مساحة إعلانية
حاوره: مصطفى علي عمار
*المسرح العربي مات لافتقاده الحرية المسؤولة.. والصالونات بديل المؤسسات المتقاعسة
بين الصحافة والأكاديميا وبين القاهرة والدوحة ولاهاي، يخوض الدكتور حسن علي دبا معركته الخاصة منذ أكثر من أربعة عقود: معركة الوعي.
أستاذ النقد والثقافة والعلوم الإنسانية بجامعة لاهاي، ومدير صالون "أقلام ذهبية" بنقابة الصحفيين، وصاحب مصطلح "الرضاعة الثقافية"، يفتح في هذا الحوار ملفات شائكة: من علاقة الدين بالفن، إلى أزمة البحث العلمي الذي تحول إلى وسيلة للترقية، إلى ما يسميه "الفقه الغائب": صناعة الأفكار.
من تصوير الشخصية الدينية في المسرح المعاصر، إلى الحوار بين الإسلام والغرب بعد "طوفان الأقصى"، يقدم دبا رؤية نقدية تكاملية تستعيد التراث العربي دون أن ترفض الحداثة، وتؤمن بأن المثقف الحقيقي هو من يقف على يسار السلطة ليقود مجتمعه نحو التقدم.
★ بدأتم مسيرتكم محرراً بصحيفة "أخبار اليوم"، ثم انتقلتم إلى العمل الصحفي والثقافي في دولة قطر لما يقرب من ثلاثة عقود، واليوم أنتم أستاذ بجامعة لاهاي بالقاهرة. ماذا أفادتكم الصحافة؟ وماذا أفادتكم الأكاديميا؟ وأين وجدتم مساحة أكبر لحرية الكلمة؟
- في رؤيتي لم تعد الصحافة لا في الماضي ولا في الحاضر خالية أو مجردة من المعرفة. وليس الأمر في الكتابة الصحفية مقتصراً على نقل الخبر أو ممارسة الكتابة من خلال أشكال العمل الصحفي مجرداً، بل الأمر متصل اتصالاً وثيقاً بالخلفية المعرفية للصحفي. ويمكن لأي مصدر خاصة من العاملين في الحقل المعرفي أو الأكاديمي أن يكتشف ثقافة الصحفي أو خواءه المعرفي حينما يجري مع هذا المصدر حواراً. فالخلفية الأكاديمية أفادتني كل الفائدة في عملي الصحفي، وكان ذلك يمكنني من سرعة التحاور وعمق طرح الأسئلة المتخصصة على من أحاوره، وهذا يؤهل الصحفي للحصول على احترام المصدر بكل يقين.
أفادني العمل الصحفي في العمل الأكاديمي إفادة كبيرة في الاقتراب من الشباب الذين ألتقي بهم في المحاضرات. فلم يكن ما ألقيه في المحاضرة جافاً، أو مغلقاً أمام فهم هذه السنية العمرية الشابة. فمع جمود ما يمكن التعرض له من نظريات سواء في النقد أو الثقافة أو العلوم الإنسانية، لم يصعب عليّ يوماً تبسيط القول في أصعب النظريات التي أناقشها معهم. ولم يكن ذلك إلا بفعل العمل الصحفي الذي تشبعت في ممارسته قبل التدريس الجامعي، والذي جعل من اقتراب المفاهيم المطلوبة في مهنة الصحافة أمراً عادياً في تدريس المواد النظرية المغلقة.
أما مساحة الحرية ففي رؤيتي أن الحرية وهم نتمسك به في مجالات عدة في الحياة. لا يوجد حرية مطلقة لا في العمل الصحفي أو العمل الأكاديمي، بل هي الحرية المسؤولة التي يحاسب المرء نفسه عليها قبل أن يمارسها. ولكن يمكنني القول : إنني لم أتمتع بالحرية الحقيقية كما تمتعت بها في أول التحاقي بالعمل الأكاديمي في عام 1997م حين عملت محاضراً بفرع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري فرع الدوحة. إذ كان المستشار عبد الخالق صلاح مدير الأكاديمية، ورئيسها في مصر د. جمال مختار رحمهما الله يمنحاني الحرية الكبيرة في مناقشة قضايا الثقافة المتغيرة حسب ما يشغل المجتمع من قضايا مع الطلاب، بغير حجر على أخطر القضايا المجتمعية والثقافية التي ننشغل بها جميعاً. وأذكر أنني مارست الاختبارات للطلاب من الكتاب المفتوح، وربما كانت هذه التجربة من أوائل تجارب الجامعات التي طبقتها. بل تمتعت بحرية أن أطرح على الطلاب أسئلة الاختبار قبل يوم من الاختبار مشترطاً أن أرى شخصية الطالب أو الطالبة في الإجابة وليس ما ذكرت أنا في المحاضرات من رؤية، ومتفقاً معهم علميّاً أن من يذكر ما قلته في المحاضرة نصاً فلن ينال درجات، وربما لم ينجح أصلاً!
