مساحة إعلانية

منبر

قضايانا

د.محمد مهران:المياه هي الحرب القادمة.. والقانون الدولي يعيش مرحلة انتقالية

2026-10-12 02:56 PM  - 
د.محمد مهران:المياه هي الحرب القادمة.. والقانون الدولي يعيش مرحلة انتقالية
حوارمحمد محمود مهران

حاوره: مصطفى علي عمار

 صوت قانوني عربي من الإسكندرية إلى لاهاي: محمد مهران يفكك أزمة سد النهضة ويكشف بدائل إنقاذ القانون الدولي من الانهيار


 الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية في حوار شامل: إثيوبيا تمارس هيمنة أحادية.. والتحكيم الدولي يحتاج موافقة الطرفين وهذا هو العائق الجوهري


في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتصادم الإرادات الكبرى، وتتهاوى فيه قيم العدالة الدولية أمام موازين القوى، يبرز اسم الدكتور محمد محمود مهران كأحد أبرز الأصوات القانونية العربية التي اختارت أن تواجه الفوضى بالنص، والهيمنة بالقاعدة القانونية.
من الإسكندرية، مدينة البحر والتاريخ، خرج شاب ولد في الأول من ديسمبر 1988، تلقى تعليمه في مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية العسكرية، ثم شق طريقه في كلية الحقوق حتى حصل على الدكتوراه في القانون الدولي العام من جامعة الإسكندرية عام 2021 عن "التحكيم في منازعات الأنهار الدولية"، ليتحول من باحث أكاديمي إلى خبير دولي تستشهد بتحليلاته كبريات وكالات الأنباء العالمية من موسكو إلى القاهرة إلى أبوظبي.
أستاذ القانون الدولي العام بجامعة الإسكندرية وخبير دولي متخصص في منازعات الأنهار الدولية والتحكيم، وعضو في الجمعية الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، ومؤلف لعدة كتب مرجعية في القانون الدولي، ويشغل منصب الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، ويعمل مستشار تحكيم في الاتحاد العربي لحماية حقوق الملكية الفكرية.
لم يكتفِ مهران بقاعات الدراسة، فأسس مؤسسة النخبة للاستشارات القانونية في قلب دبي، وعمل مستشاراً في الإمارات العربية المتحدة، ليتعلم أن القانون ليس نصوصاً منعزلة بل أداة لخدمة الإنسان في واقعه المتشابك. واليوم يقف في قلب أخطر ملفات المنطقة: المياه.
في هذا الحوار الشامل، يفكك الدكتور مهران أزمة سد النهضة بمنظور قانوني دقيق، ويشرح الفرق بين التفاوض والوساطة والتحكيم، ويكشف لماذا باتت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 حبراً على ورق أمام التعنت الإثيوبي، ويحذر بلا مواربة: "نحن الآن نشهد عصر حروب المياه.. من يملك الماء يملك ورقة ضغط وجودية لا يمكن لأي جيش مقاومتها".

حوار مع فقيه من مدرسة الإسكندرية العريقة، يجمع بين صرامة الأكاديمي وخبرة الميدان، وجرأة من يؤمن أن القانون الدولي رغم أزمته يبقى أفضل ما بنيناه لمنع الحروب.

★ بعيدًا عن الأستاذ والمستشار، من هو محمد مهران الإنسان؟ وكيف أثّرت نشأتك في الإسكندرية ودراستك في مدرسة جمال عبد الناصر العسكرية على شخصيتك؟

محمد مهران الإنسان، قبل كل شيء، ابن الإسكندرية؛ هذه المدينة التي علّمتني أن البحر لا يقبل الكذب ولا يُعطي إلا لمن يستحق. ودراستي في مدرسة جمال عبد الناصر العسكرية زرعت فيّ الانضباط والانتماء، وأن الواجب لا ينتظر المزاج. تلك المدرسة أعطتني شيئًا لا يعطيه الكتاب، وهو الشعور بأن كل ما تفعله يُمثّل ما هو أكبر منك. أنا أبٌّ قبل أن أكون أستاذًا، وأعتقد أن أعظم قضية دافعت عنها في حياتي لم تكن أمام محكمة، بل كانت في تعليم أبنائي القيم التي نشأت عليها. والنيل بالنسبة لي ليس موضوع بحث؛ هو جزء من هويتي، وحين أدافع عن حقوق مصر في مياهه أشعر أنني أؤدي دَينًا لا أختار أداءه بل هو يختارني.

