مساحة إعلانية
ليس الخلاف الدائر حول تعديل جداول المخدرات مجرد نقاش قانوني تقني، بل هو معركة دستورية صامتة تمس جوهر العدالة الجنائية، وحدود السلطة، وحرية الأفراد. فحين تختلف محكمة النقض مع الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، لا يكون السؤال عن تفسير نص قانوني، بل عن سؤال أخطر: من يملك سلطة التجريم؟
عندما تتحول الجداول إلى عقوبات
قد يظن البعض أن جداول المواد المخدرة ليست سوى قوائم فنية، لكن الواقع أكثر خطورة.
فإضافة مادة إلى جدول، أو نقلها من قسم لآخر، لا تعني مجرد تعديل إداري، بل تعني – في كثير من الأحيان – الانتقال بالعقوبة من بضع سنوات إلى السجن المؤبد، وربما إلى الإعدام.
هنا لا يعود الأمر شأنًا فنيًا، بل يصبح مسألة تمس الحق في الحرية، بل والحق في الحياة ذاتها.
فتوى توسّعت… والقانون لا يحتمل التوسع
رأت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، في فتواها الصادرة عام 2021، أن رئيس هيئة الدواء المصرية هو «الوزير المختص» المنوط به تعديل جداول المخدرات، تأسيسًا على حلول الهيئة محل وزارة الصحة في بعض الاختصاصات، وعلى الطبيعة الفنية لهذا المجال.
غير أن هذا المنطق، وإن بدا متماسكًا من الناحية الإدارية، يغفل حقيقة قانونية راسخة:
مجال التجريم والعقاب لا يقبل القياس، ولا يحتمل التوسع في التفسير.
محكمة النقض تدق جرس الإنذار
جاء حكم محكمة النقض في أكتوبر 2025 ليعيد الأمور إلى نصابها الدستوري، مؤكدًا أن:
التفويض التشريعي في مسائل العقاب يجب أن يكون صريحًا وواضحًا.
قانون إنشاء هيئة الدواء لم يمنح رئيسها سلطة تعديل جداول المخدرات.
الجواهر المخدرة ليست مجرد مستحضرات طبية، بل مواد يُبنى عليها التجريم والعقاب.
ولذلك رأت المحكمة أن قرارات تعديل الجداول الصادرة عن هيئة الدواء تثير شبهة عدم دستورية، وأحالت الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه.
الخلاف الحقيقي: إدارة أم تشريع؟
جوهر الخلاف لا يتعلق بهوية الجهة المختصة بقدر ما يتعلق بطبيعة السلطة ذاتها:
هل تعديل جداول المخدرات عمل تنظيمي فني؟
أم هو تشريع مقنّع يغيّر مراكز قانونية ويشدد عقوبات؟
محكمة النقض اختارت الإجابة الثانية، وانحازت لمبدأ الفصل بين السلطات، رافضة أن تتحول السلطة التنفيذية – ولو بحسن نية – إلى مشرّع جنائي.
الحرية لا تُدار بقرارات إدارية
أخطر ما في هذه المسألة أن يُترك مصير المتهمين رهينًا لقرارات إدارية قابلة للتغيير، دون سند تشريعي صريح.
فالحرية لا تُدار بلوائح، والعقوبة لا تُشدَّد بتفسير موسّع، والدستور لا يحتمل مناطق رمادية عندما يتعلق الأمر بالحق في الحياة.
كلمة الفصل… للدستورية
الكرة الآن في ملعب المحكمة الدستورية العليا، التي ستحدد: هل تظل جداول المخدرات أداة فنية مرنة في يد السلطة التنفيذية؟
أم أنها بوابة للتجريم لا تُفتح إلا بمفتاح التشريع؟
وحتى تقول الدستورية كلمتها، يبقى السؤال معلقًا:
من يملك أن يضيف اسمًا إلى جدول… فيضيف معه سنوات من عمر إنسان؟