★ أصدرتم كتابي "الإسلام والغرب" و "الموقف الثقافي الإسلامي: إلى أين؟". بعد عقود من الحوار، هل نحن اليوم أقرب إلى فهم متبادل مع الآخر أم ما زلنا ندور في فلك الصور النمطية؟
- في مسألة الحوار بين الإسلام والغرب علينا أن نتوقف عند معضلتين أساسيتين:
الأولى: لا بديل عن الحوار بين كل البشر وليست الحروب، فالحوار طريق ممهد بين شعب وآخر أو قل بين حضارة وأخرى.
ولا يخفى على أحد أن مثل فضيلة الحوار كانت أصلاً ومازالت في ثقافتنا الإسلامية منذ العصور الأولى، ومنذ التوجيه القرآني لجميع المسلمين بينهم وبين أي اتجاه فكري آخر حتى مع المناهضين لهم، وكل يأتي ببرهانه.
وآداب هذا الحوار متوافرة في كتب المفسرين والمفكرين لا داعي لسردها هنا. ولكن هذا الحوار ينبغي أن يكون من موقف القوة الفكرية لا الضعف، فلا يمكن أن يكون مع إحساس بالانهزامية لدى مفكرينا. بل نحن من يملك الفكر والخير للبشرية جمعاء. ولعل في حوارات د. محمد عمارة رحمه الله مع الاتجاهات المناوئة للحضارة الإسلامية أنموذجاً راقياً لما أذهب إليه.
أما المعضلة الثانية فهي الوعي بالآخر، وهو وعي ضروري يتأصل على مر العصور بأن الآخر لا يريد خيراً لأمتنا، بل يعمل استراتيجياته لتدميرها منذ بدء الرسالة إلى اليوم. فإذا امتلك عقلاء الأمة هاتين الحقيقتين ربما استطاع الحوار خاصة بين العقلاء، أن يثمر ما يحقق للبشرية خيراً. وما ذكرته من الصورة النمطية على مر العصور تحتاج بالفعل إلى تغيير وإلى وعي مستمر لحوار لا غنى عنه إذ هو بديل الحروب بين الاثنين يقيناً.
ونحن اليوم وبعد أن تمكن "طوفان الأقصى" أن يهز أعتى الحصون وحتى اليوم يزل أركاناً شعبية وأكاديمية لم تكن تفهم صورة أمتنا ولم تكن تعرف حقائق الأمور، حتى استطاع طوفان الأقصى أن يبرز القضية ويكسب أنصاراً لم يتوقع يوماً أن يكونوا في صف القضية. وما أجدرنا أن نواصل الحوار بين الإسلام والغرب في ضوء المكتسبات التي حققها الفلسطينيون بهذا الطوفان.
★ أنتم مدير صالون "أقلام ذهبية" الشهري بنقابة الصحفيين. ما الدور الذي ينبغي أن تقوم به الصالونات الثقافية اليوم؟ وهل ما زالت قادرة على إنتاج فكر أم تحولت إلى مناسبات اجتماعية؟
- الصالونات الثقافية هي مظهر الوعي الحقيقي اليوم لجميع المثقفين وغيرهم، بديلاً عن تقاعس وغياب المؤسسات الرسمية عن القيام بدورها في نشر الوعي والقيام بعملية التثقيف وإنارة الطريق، فلا يتجه الشباب نحو أي فكر لا ينسجم مع طبيعة أمتنا الثقافية.