★ ما رؤيتكم لتطور القانون الدولي في ظل الأزمات الراهنة وانهيار بعض قواعده؟

القانون الدولي اليوم يمر بأشد اختباراته منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، ما نشهده في هرمز وغزة ولبنان واليمن وسد النهضة يكشف عن أزمة بنيوية عميقة. النصوص موجودة والمحاكم قائمة لكن الإرادة السياسية للتطبيق غائبة حين يتعلق الأمر بالأقوياء. الأزمة ليست في القانون بل في غياب آلية إنفاذ مستقلة عن موازين القوى، ومع ذلك لا أقول إن القانون الدولي انهار كلياً بل أقول إنه يعيش مرحلة انتقالية مؤلمة من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب لم تتشكل قواعده الجديدة بعد، والتحدي الأكبر هو بناء منظومة قانونية دولية تعكس عالم 2026 لا عالم 1945.

★ لماذا اخترت تخصص منازعات المياه تحديدًا؟ وهل كان لسد النهضة دور في اختيار موضوع الدكتوراه عام 2021؟

الاختيار لم يكن مصادفة؛ فأنا ابن الإسكندرية التي تعيش على فرع النيل، ومنذ صغري كنت أرى النيل حياةً لا نهرًا. حين انطلق مشروع سد النهضة عام 2011 كنت في مرحلة الماجستير، وأدركت أن هذا الملف سيكون المعركة القانونية الأكبر لجيلنا، فقررت أن أُخصّص سنوات دراستي لهذا الميدان. وكانت رسالة الدكتوراه عن التحكيم في منازعات الأنهار الدولية تتويجًا لهذا القرار المبكر؛ فسد النهضة لم يكن دافعًا أكاديميًا فقط، بل كان رسالة وطنية أيضًا.

★ في رسالة الدكتوراه عن التحكيم في منازعات الأنهار الدولية ما أهم الحلول القانونية لأزمة سد النهضة؟

رسالتي "التحكيم الدولي في منازعات الأنهار" منحتني منظوراً قانونياً دقيقاً لأزمة سد النهضة، والحل القانوني يمر بثلاثة مسارات متوازية: الأول استنفاد التفاوض الحقيقي لا الشكلي عبر وسيط دولي محايد وليس مجرد جولات تفاوضية بلا نتائج، والثاني أن الاتحاد الأفريقي يملك بموجب المادة العاشرة من إعلان المبادئ 2015 صلاحية الفصل بين الأطراف عند فشل التفاوض وهي صلاحية لم تُفعَّل بالصورة الكافية، والثالث والأهم هو التحكيم الدولي الذي يتطلب اتفاق الطرفين ولا يُمكن فرضه من طرف واحد وهذا هو العائق الجوهري الذي يجعل مسار الضغط الدبلوماسي الدولي والأفريقي الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة.
★ لديك أربعة كتب مرجعية في الأنهار الدولية؛ فأي كتاب تعتبره الأقرب إليك؟ وهل هناك كتاب جديد قيد الإعداد؟

الكتاب الأقرب إلى قلبي هو كتابي عن التحكيم الدولي في منازعات الأنهار، الذي استمد جوهره من رسالة الدكتوراه، ليس لأنه الأضخم بل لأنه الأصدق، ويحمل سنوات من البحث والألم والأمل في آنٍ واحد. أما عن كتاب جديد، فنعم هناك مشروع قيد الإعداد يتناول الأمن المائي في ظل التغيرات المناخية والصراعات الإقليمية وأثرها على منظومة القانون الدولي للمجاري المائية، وأتمنى أن يرى النور قريبًا لأن العالم يحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى.

★ كيف يمكن تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن المجاري المائية الدولية على أرض الواقع؟

الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ عام 2014 لكن إثيوبيا لم تُصادق عليها وهذا هو التحدي الأكبر، غير أن مبادئها الجوهرية كعدم الإضرار الجسيم والانتفاع المنصف والإخطار المسبق باتت قواعد عرفية ملزمة لجميع الدول بصرف النظر عن التوقيع. والتفعيل الحقيقي يستلزم أولاً حشد ضغط دبلوماسي دولي وأفريقي مستمر يُجبر إثيوبيا على الالتزام بمبادئ الاتفاقية كحد أدنى وثانياً تقديم شكاوى رسمية في المحافل الأممية مدعومة بالتوثيق العلمي لتأثير السد على الحصة المصرية وثالثاً بناء تحالف أفريقي من دول المصب المتضررة لمواجهة منطق الهيمنة الإثيوبية الأحادية على النيل.

