مجرد مناهج صماء، بل كنا نتنفس أجواءً مقدسة من الاحترام المتبادل؛ حيث كان حب الوطن هو البوصلة التي تحركنا، وإجلال الطالب لمعلمه هو العقيدة التربوية التي نشأنا عليها ، هناك أتقنت الكتابة وتذوقت الشعر، وتفتقت موهبتي الأدبية والصحفية تحت رعاية قامات تربوية ملهمة ، كيف أنسى الأستاذ القدير القطب ثالوث، مدير المدرسة العظيم، الذي كان يجسد هيبة الإدارة وحنو الأب؟
لن تنسى ذاكرتي ذلك اليوم المشهود، يوم أن ألغى حصة كاملة بعد الفسحة من أجل تكريمي والإشادة بموضوع تعبير قد كتبته أمام المدرسة بأكملها؛ كانت تلك الحصة الملغاة هي الحجر الأساس الذي بنى ثقتي بنفسي، والشرارة الأولى التي أنارت طريقي نحو عالم الصحافة والفكر والمسؤولية المجتمعية
ولم يكن الأستاذ "ثالوث" وحده في مضمار هذا الاحتضان الأبوي، بل تضافرت أيادٍ بيضاء لأساتذة عظام طوّقوا عنقي وعناق أبناء جيلي بفضلهم طوال مرحلة التعليم. ولن أنسى أبدًا وقوف هؤلاء العمالقة معي واحتضانهم لي: الأستاذ لطفي الصحفي، والأستاذ محمود أمين، والأستاذ إبراهيم النماس، والأستاذ شوقي العصفوري، والأستاذ السيد قنديل وحبيب الكل الاستاذ محمد شتيه وغيرهم من الافاضل مما لا تسعفنى الذاكرة الان لذكرهم
هؤلاء المعلمون الأجلاء زرعوا في وجداننا أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل هو عمل وخدمة ونزاهة. واليوم، وأنا أسترجع ملامحهم المهيبة، يتردد في صدري بيت الشعر الخالد لأمير الشعراء أحمد شوقي : قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا ... كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي ... يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا ؟
لقد كانوا حقاً يبنون أنفساً وعقولاً، ويسكبون من أرواحهم في أرواحنا صيانةً للقيم، في زمنٍ كنا نقف فيه أمام المعلم بهيبة وإجلال، ونستمع إليه بإنصات التلميذ المستزيد من الحكمة
لقد كانوا حقاً يبنون أنفساً وعقولاً، ويسكبون من أرواحهم في أرواحنا صيانةً للقيم ، إن هذه الكلمات ليست مجرد سرد لذكريات عابرة، بل هي مرثية شكر ووفاء لجيل من المعلمين لن يجود الزمان بمثله، جيلٍ كنا نقف أمامه بهيبة وإجلال، ونستمع إليه بإنصات التلميذ المستزيد من الحكمة
وإلى جانب هؤلاء العمالقة، كانت الرحلة أبهى بوجود زملاء الدراسة ورفقاء الطفولة والشباب؛ أولئك الذين قاسموني المقاعد والأحلام، والذين أراهم اليوم بفضل ذلك الغرس الطيب قد أصبحوا قادةً يشار إليهم بالبنان، ويتبوأون أرفع المناصب في شتى ميادين العمل والمسؤولية ، إليهم جميعاً أتوجه بأسمى كلمات الشكر والاعتزاز؛ فقد كنا خير سند لبعضنا البعض، ونبتنا معاً من تربة خصبة واحدة أساسها العلم والتميز
ومن هنا، ومن فوق هذا المنبر الاعلامى - وبعد أن ذكّرنا ذلك الحريق البسيط بقيمة هذا المكان الحية- أوجه دعوة صادقة وملحة إلى كل زملاء الجيل ورفقاء الحرف لكي نلتقي مجدداً في محراب مدرستنا الحبيبة "مدرسة النصر"؛ لنعيد إحياء تلك الأيام الطاهرة، ونرد جزءاً من الجميل لصرحنا العظيم، ونثبت للأجيال الجديدة أن وفاء الأبناء لا ينقطع، وأن رابطة العلم أقوى من عوادي الزمن
إلى أرواح معلمينا الطاهرة التي رفرفت إلى بارئها، أرفع اليوم قلمي تحية إجلال وعرفان ، شكراً لكم يا من أنرتم لنا عتمة الطريق، وشكراً لـ "مدرسة النصر" التي جعلت من كراستي الأولى بياناً يُقرأ، ومن قلمي الصغير صوتاً يُسمع
نمتم في سلام، وعزاؤنا أن غرسكم الطيب في حب الوطن والمسؤولية ما زال يثمر خيراً وحقاً وجمالاً في كل مكان وطأته أقدام أبنائكم وقادتكم
علاء ابو ابراهيم