وأرى أن هذه الصالونات قادرة على القيام بهذا الدور إلى حد كبير. وربما حين أسست مع الأستاذ نشأت المصري صالون "أقلام ذهبية" الذي يعقد السبت الأول من كل شهر بنقابة الصحفيين كنا ومازلنا نعتبر أنفسنا بنقادنا وأدبائنا الذين نشرف بهم امتداداً لصالون المفكر والأديب عباس محمود العقاد. إذ نحرص على لقاءات مثمرة وفاعلة بين الأدباء والنقاد مما يثري الحركة الأدبية والثقافية في المجتمع، سواء كانوا صحفيين أو مبدعين. وما يسعدنا أن نرى تقدم أدبائنا وأعضاء الصالون في تواصل دائم ومتقدم مع المؤسسات الثقافية الرسمية ونيلهم جوائز منها وحصولهم باستمرار على منح التفرغ للإنتاج الأدبي.
إن الوعي الذي لا يفارقنا يجعل صالوننا غير مهتم بأن يكون مناسبة اجتماعية كما ذكرت، وإن كانت الرابطة الاجتماعية بين أعضاء صالوننا غير منكرة. لكننا دوماً نأخذ بيد المبدعين والأدباء خاصة زملائنا الصحفيين نحو الإتقان والتقدم والرقي الأدبي والثقافي.
★ عملتم مستشاراً إعلامياً لعدد من المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والتنموية. ما أبرز أسباب فشل المؤسسات العربية في إدارة خطابها الإعلامي؟
- أما أسباب فشل المؤسسات العربية في إدارة خطابها الإعلامي فهو بالدرجة الأولى عدم تولي المختصين المؤهلين بالشأن الإعلامي هذه الإدارة. وقد تكررت مقولة مؤلمة وهي أن الإعلام صار مهنة من لا مهنة له، وقد أميل إلى صحة هذه المقولة. حيث رأيت في بلاد عربية وغربية نجاحات لتلك المؤسسات حين يتولاها من هو مؤهل معرفياً للقيام بهذا الدور. وتلك الرؤية يمكنني أن أطبقها على بلدان كثيرة وجنسيات شتى. فإذا تولى إدارة المؤسسة الإعلامية من هو مؤهل معرفياً تمكن يقيناً من نجاح تلك المؤسسة. وقد أشرفت على بعض الرسائل الجامعية التي أثبتت تلك المقولة. فإدارة المؤسسة الإعلامية علم يدرس في أكثر من جامعة عربية، كما توليت تدريس مادة إدارة المؤسسات الثقافية وأصدرت عنها كتاباً بالقاهرة منذ أربع سنوات.
★ تولّيتم إدارة تحرير مجلة تربوية، والتدريس بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا. كيف تقرؤون واقع التعليم العالي والبحث العلمي في وطننا العربي؟ ولماذا تحول البحث عند البعض إلى وسيلة للترقية لا إلى وسيلة للمعرفة؟
- التعليم العالي والبحث العلمي واقع تحت براثن الأزمة التي تعيشها أمتنا، سواء كانت أزمة مادية أو معرفية. والواقع مؤسف. فإذا تناولنا موقع الأستاذ الجامعي وهو عصب التعليم العالي فهو اليوم لا يتفرغ للبحث والمعرفة قدر ما يحاول البقاء على قيد الحياة! وسواء كان هذا هو الواقع في مصر أو في بلدان عربية -ربما غير خليجية- فهو واقع ينطق به كثيرون. كما تنطق به مخرجات هذا التعليم من طلاب لا يقرأون وربما يتخرجون وهم أميون، إلا من رحم ربي. وقد اشتكى جموع من الأساتذة من هذا الواقع، وكان الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض الناقد والمؤس معنا في صالون أقلام ذهبية أكثرهم صراخاً من واقع الحال لدى الطلاب.
أما قضية الترقية لدى الأساتذة فهي قضية معاصرة للحال الذي وصلت إليه مؤسساتنا التعليمية. ينشغل بها الأستاذ الجامعي أكثر من انشغاله بالفعل من اكتساب ونشر المعرفة ومحاولة توجيه جيل جديد يحمل مستقبل أمته.
