مساحة إعلانية
قصيدة الأسود الذي استباحني ..شعر امبارك ابراهيم القليعى
هنالك في البعيد
في البعيد المتناهي
والناتئ عن قشرة الروح
وحينما تهنئين برقادك
على جمر غمامة
تستطيل كعمر نوح
وحيثما تسوقين النجوم إلى حتفها
وتمارسين اعتقال المجرات
التي تمردت
رأيتك خنادق وسيعة كمدى
ومتاريس تسبح في لهب الهاوية
أي متاهة
تلك التي تخلقت بين شفتيك
ثم اصطفتني
وأي شمس
هذه التي تساقطت صرعي أشعتها
ثم تدثرت بي
أنت مقبرة
نبتت على جلدي
وتفيأتْ تحت ظلالها الزلازلُ
بعقيرتي حاولت التشبث
ولم تقفز الفراشة لنجدتي
وحدي ظللت أقاوم الأحمر العنيد
وأهدهد الرمادي
وألاطف الأسود الذي استباحني عشية
وأنت... يا ربة الثابت
يا من تكهربين دمي
وترشين مواد انفجارك في عروقي
لك وحدك تعويذة الشتات
فهل ستحقنينها في؟
أنا المحارب الذي يأكله العراء
ويسيج أقبيته الهباء
اقرأي ما تشائين من ترانيم الحريق
فلن يخرج الجني الذي استقر بي
فقط أفكر
كيف أنزع من التاريخ
جغرافيا دمي
وَأُعَبِّدُ النيلَ بانفعالي
أو أهيئ الضحى لاحتمالي
أعلم
أنه لن تصطفيني الشوارع
مادمت تهندسين البيوت
بما تيسر من الزوابع
لن تقبل العواصف
انتصاب النخيل
ولن تغني الحقول ألحان السواقي
أي عصافير ستصدح في حضرة النسور
وأي فراشة
ستقع في شرك عنكبوت
ثم تضحك
ما من جبل إلا وخافها
وما من جدول
إلا وجف حين ارتآها
لها قوة (الكاريزما)
ودلال الدمار
مسبية لها البيارق
التي ظلت تقدر مشيئة العالم
ولي ذلك البعيد
البعيد المتناهي
والناتئ عن قشرة الروح
ولكم
أجنة الفناء
رؤية نقدية لقصيدة الاسود الذى استباحنى .. بقلم سند مغيربي آل معين
تعتبر قصيدة "الأسود الذي استباحني" للشاعر (إمبارك إبراهيم القليعي) من نصوص الحداثة التي لها حضور بارز، حيث تُظهر تأثيرًا قويًّا على القارئ من خلال صورها الشعرية المتنوعة التي تمزج بين الرمزية والمشاعر الإنسانية العميقة.
ما يميز هذه القصيدة بشكل خاص هو البناء الفني الذي تعتمد عليه قصيدة النثر الحرة، الذي يتيح حرية التعبير عن الذات بعيدًا عن قيود الوزن والقافية، مما يفتح أمام الشاعر آفاقًا واسعة لنقل تجاربه الداخلية.
في هذا النص، نجد أن (القليعي) يطرح تساؤلات حول الهوية والوجود والاغتراب الداخلي، وهو ما تجلى في استخدامه للرمزية التي تعكس هذه الصراعات.
فاللون الأسود، على سبيل المثال، لا يُستخدم فقط كرمز للظلام، بل يشتمل أيضًا على صراع داخلي يعكس مشاعر الكآبة والضياع.
كما يبرز اللون كأداة تعبيرية توظف لتمثيل التوتر الداخلي الذي يعصف بالشاعر. وهو ما أشار إليه بعض النقاد، مثل (إدوارد سعيد) في عمله "الاستشراق"، إلى أن الشعر الحديث غالبًا ما يعبر عن التوتر بين الفرد والمجتمع في سياق تساؤلاته الوجودية.
ومن هنا، يمكننا المقارنة بأسلوب (محمود درويش) في قصيدته الشهيرة "لماذا تركت الحصان وحيدًا"، حيث يستخدم لغة رمزية مليئة بالصراعات النفسية والوجودية التي تشابه ما نجده في قصيدة (القليعي). مثال:
"لماذا تركت الحصان وحيدًا / في الرياح؟ / والحصانُ ليس وطنًا / ولا يملك الأمل".