★ مصر وقّعت إعلان المبادئ عام 2015؛ فمن وجهة نظر قانونية بحتة، هل كان التوقيع خطأً استراتيجيًا أم ضرورة تفاوضية؟

من الناحية القانونية البحتة، لم يكن خطأً مطلقًا ولم يكن إنجازًا كاملًا، بل كان رهانًا تفاوضيًا في لحظة ضغط. فالمادة الثالثة التي تحظر الضرر الجسيم، والمادة العاشرة التي تُتيح اللجوء إلى الاتحاد الأفريقي عند الفشل، أعطتا مصر أدوات قانونية لم تكن موجودة قبله. والثابت أن إثيوبيا هي التي خانت الاتفاق وليست مصر، وهذا يُعيد الحق القانوني كاملًا للقاهرة.

★ وصفتم ما يجري بأنه انهيار للمنظومة؛ فكيف تُقيّم قانونيًا ازدواجية المعايير في التعامل مع غزة مقارنةً بأوكرانيا؟

القانون الدولي واحد، لكن تطبيقه انقسم إلى نظامين: نظام الشمال الأبيض المسيحي الغني، حيث يتحرك المجتمع الدولي بسرعة مذهلة؛ عقوبات فورية ومحاكم مفتوحة ومساعدات متدفقة، ونظام الجنوب الأسود والبني والمسلم، حيث يتوارى الفيتو ويُبطَّأ القانون ويُحجَّم التدخل. أوكرانيا حصلت في أسابيع على ما لم تحصل عليه فلسطين في عقود، وهذا ليس ملاحظة سياسية بل توثيق قانوني لأزمة بنيوية في النظام الدولي تُقوّض مصداقيته لدى الجنوب العالمي، وتجعل ادعاءات الشمال بسيادة القانون مثار سخرية مريرة.

★ ما الفرق بين التحكيم والتفاوض والوساطة في حل النزاعات الدولية؟

ثلاثة مسارات مختلفة جوهرياً: التفاوض هو الأداة الأولى والأبسط وفيه يتحاور الطرفان مباشرةً دون وسيط وينتهي باتفاق طوعي أو يفشل دون آلية إلزامية، أما الوساطة فهي تُدخل طرفاً ثالثاً يُساعد الطرفين على التوصل لاتفاق لكن الوسيط لا يُصدر قراراً ملزماً، والتحكيم هو القضاء الدولي بالتراضي إذ يتفق الطرفان على إحالة النزاع لهيئة تحكيم تُصدر حكماً ملزماً للطرفين مثل التقاضي تماماً. الفارق الحاسم أن التفاوض والوساطة طوعيان لا يُلزمان بنتيجة بينما التحكيم يُلزم لكنه يحتاج اتفاقاً مسبقاً وهذا بالضبط ما يجعل التحكيم في النزاعات المائية صعب التطبيق حين تُحجم إحدى الدول عن القبول به.

★ حدثنا عن تجربتكم كمستشار في الإمارات العربية المتحدة وما الذي أضافته لمسيرتكم؟

الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد بيئة عمل هي مدرسة حقيقية في إدارة التنوع القانوني الدولي، أُسست مؤسسة النخبة للاستشارات القانونية في قلب دبي لتكون جسراً بين منظومتي القانون المدني والأعراف الدولية في بيئة تجارية تضم جنسيات وثقافات قانونية من أربع قارات. الإمارات علّمتني أن القانون ليس نصوصاً منعزلة بل أداة لخدمة الإنسان في واقعه المتشابك وأن الحلول القانونية الفعّالة هي تلك التي تُحل النزاع فعلاً لا تلك التي تُثبت صحة الحجة نظرياً. هذه التجربة أضافت للجانب الأكاديمي في مسيرتي بُعداً تطبيقياً واقعياً لا يمكن اكتسابه في قاعات الدراسة.

★ بصفتكم الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية ما أبرز القضايا التي تعملون عليها حالياً؟

ثلاثة ملفات تتصدر أعمال اللجنة الآن، الأول ملف سد النهضة الإثيوبي الذي دخل مرحلة الاكتمال التشغيلي مع إعلان أديس أبابا عن ثلاثة سدود جديدة ومطالبتها مصر بتعويضات عن استخدام مياه النيل وهو ادعاء لا سند قانونياً له، والثاني ملف سد فولا الجنوب سوداني الذي وافقت مصر عليه بعد دراسات هيدرولوجية دقيقة وهو نموذج للإجراءات الصحيحة يُكشف به خطأ النهج الإثيوبي الأحادي، والثالث بناء منظومة توثيق قانوني علمي شامل لتأثيرات مشروعات المنبع على دول المصب تكون سنداً في أي مسار قانوني دولي مستقبلي.