★ من بين مؤلفاتكم "اعرف عدوك". من العدو الحقي في معركتنا الثقافية اليوم؟ أهو الخارج أم هو الجهل والتفكك الداخلي؟
- العدو الحقي لا ينفك هو متوزعاً بين عدو خارجي تمثله الصهيونية العالمية، وفي الوقت نفسه هو الجهل الذي يعتري شباب أمتنا، سواء جهلهم بتاريخهم الحضاري أو جهلهم بعدم التوق إلى المعرفة المعاصرة. وهذا لا ينفي تفرد متفوقين استطاعوا إثبات وجودهم من شبابنا بين شباب العالم في مسابقات عدة عالمية. ولكنني أتحدث عن الجموع التي نراها مستنفرة حول ظواهر فنية فارغة، بل ومنحرفة عن ثقافة أمتنا كما رأينا مؤخراً من رجال ينتمون لظواهر فنية يرتدون ملابس نسائية. أقرأ تلك المظاهر على أنها جهل من هؤلاء التابعين بثقافتنا، ولو امتلأوا بالمعرفة ما كان هذا حالهم أبداً.
المعركة داخل أمتنا ثقافية بالدرجة الأولى، ويرتبط تقدمنا الحضاري بالانفكاك من أسر التقليد ومحو شخصيتنا من خلال غزو ثقافي يحمل استراتيجية محونا من الوجود بل مسخنا من هويتنا الحضارية. أقول: العدو خارجي وداخلي معاً.
★ طرحتم في كتابكم "أوراق في الرضاعة الثقافية" مفهوماً مهماً. ما المقصود بالرضاعة الثقافية؟ ومن الجهات التي ترضع وعي الإنسان العربي اليوم؟
- الرضاعة الثقافية مصطلح اهتممت به في فترة مبكرة من شبابي، حين أدركت عمق المشكلة الثقافية في واقع أمتنا. وقد اهتممت بتلك القضية منذ قراءاتي لكتابات مالك بن نبي حول المشكلة الثقافية، كما تبلور إحساسي بالقضية عبر قراءاتي لفلسفة الحضارة لدى مفكرين غربيين. ومن ثم كنت حريصاً في أغلب أعمالي الصحفية وحواراتي على إثارة القضية ومحاولة سبر أغوارها. فما لم تكن الرضاعة الثقافية ضرورة للنشء فلا أمل في شبابنا بعد ذلك في قادم الأيام. فالنشء يرضع لبناً، لكن الرضاعة الثقافية تتوازى ولا تقل عن رضاعة الألبان.
وليس أكثر من ثقافة الوالدين مؤثراً لرضاعة النشء ثقافياً، بالنهل من مصادرها الثقافية التراثية والمعاصرة، ومحاولة تشكيل الهوية الحضارية لهذا النشء مما يؤهل الشباب للقيام بدوره في بناء الأمة والوعي الذي يحافظ على هويته وسط متغيرات تعصف بكل الثوابت اليوم.
★ أشرفتم وناقشتم عدداً من رسائل الماجستير والدكتوراه. ما أبرز الإشكالات التي تعاني منها الأطروحات الأكاديمية العربية؟
- الأطروحات الأكاديمية العربية اليوم تفتقد الأصالة والإبداع إلى حد ما، حيث تعاني من الشح في مصادرها الأصيلة. ورغم تعدد منصات المعرفة اليوم، وتوسع شبكات العلوم عبر الإنترنت فإن استفادة الباحثين العرب منها مازالت محدودة. ويمكننا القول بإباحة استفادة الباحثين من شبكة الإنترنت ولكن في حدود معينة تضعها كل جامعة حسب قواعدها التي تضعها. فنحن في جامعة لاهاي نسمح بنسبة محددة، ونكشف عن ذلك بتطبيق معين، مع ذكر تاريخ الأخذ من الشبكة.
لكن المعضلة التي تعاني منها أغلب الدراسات اليوم هي السرقة العلمية، التي تعتري بعض الدراسات الأكاديمية اليوم في أعرق الجامعات العربية!