في هذا النص نجد ان (درويش) يعكس فكرة الاغتراب والضياع، ويطرح تساؤلات حول الذات والوطن، وهو ما يشابه صراع (القليعي) الداخلي مع ذاته في قصيدته "الأسود الذي استباحني".
فكلا الشاعرين يستخدمان الرمزية للتعبير عن الاغتراب والتشوش النفسي.
يتبنى الشاعر في قصيدته أسلوب التكرار والتوازي بشكل يخلق نوعًا من الإيقاع الداخلي الذي يعكس حالة الاضطراب التي تنتابه.
يتماشى هذا الأسلوب مع ما ذكره الناقد السوري (علي عقلة عرسان)، الذي قال إن قصيدة النثر تعتمد على تكسير البنية التقليدية للقصيدة العربية، لإبراز حيوية النص وطاقته التعبيرية.
ويتضح ذلك في قصيدة الشاعر (أدونيس) "الليل":
"الليلُ لا يُضيءُ إلا بظلّنا،
أعينُنا أوسعُ من هذا الفضاء،
لكننا لا نرى،
عندما نغرقُ في مسافةٍ واحدةٍ بين الدّروب،
عندما نصيرُ صمتًا،
صمتًا لا يقاوم".
فكلا النصين يتماشيان مع الفكرة التي تقول إن قصيدة النثر تقوم على تكسير البنية التقليدية، مع الحفاظ على طاقتها التعبيرية العالية.
أما عن استخدام اللغة الرمزية، فيمكننا أن نلاحظ تداخل الصور المجازية التي تحمل دلالات نفسية وفلسفية عميقة. مثل:
فقط أفكر
كيف أنزع من التاريخ
جغرافيا دمي
وَأُعَبِّدُ النيلَ بانفعالي
أو أهيئ الضحى لاحتمالي
تحمل بُعدًا داخليًا عاطفيًا، بينما
ما من جبل إلا وخافها
وما من جدول
إلا وجف حين ارتآها
لها قوة (الكاريزما)
ودلال الدمار
تشير إلى الفوضى الداخلية التي تعصف بالذات.
يتداخل هذا الاستخدام الرمزي مع ما طرحه الفيلسوف الفرنسي (جورج باتاي) من أن الصورة الشعرية تشكل وسيلة لتحرير المعنى من قيود اللغة، مما يسمح للقصيدة بأن تتجاوز المعاني المألوفة وتصل إلى أعمق معاني الوجود.
وبمقارنة القصيدة بأسلوب الشاعر المصري (إدوار الخراط) في قصيدته "الظل" التي تتسم بالغموض والتأمل العميق، نجد مثلًا:
"ظلٌّ من وراء الغيم / يُضيء الطريق / لكنك لا تراه / إلا إذا اقتربت من الحافة".
هنا، يطرح (الخراط) علاقة الإنسان بالظل، في إشارة إلى التحديات الداخلية التي قد تظل غامضة إلا عندما يواجه الإنسان خطر الانزلاق أو الهلاك. وهذه الرمزية تشبه إلى حد كبير الرمزية التي يستخدمها (القليعي)، والتي تشير إلى صراع داخل النفس البشرية، وتحث القارئ على الخوض في أعماق ذاته.
في النص، نرى بوضوح فكرة التحدي أمام القسرية التي تفرضها القوى الخارجية، سواء كانت "الربة" أو تلك القوى الاجتماعية والثقافية التي تقيّد حرية الفرد.
عبر استخدامه للصور الرمزية مثل "الفراشة التي لم تنقذه"، يظهر الشاعر محاولات الفشل في الهروب من الواقع وتجاوز الهموم الداخلية، وهو ما يعكس محاولة الفهم والتصالح مع الذات في وجه القوى المهيمنة.
وبمقارنة هذه المعركة مع ما قاله الشاعر العراقي (سعدي يوسف) في قصيدته "الأرض والماء"، نجد تشابهًا مع نص (القليعي)، حيث يستخدم الرمزية للتعبير عن الصراع بين الذات والواقع المحيط. مثال:
"ماءُ البحر / يلطخ الوجوه / وحين يرتطم بالأرض / يصبح للهواء صوت".
استخدام "ماء البحر" و"الهواء" في هذا السياق الرمزي يشير إلى حالة من التوتر بين الذات والطبيعة، وهو مشابه للتوترات النفسية التي يطرحها (القليعي) في قصيدته.
