مساحة إعلانية
بعد وصولي في إجازتي السنوية بثلاثة أيام، وأنا اشعر بآلام حادة في المعدة لا تبَرحني، لهيب متواصل يحرق أحشائي ، بصفة مزمنة يباغتني ، تهيج الأمعاء، وينتفخ البطن ،ويثقل جانبيَّ، عكَّرت انتكاستي صَفو من حولي ، انتاب الزوجة القلق ، ألحَّت في استماتٍة أكثر من مرةٍ، بنبرةٍ متوترة:" لابُّد وأن تعرض نفسك على الطبيب ، حالتك مقلقة" ، أقول مُتهربا ، حتى لا ازيك من ارتباكها والأبناء:" قريبا نذهب سويا ، لا تقلقي ، اشعر بتحسن الحمد لله"، لم تختف نظرة القلق والانزعاج ، تبوح عيناها الحائرتان بما يسكن صدرها من توجس وخوف، خاصة مع نوبات القيء المتكررة .
في صبيحةِ اليوم التالي، ارتدت ثيابها في عجلٍ، وقفت أمامي بصوت يهدر بالضب ، قالت:" لقد حجزت موعدا ، طبيب الباطنة متواجد تمام الواحدة لنتحرك الآن " ، في العيادة شعرت لأولِ وهلةٍ بأوجاعي ، تفجَّرت الألم في بطني المتُخم بالعلة ، تناثر المرضى فوق المقاعد في وجوم مميت ، أنات الصغار الذين افترشوا الأرض ، تبوح عيونهم الذابلة بالتعب والمرض ، أصوات القيء تتأتى من دورة المياه ، أكياس الأدوية المثقلة بالوصفات ، الأشعة والتحاليل ، حديث هامس ، ودعاء متقطع يخرج من فمِ عجوزٍ مُجهد يتمنى الشفاء لكل مريض ، وضع الطبيب يده الباردة فوق بطني المنتفخ ،انكب عليه يفحصه في حرص زائد، اغرقه بمادة لزجة ، مرَّر ذراع جهاز الأشعة ، حركه حركات دائرية مرارا ، قبل أن يقطب وجهه ، ليتساءل في هدوء:" منذ متى وأنت تُعاني هذا الألم؟" ، وقبل أن اجيبه ، هزَّ رأسه متخففا من ارتباكه :" مبدئيا هناك حصاة بالمرارة ، لا تنشغل بها ، عليك القيام بإجراء تحليل عاجل لتشخيص الحالة بدقة " ، ندَّت من زوجتي همسة مكتومة ، لعله قرار أملاه اليأس وختمت عليه الحيرة ، اقتحمني صوتها كنغمةٍ عذبة ، وهي تُعدِّل ملابسي في حنو ، حاولت دون فائدة إخفاء بوادر حزنها بابتسامٍة مُتكلفة ، "بعد ثلاث ساعات تستلم النتيجة " كان رد فني التحاليل ، عندها ابتسمت مجهدا ، ابتسام فيما يشبه الطمأنينة ، قلت في سري :" لا بأس" ، بعد ثلاث ساعات امسك الطبيب نتيجة التحاليل ، قلَّبها بين يديه ، ردَّد بنبرةٍ مأساوية :" ميكروب حلزوني ، جرثومة المعدة ، حمى التيفود" ، انشق قلبي تحت وطأة المفاجأة ، قالت الزوجة مترفقة :" هل يمكننا التَّغلب على هذه العراض ، فإجازته قصيرة ؟ " ، علت شفتيه ابتسامة ملتوية ،أجاب بسرعٍة :" لا تترك جسدك فريسة سهلة لوجبات المطاعم ، قطعة الجبن ورغيف اضمن لك ،زوجتي تحرص على نظافة الأكل لدرجة الهوس ،وو" ، لم يكمل كلامه ، بعد أن رميته بنظرةٍ صدَّته عن الاسترسال في الحديث ، فَرغَ أخيرا من كتابةِ وصفته ، امتلأت الورقة بالدواء ، قبل الأكل وبعده ،غامت نظرته خلف غشاوة رقيقة ، أكمل في حدة :" بعد أسبوعين موعدنا ، مع السلامة " ، هزيلا خرجت من بابِ العيادة ، ضحكت هازئا بصوت غير مسموع ، نظرت إليَّ الزوجة برفق ، ثم ابتسمت ابتسامة أذابها القلق ، لتقول :" بعد العلاج تستقر حالتك إن شاء الله " ،امسكت بذراعي وكأننَّي طفل صغير ، تخشى عليه أمه السقوط، في الخارج كانت سماء الخريف الرمادية واضحة تٌخبر عن نفسها ، تفرَّقت سحب بيضاء نقشت صفحة الفضاء ، تلاعبت رياح ناعمة بكناسة الشارع ، على إثرها سرت في جسدي قشعريرة مؤرقة ، مرَّ أسبوعان ، قال الطبيب وشعور بالنجاة يعمر وجهه النحيف :" الحالة مستقرة ، لكن نصيحتي لك ، لا تقرب الدهون ، أكثر من الفاكهة والخضراوات ، تجنب الأكل ليلا " ، أنصت إليه في سكينة ، جعلت أبدي أسفي بتحريك رأسي ، والاكتفاء بالابتسام في صمت ، أخيرا تنهدت الزوجة في ارتياح ، طالعتني بعينٍ ذهب عنها الرَّوع ، لهث فكري في اجهادٍ مقلق ، اندلقت أمامي ذكرى الأيام الخوالي دفعةً واحدة ، وجدتني شابا يافعا يستقبل الحياة بعفويةِ الريفي السَّاذج ، ارتدي جلبابي الأخضر السكروتة ،تتقاذفني الحقول صباح مساء ، تحصد يدي من خشاشِ الأرض ، التهم في شره ٍعِيدان الحِلبة الخضراء، قرون الفول البلدي، رؤوس اللفت ، حبات البلج ، واأسفاه؟! ،لقد خانتني قواي ، خذلني جسدي ، تهدمت قواي بالتدريج ، أجهزت أمراض الغربة على الفلاح النحيف ، افترسته الرفاهية المزعومة ، غيرت شكله وبدلت أحواله ، ضمرت عضلاته الصلبة ، تهدلت بطنه بعدما انتفخت بالزيوت ، والمشروبات الغازية ،واللحوم المجمدة ، صغيرا كنت اهرب للطبيعة ، أذرع الغيطان ،اتسلق الأشجار والنخيل، اناجي طيور الفضاء حين يكدر نفسي القلق ، لكني الآن ، وسط معسكر رذيل، ورشة عمل بشرية بلا دين، لا تعرف طريقا للإنسانية ،آلات صماء تلهث خلف المال ، تغير جلدها ووجهها بلا رحمة.
في المطار ، ظَهرَ الارتباك على وجه ضابط التفتيش ، طالبَ بنبرةٍ آمرة أن افرغ فورا محتويات الحقيبة ، هاله منظر الأدوية، قطب ، متسائلا :" لماذا احضرت كل هذا الدواء؟! ، أخرجت على الفورِ وصفات الطبيب ، أعلن بنبرتهِ الحزينة :" كان الله في عونك " ، استقبلني صديقي بحفاوةٍ ، هَمسَ في أذني :" أعددت لك طبختك المحبوبة " ، في السكن أخرجت محتويات الحقيبة ، ذهل الحضور ، صَوَّبوا عيونهم بحذر ،صعدوها في صمت ، امتدت الأيدي تفحص الأدوية ،مصمصوا بشفاههم ،مع الأيام وطنَّت نفسي على هذه العادة ، احمد الله على كُلِّ حَالٍ ،لأني لا أزال على قيدِ الحياة.