مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عاطف طلب يكتب:رسائل اقتصادية تكشف أولويات الدولة في منتدى مصر

2026-10-22 10:31 AM  - 
عاطف طلب يكتب:رسائل اقتصادية تكشف أولويات الدولة في منتدى مصر
عاطف طلب

لم تعد معركة الاقتصاد المصري محصورة في تدبير الاحتياجات اليومية، بل أصبحت معركة متكاملة لإدارة الموارد، وتأمين الأسواق، وحماية محدودي الدخل، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص النمو. وبين مخزون استراتيجي يكفي 6 أشهر، وبرنامج إسكان يمتد تنفيذه على مدار 4 سنوات، وحصيلة مستهدفة تتجاوز 306 ملايين دولار من طرح 50 قطعة أرض في 10 مدن جديدة، جاءت رسائل «منتدى مصر 2026» لتضع عددًا من الملفات الاقتصادية المهمة أمام اختبار التنفيذ والعائد الحقيقي.
الأرقام هنا ليست مجرد مستهدفات معلنة، وإنما تعكس أولويات اقتصادية تتشابك فيها اعتبارات الأمن الغذائي والحماية الاجتماعية وتدفقات النقد الأجنبي والاستثمار العقاري. ويبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع هذه التحركات ترجمة الموارد المتاحة إلى استقرار اقتصادي يشعر به المواطن، وفرص استثمارية تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد؟
الأمن الغذائي.. مخزون آمن في زمن الأزمات
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال جلسة «الأمن الغذائي والمائي.. تحديات اليوم وضمانات المستقبل»، أن احتياطيات مصر من السلع الاستراتيجية تكفي لمدة ستة أشهر، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
وتحمل هذه الرسالة أهمية اقتصادية واضحة، فالأزمات الإقليمية والدولية لم تعد بعيدة عن الأسواق المحلية، بل تنعكس بصورة مباشرة على تكاليف الاستيراد والنقل وأسعار السلع. ومن هنا، يمثل المخزون الاستراتيجي خط دفاع أساسيًا في مواجهة نقص المعروض والصدمات الخارجية.
لكن الحفاظ على الأمن الغذائي لا يتوقف عند توافر السلع لعدة أشهر، وإنما يتطلب تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة التخزين والتوزيع، وتقليل الفاقد. فالمخزون يمنح الدولة وقتًا لمواجهة الأزمات، بينما تمنحها قوة الإنتاج ومرونة سلاسل الإمداد قدرة أكبر على احتواء آثارها.
الدعم النقدي.. العبرة بمن يصل إليه الدعم
وفي ملف الحماية الاجتماعية، أكد الرئيس السيسي توجه الدولة نحو تطبيق منظومة للدعم النقدي تقوم على العدالة والشفافية والحوكمة، بالاعتماد على قواعد بيانات المواطنين لتحديد المستحقين.
وشدد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، على أن الهدف ليس خفض قيمة الدعم أو تقليص عدد الأسر المستفيدة، وإنما ضمان وصوله إلى مستحقيه الفعليين.
وهنا تبرز قضية اقتصادية لا تقل أهمية عن حجم المخصصات نفسها؛ فكلما ارتفعت كفاءة توجيه الدعم، زادت قدرة الإنفاق العام على تحقيق أثر اجتماعي مباشر، خصوصًا في ظل الضغوط التي تتحملها الأسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
غير أن نجاح هذه المنظومة يتطلب دقة البيانات، ووضوح معايير الاستحقاق، وسهولة التظلم، والمراجعة المستمرة لأوضاع الأسر. كما أن الحفاظ على القيمة الحقيقية للمساعدات النقدية يظل عنصرًا أساسيًا في قياس فاعليتها، لأن الدعم الذي لا يواكب تغيرات الأسعار قد يفقد جزءًا من قدرته على حماية المستفيدين.
الإسكان.. بين احتياجات المواطنين ومحركات النمو
وفي قطاع الإسكان، أعلن رئيس الوزراء أن الرئيس السيسي سيطلق برنامجًا موسعًا للإسكان الاجتماعي والسكن بنظام الإيجار، إلى جانب مشروعات لمتوسطي الدخل، على أن يجري تنفيذ الوحدات وتسليمها خلال السنوات الأربع المقبلة.
ويمثل التوسع في أنماط الإسكان استجابة لاحتياجات شرائح مختلفة من المواطنين، خاصة أن القدرة على شراء وحدة سكنية ليست متاحة للجميع، وهو ما يجعل نظام الإيجار أحد البدائل التي يمكن أن توسع نطاق الاستفادة من برامج الدولة.
