مساحة إعلانية
ان تعيش مُكبّلاً بالأنين في زمن يتطلب القوة، وأن تقتات على النكد وسط فيض النعم، فتلك هي الهزيمة النفسية الكاملة والعمى الوجداني المبين! من أصعب المشاهد الإنسانية التي قد تطالعك في دروب الحياة، هو أن تلتقي بـ "الإنسان الشكّاء"؛ ذلك الكائن الذي تحولت الشكوى في فمه إلى شهيق وزفير، وأصبح النحيب والضجر ديدنه ومذهبه وعقيدته الصامتة.
تجده دائماً مغموراً بفضل الله، تظله السماء بسترها، وتفترش الأرض له من بركاتها، لكن عينه العمياء لا تقع إلا على النقص, ولا تلتقط أذنه إلا بواقي الألم، يستجرّ العتمة في وضح النهار، حتى ليخيل إليك أنه لو حيزت له الدنيا بحذافيرها، لوجد في أطراف الجنة عيباً يتباكى منه .!
وعندما تتمحص في سيكولوجية هذا النوع من البشر وتغوص خلف أقنعته الزائفة، تفاجأ بالحقيقة المُرّة؛ تجده ينعم بكل مقومات الاستقرار، ولا يعاني من أي ضائقة فعلية تستدعي هذا الصراخ، لكنه مع ذلك، يختار طواعية أن يسير بمنطق شعبي مشوه وعقيدة جبانة مفادها أن "شكوى خير من رقوى"!
إنه المنطق الخائف الذي يظن صاحبه أن التباكي والتمسكن وتزييف المعاناة أمام الخلق هو الحصن الذي يدرأ عنه الحسد أو يجلب له المنافع، متناسياً أن هذا السلوك ليس حذراً، بل هو جحود مبطن، وإهانة لكرامة النفس، واستبدال لعرش الثناء والرضا ببراثن الادعاء والملق
إن غرق هذا الكائن في مستنقع السلبية يجعله يفسر كل موقف عابر يمر به بشكل سوداوي مريض، فيتخيل ويتوهم في مخيلته الضيقة أنه محسود ومستهدف ومحط أنظار الجميع، رغماً عن الحقيقة المرة التي تؤكد أنه قد يكون منسياً تماماً، ولا أحد يراه أو يلتفت لوجوده من الأساس! والمفارقة الصارخة تظهر جلية عندما يتحدث؛
فحين ينطق هذا الشكّاء، تجده يسترسل بنبرة لا تخلوا من الحقد في تِعداد وعدّ النعم التي عند غيره، يفتش في جيب هذا ويحصي ممتلكات ذاك، وعينه معلقة بما في أيدي الناس، صاباً جام غضبه وسخطه على نصيبه، وكأنه يرى فضل الله حكراً على الجميع ومحروماً منه وحده .!
وهنا، تقف الحكمة لتوجه إليك نداءً أدبياً راقياً ومعبراً: ابتعد عن عبيد الشكوى والحسود؛ فمصاحبتهم تسرق عافية الروح، وتورث القلبَ عللاً ونكداً فوق تعب الدنيا وكَبَدها! إنهم كواسر روحية تتغذى على طاقة التفاؤل في صدرك
لذا، دعني أصارحك بحقيقة قاسية أيها القارئ الكريم: إن الاستمرار في الاستماع إلى هؤلاء والاستسلام لثرثرتهم السوداوية سيصيبك حتماً بشتى أنواع الأمراض والعقد النفسية، وسيسلبك ببطء سلامك الداخلي ويقينك بالله. ومن هنا، فإنني أنصحك نصيحة مخلصة بالابتعاد التام عن هؤلاء الشكائين، واعتزال مجالسهم، وبتر طاقتهم المسمومة من محيطك مهما كانت درجة قرابتهم أو مكانتهم في حياتك! فالإنسان في هذه الرحلة الشاقة يحتاج بشدة إلى من يشد عضده، ويرفه عنه، ويضيء له عتمة الطريق بكلمة طيبة وابتسامة صادقة، وليس إلى من يحبطه دوماً، ويمتص تفاؤله، ويزرع الأشواك في دربه
إن هذه النفس الشكاية تعجز تماماً عن جرد أفضال الله المحيطة بها، وتستبدل بعبادة "الحمد" طقوس التمخط والتسخط، متناسية أن الدنيا دار كَبَد في أصلها، وأن شكر النعم هو الحبل السري الوحيد الذي يضمن بقاءها ويزيدها، كما قال الحق في محكم التنزيل
{لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}
إن إدمان الشكوى وسلوك هذا النهج الملتوي يمرض الروح، ويسلب المرء لوعة التلذذ بالحياة، وينضح بالسموم السلبية على كل من حوله؛ فالجلوس مع الشكّاء يشبه الجلوس في غرفة معتمة يتسرب إليها الدخان، يرى المنع في كل عطاء، والضيق في كل سعة .!
بينما يكمن السر الحقيقي للسعادة والصمود في تلك القلوب الراضية الشامخة؛ النفوس التي تستقبل الأزمات بابتسامة يقين وصبر مخلص، مستلهمة كبرياء الأنفة، فلا تشتكي خلق الله بل تبث حزنها لباريها، وتعمل بعرق جبينها لتغيير واقعها
فلنحذر أن نكون من أسرى الجحود وعبيد الشكوى، ولنطهر ألسنتنا بفيض الحمد والثناء في زمن لا يحترم إلا الأقوياء الصامدين. انفضوا عن كواهلكم غبار التباكي، واكسروا صنم "الشكوى والرقوى"، فالحياة أقصر من أن نقضيها في عدّ العثرات واختلاق الآهات وتخيل أوهام الحسد.
قفوا قامات شامخة كالجبال، واعلموا أن الحمد ليس مجرد كلمة تلوكها الألسن، بل هو ثورة رضا تشتعل في الوجدان، وعقيدة قلب يرى فضل الله حياً في كل تفصيل، فبالحمد تدوم النعم، وبالإرادة نقهر المحن، وبكبرياء النفس وعرق السواعد نصنع الفجر الجديد رغماً عن عين كل سخط وكدر .!