مساحة إعلانية
كثيرًا ما تُرفع دعاوى النفقة إلى ساحات القضاء باعتبارها حقًا أصيلًا للزوجة، غير أن هذا الحق — كغيره من الحقوق — لا يُستدعى في فراغ، بل تحكمه شروط وضوابط دقيقة استقر عليها الفقه والقضاء. ومن أهم هذه الضوابط مسألة سبب خروج الزوج من دار الزوجية، وهي نقطة مفصلية قد تُقيم الدعوى على أساس قانوني سليم، أو تُسقطها من أصلها.
الأصل في النفقة أنها مقابل الاحتباس، أي التزام الزوج بالإنفاق في مقابل احتباس الزوجة له شرعًا وقانونًا داخل رابطة زوجية قائمة، بما تقتضيه من طاعة ومعاشرة وسكن مشترك. فإذا انتفى هذا الاحتباس دون سبب يُنسب إلى الزوج، سقط المقابل، وهو النفقة.
ومن هنا، فإن خروج الزوج من مسكن الزوجية لا يُفهم بذاته، وإنما يُنظر إلى سببه. فإذا ثبت أن الزوجة هي من بادرت بطرد الزوج، أو امتنعت عن تمكينه من مسكن الزوجية دون مسوغ شرعي أو قانوني، فإن دعوى النفقة — في هذه الحالة — تكون مفتقدة لركنها الجوهري. فالمسؤولية هنا لا تقع على الزوج، بل تعود إلى الزوجة التي أخلّت بشرط الاحتباس.
وقد استقر قضاء الأحوال الشخصية على هذا المعنى، وذهب في العديد من أحكامه إلى رد دعاوى النفقة متى ثبت أن الزوج خرج من دار الزوجية مكرهًا، أو نتيجة تعسف الزوجة في استعمال حقها، بل وصدرت قرارات تمييزية صريحة تؤكد هذا الاتجاه، معتبرة أن النفقة لا تُستحق مع انتفاء سببها.
لكن في المقابل، يظل حق الزوجة في النفقة قائمًا ومكفولًا إذا كان خروج الزوج راجعًا إلى تقصيره، أو إساءته، أو هجره غير المبرر، أو امتناعه عن توفير مسكن شرعي آمن. فالعبرة ليست بالخروج ذاته، وإنما بمن تسبب فيه.
ومن ثم، فإن النصيحة القانونية الواجبة قبل إقامة دعوى النفقة هي تحقيق الوقائع بدقة، وتقييم الموقف القانوني بعيدًا عن الانفعال، لأن المحاكم لا تحكم بالعاطفة، بل بالمستندات والوقائع الثابتة. ودعوى تُقام على غير أساس، لا تهدر فقط وقت الخصوم، بل قد تُرتّب آثارًا قانونية عكسية على رافعها.
إن الوعي القانوني في مسائل الأحوال الشخصية لم يعد رفاهية، بل ضرورة، تحمي الحقوق، وتمنع إساءة استعمالها، وتُعيد التوازن المطلوب داخل الأسرة وخارجها.