★ كيف توازن بين العمل الأكاديمي في الجامعة والعمل الميداني والإداري في المؤسسات الصحية؟

جمعية التآلف الأسري التي أترأس مجلس إدارتها تُشرف على معاهد ومدارس تقنية تمريضية في الإسكندرية والبحيرة وهي مسؤولية أعمق من الإدارة لأنها استثمار في تعليم الأجيال، المعادلة التي أعيشها يومياً تقوم على اقتناع راسخ بأن كل هذه الأدوار تصبّ في خدمة هدف واحد وهو بناء مجتمع أفضل فالقانون الدولي يحمي حقوق الشعوب والمعاهد والمدارس تبني الكفاءات التي تخدم هذه الشعوب والاستشارات القانونية تُحل مشكلات الناس الفعلية، حين تتوحد الأهداف تُصبح إدارة التنوع منهجاً لا عبئاً.

★ وصفتم ما يجري بأنه انهيار كامل لمنظومة القانون الدولي ما البدائل المتاحة لحماية الأمن والسلم الدوليين؟

البديل الحقيقي يتطلب إصلاحاً جوهرياً لا تجميلياً: أولاً إصلاح مجلس الأمن بتوسيع عضويته الدائمة لتعكس موازين القوى الجديدة وتقييد حق النقض في الجرائم الإنسانية الكبرى، وثانياً بناء آليات إقليمية أكثر فاعلية كاتفاقية مكة الدفاعية ومنظمة شنغهاي وغيرها لتكون ثقلاً موازناً يُعيد التوازن للمنظومة الدولية، وثالثاً تعزيز اختصاص المحاكم الدولية وتفعيل الالتزام بتنفيذ أحكامها. لكنني أُصرّ على أن القانون الدولي رغم أزمته يبقى أفضل ما بنيناه لمنع الحروب ومن يُريد إسقاطه دون بديل يدعو لعالم بلا قواعد وهذا أخطر من أزمة القواعد الراهنة.

 لماذا يعتبر ملف المياه تحديداً هو أخطر الملفات التي تهدد المنطقة في العقد القادم؟

لأن المياه هي الحرب القادمة، نحن الآن نشهد عصر حروب المياه، النفط ينضب ويمكن الاستغناء عنه بمصادر بديلة لكن الماء لا بديل له. في المنطقة العربية ثمانية أنهار دولية مشتركة والسكان يتضاعفون والتغيرات المناخية تُضاعف الضغط على الموارد المحدودة. إثيوبيا تُعلن السيطرة على تدفقات النيل وجنوب السودان يُعلن سداً جديداً وتركيا تُدير مياه دجلة والفرات بسياسة أحادية، من يملك الماء يملك ورقة ضغط وجودية لا يمكن لأي جيش أو عقوبة اقتصادية مقاومتها. الحروب القادمة ستكون حروب مياه وإطار قانوني دولي مائي متماسك هو الحصن الوحيد الذي يمكن بناؤه اليوم قبل أن تنفجر الأزمة.

★ ما نصيحتكم للشباب العربي الذي يريد دخول مجال القانون الدولي والتحكيم؟

أربع نصائح من التجربة لا من الكتب: الأولى أتقن أكثر من لغة فالقانون الدولي نصوصه بالإنجليزية والفرنسية ومن يجهلهما يقرأ القانون الدولي مترجماً ويخسر الفروق الدقيقة، والثانية ابحث عن تخصصك الدقيق داخل القانون الدولي سواء مياه أو بحار أو حقوق إنسان أو تحكيم تجاري لأن التخصص الدقيق أعمق أثراً من التعميم الواسع، والثالثة اجمع بين الأكاديمي والميداني فالقانون الدولي لا يُفهم فقط في قاعة الدراسة بل في ملفات حقيقية وقضايا واقعية، والرابعة والأهم آمن بأن هذا المجال رسالة قبل أن يكون مهنة لأن من يدخله للمال فقط سيكتشف أن فضاءاته الأكثر تأثيراً في الدفاع عن حقوق الشعوب لا تُقدَّر بالمال.

مساحة إعلانية