مساحة إعلانية
يقفون أمام لوحتي طويلًا.
طستٌ من النحاس وفي قاعه ماءٌ عكر تتناثر فيه قطعٌ صغيرة من ملابسَ داخليةٍ متسخة، خلفه بابٌ مغلق.
بعضهم يصمت، بعضهم يهز رأسه بإعجاب.
بينما أقف بعيدًا أراقبهم، وأتساءل " هل يسمعون ما أسمعه؟ ".
لم يكن أحد يسمع.
كنت وحدي أسمع الماء ينساب في قاع الطست.
وصوت أمي وهي تقول: " سيبني أخلص".
كم كان عمري يا أمي؟
لا أعرف.
أتذكر فقط أن امرأةً أعطتني قطعةً معدنية مدورة، وأجلستني أمام باب الحمام، وكان البلاط باردًا تحتي، وأنتِ في الداخل تغسلين في طستٍ مكتظٍ بثيابهم المتسخة، والماء يتطاير على وجهكِ وشعركِ.
كانت للصابون رائحةٌ حادة تخنق الأنفاس، وأنتِ تغسلين، وتغسلين، وتغسلين، ترفعين عينيكِ إليَّ وتبتسمين، وأنا أنظر إلى ابتسامتك، ثم دخل رجلٌ ضخم، ومد يده لكِ بورقةٍ ملونةٍ كبيرةٍ وضعتيها في صدرك ، فسمعت صوتًا لم أعرف له اسمًا ولم أفهم ما يجري، وحين علا صوت خطواتٍ، انتفض الرجل، وأسرع نحو بابٍ آخر وأغلقه فلم أستطع أن أسألك ، وبقيت أحدق في الباب بعد أن اختفى، ولما عدنا للبيت خبأت القطعة المعدنية تحت وسادتي.
كم كان عمري يا أختي؟
عندما أخذتِني معكِ ذات يومٍ إلى حديقة موحشة، وأجلستِني تحت شجرة، وكانت الريح تمر بين أوراقها بصوت خافت، والشمس تذوب فوق العشب، ثم جاء شابٌ طويلٌ شعره كثيف، وضمكِ إليه، فرأيت يدك تتشبث بقميصه ثم ترتخي، أدرت وجهي، ثم خبأت القطعة المعدنية تحت وسادتي، ولم أستطع أن أسأل، أتذكر فقط أنني حاولت أن أنطق اسمي، فتحت فمي، لم يخرج شيء.
كم كان عمري يا أبي حين سألتك وأنت على السرير:
- المعلمة تسألني :"ما عمل أبيك؟".
كنت أرى زملائي يرفعون أيديهم:
" أبي موظف".
" أبي عامل في مصنع".
" أبي سائق ".
أما أنا، فكنت أسكت.
فقلت لي: " قل لها كناس".
وعندما قلتها.
تغير مقعدي من الصف الأول إلى آخر مقعد في الفصل قرب سلة المهملات.
كم كان عمري حين طلبت مني المعلمة أن أجمع الورق؛ انحنيت، وكان الورق يلتصق بأحذيـة زملائي فأجمعه بيدي، وأشم رائحة التراب، وأسمع ضحكاتهم، بكيت؛ فأعطتني المعلمة قطعة معدنية، حينها فقدت صوتي، وخبأتها تحت وسادتي.
سألني أحدهم:
- من أنت ؟
نظرت إليه، حاولت مرةً، ومرتين، وثلاثًا.
لا صوت.
ومنذ ذلك اليوم صار السؤال نفسه يخيفني.
" من أنت؟ "
وجدت الإجابة مع الألوان، أرسم ، كلما خفت رسمت، وكلما انكسرت رسمت.
كلما تذكرت أمي رسمت طستاً، وإذا تذكرت أختي رسمت أوراق شجرٍ متساقطة، وحين تذكرت أبي رسمت سريرًا، ولمَّا تذكرت المدرسة رسمت سلة مهملات، وحين لا أحتمل نفسي أرسم وجهًا بلا فم.
ذلك الوجه صار لوحتي الأشهر.
قال ناقدٌ: " صمتٌ بصري مذهل".
وقال آخر: " استطاع الفنان أن يحول ألوانه إلى لغة".
فضحكت في داخلي.
في يوم افتتاح معرضي الأخير وقف طفل أمام اللوحة، اقترب، رفع رأسه يتأمل الوجه طويلًا، ثم سأل أمه: " ماما، أين فمه؟ ".
هزت رأسها وقالت:" ربما لا يستطيع الكلام ".
ظل الطفل صامتًا لحظة، ثم سأل: " هو عنده كام سنة؟ "
تجمدت خلفه؛ شعرت أن السؤال اخترق عشرات السنين ووصل إلى المكان الذي دفنت فيه القطع المعدنية.
اقتربت من اللوحة، أمسكت فرشاتي.
غمستها في اللون الأسود، وقفت أمام الوجه طويلًا، ثم مددت يدي، ورسمت خطًا صغيرًا تحت الأنف؛ فإذا بالباب المغلق في اللوحة مفتوحًا؛ عندها سقطت الفرشاة من يدي.
جاءني صوت ماء الطست؛ فمددت يدي إلى اللوحة ومسحت دمعةً لم تكن مرسومة.
فسقطت من قبضتي القطع المعدنية، عندها صرخت " كنت طفلًا يا أمي" لكن أمي لم تسمع.
بينما ظل الماء ينساب في قاع الطست.