لقد أرجعت عدداً من الرسائل الجامعية حين اكتشفت نقلها لصفحات من رسائل ومصادر أخرى ليس استشهاداً بفقرة تؤيد وجهة نظر صاحبها بل نقلاً دون ذكر المصدر لصفحات كاملة. كما عانيت من عدم بروز شخصية الطالب في رسائل الدكتوراه خاصة. وهي ما لم تتوافر في رسالته فهي في نظري والعدم سواء. فبعد الدكتوراه يصبح الطالب مرجعاً في تخصصه، فما لم يكن قادراً على تكوين رؤية متميزة في بابه فلا يستحق أن يجاز في الرسالة أبداً.
وقد تمسكت بهذا طبقاً لما تعلمته على يد أستاذي أ.د. محمد عبد الرحمن شعيب عميد كلية الألسن بجامعة عين شمس رحمه الله وأثابه عني خيراً. والذي أتعبته كثيراً حتى أجيزت الرسالة ومنحني درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى. وقد تمثلت ما تعلمته على يديه من أهمية بروز الشخصية في فقرات رسالة الدكتوراه كمبدأ أساسي لا تنازل عنه مطلقاً.
★ كتبتم عن "جماليات الفنون المسرحية" و "متاهات السقوط في المسرح المعاصر". أين مكانة المسرح العربي اليوم؟ ولماذا تراجع تأثيره في معالجة قضايا المجتمع؟
- المسرح كفن بل أبو الفنون قادر على تغيير العالم إذا تمسك برسالته في السمو بالنفس الإنسانية والارتقاء بها.
والمسرح مثل أي فن أو كلمة مكتوبة لا ينمو نمواً طبيعياً إلا في مناخ من الحرية المسؤولة وليست الفوضى. التي جعلت المصادر الدينية تحرم المسرح مئات الأعوام في عصور قديمة كعصر الرومان، وذلك حين استشرى الانحلال الذي يبعد عن رسالة العمل المسرحي أساساً. فالأصل فيه السمو والارتقاء بالإنسان لا السقوط والانحلال، وليس في ذلك حجر على الحرية بلا انسجام مع الرسالة الأساسية للمسرح.
في عالمنا العربي قل أن يتمتع المسرح بالحرية المسؤولة بحكم الاستبداد السياسي والمجتمعي المستشري في المجتمعات العربية. ومن ثم فلا نهوض للمسرح، ولا قدرة على معالجة قضايا المجتمعات. ويصبح الفعل المسرحي فرصة لبث التغييب ونشر اللهو المفرغ بين أفراد المجتمع. بل هو في بعض حالاته قادر على إلهاء الجماهير عن قضاياهم الأساسية، بالكوميديا الفارغة، والإسقاطات والمقولات المكررة التي يسمح بها النظام السياسي كتفريغ لشحنة متوقدة لدى أفراد المجتمع. هنا لا يوجد مسرح وذلك لسبب بسيط هو افتقاده لدوره التنويري في المجتمع.
★ عشتم وتعملتم بين مصر وقطر وهولندا. كيف تنظرون إلى تشكّل هوية الشاب العربي الذي يدرس في جامعة غربية وهو يعيش في بيئة عربية؟
- الشباب العربي يمتلك وعياً فريداً سواء أكان يدرس في جامعة عربية أو غربية، وهو يتشكل منذ نعومة أظفاره واعياً لانتمائه. قل أن يفقد هذا الانتماء بمكان دراسته. ومن ثم فإن الهوية تتشكل معه بحكم الانتماء الذي يغلب على جموع الشباب. ولعل وجود الدواوين والمجالس في بعض الدول العربية مما يساعد على إدراك الانتماء وتشكل الهوية منذ النشأة الأولى.
وما نراه من التغريب الذي يبدو عند بعضهم لا يعبر عن جموع ما التقيته من شباب في بلدان مختلفة وجامعات عدة قدر لي أن أحاضر فيها. أقول إنني لاحظت هذا الاعتزاز بالهوية العربية والإسلامية عند الأغلبية من شباب أمتنا، وقل من قابلت من فقدوا هويتهم بحكم الإعجاب لأول وهلة بما لدى المجتمع الغربي من مظاهر. وقد عاد أغلبهم إلى مجتمعاتهم العربية وتبوأوا مناصبهم وتواصلوا في مسيرة الأخذ بيد مجتمعهم تطويراً ونجاحاً بشكل واضح.
