مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

دكتور علي الدكروري يكتب:الحب … قيمة تُعاش كل يوم لا مناسبة عابرة

2026-02-14 01:22 PM  - 
دكتور علي الدكروري يكتب:الحب … قيمة تُعاش كل يوم لا مناسبة عابرة
دكتور علي الدكروري
منبر

الحب الحقيقي لا يحتاج إلى يومٍ خاص ليظهر، ولا إلى ضجيج الأحتفالات كي يُثبت وجوده؛ فهو يعيش في الأفعال الصادقة قبل الكلمات ؛ وفي زمنٍ أعتاد أن يمنح المشاعر مواعيد محددة، تبدو بعض القيم الإنسانية وكأنها تنتظر مناسبة سنوية كي تُقال وتُعلَن، فيتحول التعبير عن الحب إلى طقسٍ موسمي أكثر منه شعورًا دائمًا.
تمتلئ المساحات بالكلمات، وتتزاحم العبارات الملوّنة، وتتحول المنصات إلى ساحات للأحتفال، وتُقدَّم الورود والرسائل بوصفها التعبير الأسمى عن الحب، وكأن هذه القيمة الإنسانية العظيمة يمكن أختصارها في يوم واحد من التقويم.

غير أن الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك بكثير؛ فالحب لا يعرف تاريخًا، ولا يرتبط بمناسبة، ولا يحتاج إلى إذنٍ من يومٍ بعينه كي يولد أو يستمر. الحب حالة إنسانية متجددة، تسكن القلوب الصادقة، وتظهر في الأفعال قبل الأقوال، وفي المواقف قبل العبارات.
الحب ليس جملة جميلة تُقال، ولا صورة تُنشر، ولا أحتفالًا ينتهي بأنتهاء ساعاته؛  إنه خُلُق راسخ ينعكس في طريقة تعامل الإنسان مع من حوله؛ في عدله حين يختلف، وفي إنصافه حين يغضب، وفي حضوره الصادق حين تضيق الحياة بالآخرين.

 الحب الحقيقي يظهر حين تصبح الرحمة أسلوب حياة، وحين يتحول العطاء إلى فعلٍ يومي لا ينتظر شكرًا ولا مقابلًا.

لسنا في حاجة إلى مناسبة كي نتذكر الوفاء، ولا إلى عيد كي نُخلص النية، ولا إلى تاريخ محدد كي نصل أرحامنا أو نُقدّر من وقفوا إلى جوارنا في لحظات الضعف قبل القوة. فالحب الصادق لا يُجزَّأ ولا يُؤجَّل، ولا يتبدل بتبدل الظروف؛ هو ثابتٌ في الشدة كما في الرخاء، حاضرٌ في الغياب كما في اللقاء.

كما أن الحب لا يقتصر على العلاقات العاطفية وحدها، بل يتسع ليشمل كل صور الإنسانية النبيلة؛ في دعاء أم، وأحتواء أب، وسند أخ، ووفاء صديق، وأحترام جار، وكلمة طيبة قد تغيّر يوم إنسان بالكامل؛  تلك التفاصيل الصغيرة التي تمر أحيانًا دون انتباه هي في حقيقتها أعظم أشكال الحب وأصدقها.

إن المجتمعات لا تُبنى بالمناسبات العابرة، بل بالقيم المستمرة؛  وحين يصبح الحب سلوكًا يوميًا قائمًا على الرحمة والتسامح والإحسان، يتحول إلى قوة حقيقية قادرة على إصلاح العلاقات وتقريب المسافات وبناء إنسان أكثر وعيًا واتزانًا.

لذلك، ربما يكون الأجدر بنا ألا ننتظر يومًا لنعبّر عن مشاعرنا، بل أن نجعل من كل يوم فرصة لإحياء معنى الحب في أبسط صوره: كلمة طيبة، موقف داعم، عفو عند المقدرة، أو يد تمتد بالمساعدة دون ضجيج.

فالحب، في جوهره، ليس عيدًا يُحتفل به، بل حياة تُعاش. وحين يصبح سلوكًا يوميًا لا مناسبة عابرة، تتحول أيامنا كلها إلى مساحة أوسع للرحمة، ويصبح أثرنا في قلوب الآخرين هو الاحتفال الحقيقي الذي لا ينتهي.

مساحة إعلانية