مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب : لماذا يُعفى الراشي ويُعاقب المرتشي؟

2026-01-09 07:42 PM  - 
صابر سكر يكتب : لماذا يُعفى الراشي ويُعاقب المرتشي؟
صابر سكر
منبر

في قضايا الرشوة الكبرى، يتكرر مشهد يثير دهشة الرأي العام ويشعل الجدل:
الراشي، الذي دفع المال وشارك في إفساد الذمم، يغادر المحكمة معفىً من العقوبة، بينما يُدان الموظف العام وحده، وقد يواجه أحكامًا قاسية تصل إلى السجن المؤبد.
مفارقة تبدو صادمة، وتدفع الملايين للتساؤل: هل هذا خلل في العدالة أم ثغرة تشريعية؟

الحقيقة أن ما يحدث ليس ثغرة قانونية، بل اختيار تشريعي واعٍ تبناه المشرّع المصري ونص عليه صراحة في المادة (107 مكرر) من قانون العقوبات.

الرشوة من أكثر الجرائم تعقيدًا في الإثبات، لأنها تُرتكب في الخفاء، دون شهود أو آثار ظاهرة. وغالبًا ما يتقاسم أطرافها الصمت، ما يجعل الوصول إلى الحقيقة شبه مستحيل.
أمام هذا الواقع، كان على المشرّع أن يبتكر وسيلة لكسر هذا الصمت والوصول إلى الطرف الأخطر في المعادلة: الموظف العام الفاسد.
هنا ظهرت فكرة “خيانة الشركاء”؛ إذ قرر القانون عقد صفقة مع الطرف الأقل ضررًا، وهو الراشي، مقابل الإيقاع بالمرتشي.

صفقة القانون مع الراشي

بموجب النص القانوني، يوجّه المشرّع رسالة واضحة للراشي:
اعترف بالجريمة كاملة، اكشف تفاصيلها، وقدّم الموظف المرتشي للعدالة، لتحصل على إعفاء كامل من العقوبة.

هذه الصفقة لا تُبرّئ الراشي أخلاقيًا، لكنها تستخدم اعترافه كوسيلة لكشف جريمة أخطر تهدد نزاهة الوظيفة العامة وثقة المجتمع في مؤسساته.

اعتراف يهدم دفاع المرتشي

اعتراف الراشي لا يُعد مجرد أقوال متهم، بل يتحول إلى دليل قوي يُحاصر الموظف العام، لأنه:

يثبت واقعة دفع المال أو تقديم العطية.

يكشف نية الاتجار بالوظيفة واستغلال السلطة.

يفكك رابطة الشراكة الإجرامية بعد أن يضحي أحد أطرافها بالآخر مقابل حريته.

في هذه اللحظة، يجد المرتشي نفسه وحيدًا في مواجهة أدلة مكتملة الأركان.

إعفاء ليس مطلقًا

رغم أن الإعفاء المقرر للراشي إعفاء وجوبي، إلا أنه مشروط بشروط صارمة.
فالاعتراف يجب أن يكون صادقًا، شاملًا لكل الوقائع، وغير ناتج عن إكراه.
وأي كذب أو إخفاء لمعلومة يسقط الحق في الإعفاء ويعيد الراشي إلى دائرة الاتهام والعقاب.

العدالة من منظور أوسع

و نخلص من ذلك أن القانون اختار التضحية بعقاب طرف، لضمان سقوط الطرف الأخطر.
ليست هذه براءة أخلاقية، بل أداة قانونية هدفها حماية المجتمع وتطهير المرافق العامة من الفساد.

إنها مفارقة مقصودة، قد تبدو قاسية في ظاهرها، لكنها تعكس فلسفة تشريعية ترى أن القضاء على المرتشي أولى من معاقبة الراشي، لأن خطر الأول أعمق وأشد تأثيرًا على المجتمع والدولة  والتنمية .

مساحة إعلانية