★ عضو في هيئات تحكيم ونشر. لماذا لا يقرأ المثقف العربي نتاج المثقف العربي؟ وأين يكمن الخلل؟
- المثقف بداية هو من يكون قادراً على التفكير الإيجابي بل التفكير النقدي مختلفاً عن سائر أفراد المجتمع. وليس المثقف هو من يحوز على شهادات أو جوائز عادة ما تكون موجهة. وعدم ممارسة فعل القراءة لأي فرد في المجتمع هو الموت الذي لا حياة فيه، فالقراءة هي مفتاح الحياة الحقيقية لأي مجتمع. وأحياناً أتحسر حين أرى الإنسان الغربي ينتظر الحافلة وبيده كتاب يقرأه بينما لا أجد تلك العادة لدى القارئ العربي.
والمثقف العربي نتاج لهذه المفارقة، فهو يقرأ ولكنه يوجد في مجتمع لا يقدس القراءة كما في مجتمعات غربية. هذه هي المعضلة الرئيسة ومكمن الخلل لحياة المثقف العربي وإشكالاته مع مجتمعه. والأصل في الفعل الثقافي أنه تغييري، ومن ثم قالوا إن المثقف هو من يقف على يسار سلطة مجتمعه فهذا هو دوره.
★ درّبتم أجيالاً من الإعلاميين في المراكز الثقافية والنوادي القطرية. ما أهم المهارات التي تنقص الإعلامي العربي الشاب في عصر وسائل التواصل؟
- الإعلامي العربي متوقد الذهن والبحث إذا أراد أن يبني نفسه. وليست الشهادة التي يمكنه أن يحملها في دراسته الجامعية إلا تدريباً مبدئياً على السير في بداية الطريق. والحقيقة أني أرى الجامعة قادرة على أمر أساس هو إعداد الطالب الجامعي ليملك مهارات البحث العلمي أكثر منه قادراً على تحصيل العلم. ومن ثم فما بعد الجامعة هو بداية الطريق لإعداد الطالب للحياة العملية عبر الدورات والتدريبات المنهجية في مشواره العملي. وهذا ما حاولت القيام به في دورات نظمتها في بعض النوادي العربية "في قطر كمثال".
أما الإعلامي العربي اليوم فهو في مواجهة تحديات جمة إذ تحاصره تقدمات وتغيرات متسارعة في وسائل التواصل الاجتماعي بأكثر مما نتخيل. وما لم يسارع في اكتساب مهارات مستمرة فهو بالفعل خلف المجتمع بل خلف الزمن. وأقول مهارات مستمرة لأن ما يمكن أن يجيده الإعلامي العربي اليوم ربما في غضون أشهر قليلة لا يمكن التعامل مع تلك المهارات أو الوسائل نظراً للتطور المستمر لها بشكل يفوق الخيال الإنساني، وليس التطور الذي أملاه علينا الذكاء الاصطناعي عنا ببعيد.
★ لكم كتاب تحت الطبع بعنوان "صناعة الأفكار: الفقه الغائب". ما هو الفقه الغائب الذي نحتاج إلى استعادته اليوم؟
- الفقه الغائب في نظري هو فقه صناعة الأفكار. فلا توجد نوعية الدراسة التي تؤهل الدارس ليكون مفكراً قادراً على طرح تفكير متفرد يقف به أمام مجتمعه ليقوده ولا يكون تابعاً لسلطة من السلطات، بل قادراً على قيادة مجتمعه نحو تقدم مأمون.
لم يكن ابن خلدون إلا مفكراً أو متفكراً بتعبير أوضح قادراً على أن يبصر مجتمعه بمعالم الطريق. هذا هو الفقه الغائب الذي يجب أن يدركه المجتمع مرحباً بتكوين مفكر بين أفراده. والتفكير هو القادر على أن يخلق أنساقاً من العلاقات بين الأفكار المطروحة في مجتمعه ليخلص منها إلى أفكار تقدمية بل وتنويرية غير مسبوقة يتطلع لها المجتمع أملاً في حل مشكلاته وإنارة الطريق أمامه لينمو نمواً طبيعياً بعيداً عن الأحداث أو الأفعال العنيفة التي لا تبني حضارة ولا تؤس لتقدم.
