مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب:التحقيق والاتهام تضارب مصالح مؤسسي يهدد العدالة الجنائية

2026-01-14 04:01 AM  - 
صابر سكر يكتب:التحقيق والاتهام تضارب مصالح مؤسسي يهدد العدالة الجنائية
صابر سكر
منبر

تُعدّ النيابة العامة حجر الزاوية في منظومة العدالة الجنائية، إذ أُنيط بها قانونًا كشف الحقيقة وضمان تطبيق القانون. غير أن الواقع العملي يكشف عن إشكالية خطيرة، تتمثل في رفض سماع شهود النفي للمتهم، بالمخالفة لنصوص القانون وتعليمات النيابة ذاتها، بما يضع حيادها المؤسسي محل تساؤل جدي.
رفض شهود النفي: انتهاك صريح لحق الدفاع
كفل القانون للمتهم حق الدفاع عن نفسه بكافة الوسائل المشروعة، وعلى رأسها استدعاء وسماع شهود النفي. فحرمان المتهم من هذا الحق لا يُعد إجراءً شكليًا، بل يمثل انتهاكًا مباشرًا لضمانات المحاكمة العادلة.
قانون الإجراءات الجنائية أكد أن التحقيق يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، سواء في مصلحة الاتهام أو الدفاع، وليس ترجيح كفة طرف على آخر. كما أن الدستور المصري نص على أن الحق في الدفاع مكفول، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة.
الجمع بين التحقيق والاتهام: خلل بنيوي
المشكلة لا تتعلق بخطأ فردي، بل بخلل مؤسسي ناتج عن الجمع بين سلطتي التحقيق والاتهام في يد جهة واحدة. هذا الجمع يخلق تضارب مصالح واضحًا، ويدفع التحقيق في كثير من الأحيان إلى تأكيد فرضية الاتهام بدلًا من فحصها بموضوعية.
وحين تتحول النيابة من باحث محايد عن الحقيقة إلى خصم، فإن ذلك يُقوض جوهر العدالة الجنائية ويضعف الثقة في نزاهة الإجراءات.
حياد النيابة: نص قانوني وواقع مختلف
ينص القانون والدستور على حياد النيابة العامة، ويُلزمها بالتحقيق في الوقائع بكامل جوانبها. كما تؤكد المبادئ الدستورية أن الحرية الشخصية مصونة، ولا يجوز المساس بها إلا وفق إجراءات قانونية عادلة.
لكن هذا الحياد يظل نظريًا ما دام التحقيق والاتهام غير مفصولين تشريعيًا، وهو ما يجعل الانحياز خطرًا بنيويًا لا مجرد استثناء.
التدخل التشريعي: ضرورة لا تحتمل التأجيل
أصبح تدخل المشرّع المصري ضرورة عاجلة لإصلاح هذا الخلل، وذلك عبر فصل سلطة التحقيق عن سلطة الاتهام، بما يحقق:
تحقيقًا مستقلًا ومحايدًا يهدف إلى الحقيقة لا الإدانة.
احترامًا حقيقيًا لحقوق الدفاع، وعلى رأسها سماع شهود النفي.
تعزيز ثقة المجتمع في النيابة العامة والعدالة الجنائية.
أثر الخلل على العدالة والمجتمع
رفض سماع الشهود وتراكم الانحياز المؤسسي يؤديان إلى إحالات متعجلة، وحبس احتياطي ممتد، وإجراءات مشوبة بعدم التوازن. وحتى في الحالات التي تنتهي بالبراءة، تبقى عدالة الإجراءات محل شك، لأن العدالة لا تُقاس بالنتائج وحدها، بل بسلامة الطريق المؤدي إليها.
خاتمة
العدالة الجنائية الحقيقية تقوم على الحق قبل العقاب، وعلى الحياد المؤسسي قبل حسن النوايا. إن رفض النيابة سماع شهود المتهم يمثل خرقًا خطيرًا للقانون والدستور، ويؤكد الحاجة الملحّة لإصلاح تشريعي يفصل بين التحقيق والاتهام، حفاظًا على حقوق الأفراد، وضمانًا لتحقيق موضوعي، واستعادةً لثقة المجتمع في منظومة العدالة.

مساحة إعلانية