مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب : التصالح الجنائي في القانون المصري ..متى لا يُعتد به؟

2025-12-26 04:36 PM  - 
صابر سكر يكتب : التصالح الجنائي في القانون المصري ..متى لا يُعتد به؟
صابر سكر
منبر

يعتقد كثير من المواطنين أن تنازل المجني عليه كفيل بإنهاء أي قضية جنائية، غير أن هذا التصور – على شيوعه – لا يتفق مع صحيح القانون. فالتشريع المصري لم يجعل التصالح الجنائي قاعدة عامة، بل نظمه كنظام استثنائي محدود النطاق، لا يُعمل به إلا في الجرائم التي نص عليها القانون صراحة، ووفق شروط وإجراءات دقيقة.

ويظل الفارق بين التنازل والتصالح فارقًا جوهريًا، إذ قد يترتب على الخلط بينهما آثار قانونية خطيرة تمس حرية الأفراد ومراكزهم القانونية.

ما هو التصالح الجنائي؟

التصالح الجنائي هو آلية قانونية نظمها قانون الإجراءات الجنائية، يترتب عليها انقضاء الدعوى الجنائية في جرائم محددة، سواء باتفاق قانوني مشروع بين المتهم والمجني عليه، أو مقابل سداد مبلغ مالي مقرر قانونًا للدولة.

والقاعدة الحاكمة في هذا الشأن أن ليس كل تنازل يُعد تصالحًا، وليس كل تصالح سببًا لانقضاء الدعوى الجنائية.

الأساس القانوني للتصالح في التشريع المصري

المادة 18 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية

تسري هذه المادة على جميع المخالفات، والجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط، والجنح المعاقب عليها بالحبس الجوازي لمدة لا تجاوز ستة أشهر.

ويتم التصالح مقابل سداد ثلث الحد الأقصى للغرامة قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة، أو سداد ثلثي الحد الأقصى أو الحد الأدنى للغرامة أيهما أكبر بعد الإحالة.

ويترتب على ذلك انقضاء الدعوى الجنائية فور إتمام التصالح.

المادة 18 مكرر (أ)

تنظم هذه المادة التصالح المباشر بين المتهم والمجني عليه، مع اشتراط إثبات التصالح رسميًا أمام النيابة العامة أو المحكمة، وتقديم توكيل خاص يجيز التصالح صراحة، إذ لا يُعتد بالتوكيل العام.

ويترتب على التصالح وفقًا لهذه المادة انقضاء الدعوى الجنائية، ووقف تنفيذ العقوبة إذا كان قد بدأ تنفيذها، مع بقاء الحق المدني قائمًا ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

المادة 18 مكرر (ب) – تعديل 2015

تمثل هذه المادة استثناءً بالغ الأهمية، إذ أجاز المشرع التصالح في بعض جنايات المال العام، مثل جرائم الاختلاس، والاستيلاء على المال العام، والإضرار العمدي أو غير العمدي به.

ويتم التصالح في هذه الحالات من خلال لجنة خبراء يصدر بتشكيلها قرار من مجلس الوزراء، وفق ضوابط مالية وقانونية صارمة.

الجرائم التي يجوز فيها التصالح

تشمل الجرائم التي يجوز فيها التصالح عددًا من جرائم الاعتداء على الأشخاص، مثل القتل الخطأ، والإصابة الخطأ، والضرب والجرح، والمشاجرات البسيطة.

كما يشمل جرائم الأموال، مثل النصب، وخيانة الأمانة، وجرائم الشيكات، وإتلاف الأموال، والشروع في السرقة، والسرقة بين الأصول والفروع فقط.

ويمتد التصالح إلى بعض جرائم الحيازة والملكية، مثل انتهاك حرمة ملك الغير، ودخول عقار بالقوة، فضلًا عن جرائم أخرى كإخفاء جثة دون إبلاغ السلطات، والسب غير العلني، والحريق غير العمدي، وإطلاق أعيرة نارية داخل المدن.

وقد أكد الكتاب الدوري للنائب العام رقم 12 لسنة 2006 ضوابط تطبيق التصالح في هذه الجرائم.

جرائم لا تقبل التصالح

شدد المشرع على أن الجرائم التي لم يرد بها نص صريح لا يجوز التصالح فيها مطلقًا، مهما كان موقف المجني عليه، ومن بينها القتل العمد، والسرقة بالإكراه، والجرائم الماسة بأمن المجتمع وسلامته.

وفي هذه الحالات، تستمر الدعوى الجنائية بقوة القانون، وتلتزم النيابة العامة بتحريكها ومباشرتها دون اعتبار لأي تنازل.

الخلاصة

التصالح الجنائي ليس إجراءً شكليًا ولا وسيلة للالتفاف على العدالة، بل هو نظام قانوني استثنائي تحكمه نصوص محددة وإجراءات دقيقة، وتترتب عليه آثار قانونية جسيمة تمس الدعوى والعقوبة.

ومن ثم، فإن الوعي بالفارق بين التنازل والتصالح أصبح ضرورة قانونية، تقي الأفراد من الوقوع في أوهام قد تكلفهم حريتهم أو مراكزهم القانونية .

مساحة إعلانية