والأهمية الاقتصادية لهذا الملف تتجاوز توفير الوحدات السكنية؛ فمشروعات الإسكان تحرك قطاعات التشييد والبناء ومواد البناء والنقل والخدمات، وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
لكن النجاح لن يُقاس بعدد الوحدات التي يتضمنها البرنامج وحده، وإنما بقدرة المستفيدين على تحمل تكلفتها، ومدى توافر الخدمات الأساسية، والالتزام بمواعيد التنفيذ والتسليم. فالسكن الملائم ليس مجرد وحدة تُبنى، بل منظومة متكاملة ترتبط بالدخل والعمل والخدمات وجودة الحياة.
المياه والبحيرات.. ثروة تحتاج إلى إدارة رشيدة
وفي ملف الأمن المائي، شدد الرئيس السيسي على أهمية حوكمة استخدام المياه في سيوة، بما يشمل تنظيم حفر الآبار، بما يحافظ على الموارد المائية ويحد من استنزافها.
كما تناول أوضاع البحيرات المصرية وما تعرضت له من تعديات وإهمال انعكست على إنتاجها السمكي، مشيرًا إلى جهود الدولة لإعادة تأهيلها والتصدي للتجاوزات، ومن بينها بحيرات البردويل والمنزلة، إلى جانب بحيرة ناصر.
وهذا الملف يحمل أبعادًا اقتصادية مباشرة؛ فالمياه مورد أساسي للإنتاج الزراعي، والبحيرات تمثل مصدرًا للإنتاج السمكي وفرص العمل. وأي خلل في إدارة هذه الموارد ينعكس على تكلفة الإنتاج والأمن الغذائي، بينما تسهم حمايتها في زيادة العائد من الأصول الطبيعية وتقليل الهدر.
والرسالة الأهم هنا أن التنمية لا تعني التوسع في استخدام الموارد فقط، بل تعني أيضًا ضمان استدامتها، حتى لا تتحول مكاسب اليوم إلى أعباء اقتصادية وبيئية في المستقبل.
306 ملايين دولار.. هل تتحول الأراضي إلى استثمارات منتجة؟
على جانب آخر، تستعد وزارة الإسكان لطرح 50 قطعة أرض في 10 مدن جديدة خلال الفترة من الأول إلى 15 نوفمبر المقبل، بأنشطة عمرانية وتجارية وإدارية وسكنية وفندقية، إلى جانب المعارض والمخازن ونادٍ اجتماعي. ويستهدف الطرح تحقيق حصيلة تتجاوز 306.29 مليون دولار، مع اشتراط سداد القيمة بالدولار المحول من الخارج، 
ويعكس هذا التحرك توجهًا لاستخدام الأراضي في المدن الجديدة لجذب استثمارات وتدفقات نقدية أجنبية، بما يدعم موارد النقد الأجنبي ويفتح المجال أمام إقامة مشروعات متنوعة.
لكن علينا التفرقة بين حصيلة بيع الأراضي والعائد الاقتصادي المستدام؛ فالحصيلة تمثل تدفقًا ماليًا مستهدفًا، بينما يتحقق العائد الأوسع عندما تتحول الأراضي إلى مشروعات منفذة، وتبدأ في توفير فرص العمل والخدمات، وجذب استثمارات مكملة، وإضافة طاقات إنتاجية جديدة.
ومن ثم، فإن نجاح الطرح لا يرتبط فقط بقدرة الدولة على تسويق الأراضي وتحقيق الحصيلة المستهدفة، بل أيضًا بجدوى المشروعات وقدرة الشركات على التنفيذ، بما يضمن انتقال الاستثمار من مرحلة تخصيص الأرض إلى مرحلة النشاط الاقتصادي الفعلي.
كلمة أخيرة..
ما بين تأمين السلع الاستراتيجية، وإعادة تنظيم الدعم النقدي، والتوسع في الإسكان، وحماية الموارد المائية، وجذب الدولار عبر الاستثمار العقاري، تتضح ملامح معادلة اقتصادية تستهدف التعامل مع ضغوط الحاضر والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
لكن الاقتصاد لا يُدار بالأرقام المعلنة وحدها، ولا تُقاس كفاءة السياسات بحجم الخطط والمبادرات، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
فالمخزون الاستراتيجي يجب أن ينعكس على استقرار الأسواق، والدعم النقدي يجب أن يصل إلى مستحقيه، والإسكان يجب أن يكون في متناول المواطنين، والاستثمار العقاري يجب أن يتحول إلى إنتاج وفرص عمل وتدفقات نقدية حقيقية.
وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الأصعب: كيف تتحول مستهدفات الدولة إلى تحسن ملموس في حياة المواطن، وفي الوقت نفسه إلى اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وجذب الاستثمارات، وتعظيم العائد من موارده؟

مساحة إعلانية