ومن ناحية أخرى، يمكن النظر إلى استخدام (القليعي) للبعد المكاني (مثل "هنالك في البعيد / في البعيد المتناهي") كمحاكاة للبُعد النفسي، وهو ما يتناغم مع ما طرحه الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا) حول العلاقة بين الفضاء المادي والفضاء النفسي. فالمكان في النص لا يقتصر على كونه بُعدًا ماديًّا فقط، بل يتعدى ذلك ليصبح تجسيدًا للألم النفسي والمسافة البعيدة التي تظل في داخل النفس البشرية.
ويظهر ذلك بوضوح في قصيدة الشاعر (محمود درويش). حيث نجد أن الفضاء المكاني يتداخل مع الفضاء النفسي ليشكلا معًا تصوراتٍ للذات والآخر.
هذه التصورات تتراوح بين الشعور بالانتماء والغربة، وبين التوق إلى الوطن والعجز عن استعادته.
في قصيدته "فلسطين"، مثلًا، يظهر الفضاء المادي لفلسطين باعتباره متداخلًا بشكل لا ينفصل مع الحالة النفسية للشاعر، حيث يكتب:
"أريد أن أكتب كلمةَ حبٍّ أو موتٍ لأجد أنّني أقيم في نفس المكان الذي عرفتُ فيه الأمكنة، ولكنني أبحث عن مكانٍ جديدٍ".
هنا، الفضاء النفسي للمغترب يتداخل مع الفضاء المادي في صورة المكان الذي لا يُنسى، ويظهر التوتر بين ما هو حقيقي وما هو مستحيل، ما يعكس فهمًا حقيقيًا للفضاء المادي والفضاء النفسي كما طرحه دريدا.
ونرى رؤية (القليعي) في قصيدته "الأسود الذي استباحني" واسلوبه الأدبي يتوافق مع الأسلوب الفني الذي يعتمده الشعراء الكبار مثل (محمود درويش، وأدونيس، وسعدي يوسف، وادوارد الخراط، وغيرهم). ورغم أن لكل منهم خصوصية في التعبير، إلا أن جوهر العمل الشعري يبقى متمحورًا حول التجربة الإنسانية الداخلية والصراعات الذاتية التي تبرز من خلال الصور الرمزية والعاطفية.
ملاحظات نقدية:
لكن مع ذلك، لا تخلو القصيدة من بعض القضايا التي تؤثر على فصاحتها وجمال النص. فمن الأمور التي يمكن انتقادها في النص:
التكرار في العبارة: "هنالك في البعيد، في البعيد المتناهي"، هذا التكرار قد يثقل من سلاسة النص ويؤدي إلى نوع من التضخم اللغوي دون إضافة جديدة للمعنى.
النص قد يكون أكثر قوة لو اقتصر على الإشارة إلى "البعيد المتناهي" دون التكرار.
الاستعارة الزمنية: في عبارة "تستطيل كعمر نوح"، يمكن تحسين التعبير لتوظيف كلمة "تمتد" بدلًا من "تستطيل"، مما يجعل الصورة أكثر تناسقًا مع المعنى الزمني الذي يحاول الشاعر تقديمه.
الغموض في استخدام الضمير: في عبارة "وأي شمس هذه التي تساقطت صرعى أشعتها، ثم تدثرت بي"، حيث أن المعنى هنا مبهم إلا إذا تبدلت "كاف" المخاطب بضمير "ها" الغائب في كلمة "أشعتها" ليتسق مع النص ويرفع اللبس عن فهم المعنى المقصود.
هذه التعديلات لا تقتصر على تحسين النص بل تعزز من تأثير الصور الشعرية على القارئ وتعمق الدلالات النفسية والوجودية التي يعرضها الشاعر.
وفي الختام، القصيدة تفتح أمام القارئ أفقًا واسعًا للتأمل في العلاقات المعقدة بين الفرد والواقع المحيط به، حيث تتداخل الأسئلة الوجودية مع الرمزية العميقة التي تحاكي الصراع الداخلي والاغتراب.
هذه التجربة، التي يتمحور حولها النص الشعري، تجعلنا نعيد النظر في مفاهيم الهوية، والوجود، والمكان، وتثير فينا أسئلة حول القدرة على التغيير والتأثير في العالم من حولنا.