وهذا ما استلمه شراح الحضارات، فإن الذي ينهض بمجتمع أو يبني حضارة هم ثلة من قادة الفكر. ويمكن مراجعة ويل ديورانت في موسوعته "قصة الحضارة" لتتفق معي في أن هذه الثلة هي الفقه الغائب عن مجتمعاتنا التي اهتمت بالشيئية على حساب القيمية الفكرية. وهذا ما أدعو إليه في هذا الكتاب الذي أرجو الله أن يعينني على إكماله.
★ بوصفكم أستاذاً للنقد والثقافة لأكثر من أربعة عقود، بماذا أسهمتم في المشهد الثقافي العربي؟ وما الفكرة أو الكتاب الذي تتمنون أن يبقى أثراً بعدكم؟
- الأثر الذي أود أن يبقى بعد وفاتي هو اكتمال رؤاي النقدية والثقافية. ففي عالم النقد الأدبي قدمت عدة دراسات أسأل الله أن تكون علامة في تأسيس منهجية نقدية -إذا صح التعبير- مفادها الاستفادة من كل مناهج النقد العربي القديم الذي قدم تراثاً معرفياً عظيماً، وفي الوقت نفسه عدم رفض الحداثة الغربية. رغم أنها تبدو أمام نقدنا العربي القديم مجرد مدرسة ابتدائية تحاول أن تتفلسف لتبدو جامعة مانعة، وهي في حقيقتها كما تبدو لي في الدرس النقدي تخطو خطوات الطفل رغم مرورها بمراحل وأزمنة وظروف ومناخات مختلفة. لقد تمعنت في كل تلك الرؤى النقدية بمخاضاتها المتعددة من النقد الفرنسي والشكلاني الروسي وما بعد الحداثة الغربية وبدت لي طفلاً يحبو أمام نظرياتنا القديمة.
إن رؤى عبد العزيز حمودة ذلك الناقد المحترم في "مراياه المقعرة والمحدبة" وغيرها هي الرؤى التي أبانت حقيقة الهوس بنظريات الحداثة التي أخذت بلب بعض نقادنا وجعلتهم يغفلون عن هويتهم بل ويقلعون عن فكرة قيام نظرية نقدية عربية، أو حتى التمسك بجذور النقد العربي القديم الذي أسسه الجرجاني وغيره في نظريات أراها اليوم متقدمة على رؤى دوسوسير وغيره من الغربيين.
حاولت في كتبي النقدية أن أجذر لتلك الرؤى بمنهج نقدي تكاملي أطبقه فيما أقرأه من أعمال أدبية اليوم سواء عبر صالون أقلام ذهبية أو استضافاتي في صالونات أدبية أخرى أو فيما لم يصدر من كتبي بعد. ويبقى كتابي "تصوير الشخصية الدينية في المسرح المعاصر" في نظري هو الأهم وأن يتقبله الله مني في حياتي وبعد مماتي.
★ هل ترون أن للمثقفين وعلماء العلوم الإنسانية في الوطن العربي دوراً فاعلاً اليوم؟ وما الذي تقترحونه لتفعيل دور العلوم الإنسانية والنقد في نهضة مجتمعاتنا العربية؟
- المثقفون الحقيقيون هم قادة الفكر الفاعل في أي مجتمع. وإذا كان الكاهن قديماً هو الذي يقود اتجاهات مجتمعه زمناً، والساحر حيناً فقد أصبح الشاعر حيناً والفقيه حيناً آخر. أقول إن أهل الفكر وقادته هم القادرون على الأخذ بيد مجتمعهم نحو التقدم المأمول، سواء أكانوا هؤلاء هم أهل العلوم الإنسانية أو الفلسفية. وفي غير إجهاض لدور علماء العلوم الطبيعية أو الرياضية، فإن أهل الفكر الإنساني هم موجهوه وقادته في كثير من عصور التاريخ. وما لم يتمكن هؤلاء من تفعيل دورهم فإن نمو مجتمعاتهم هو نمو ناقص أو متخلف. هم من يبشرون بالأفكار، وهم الذين يناقشون اتجاهات مجتمعاتهم بين دفع ورجع، وهي بيئة النمو الراشدة عبر كل عصور التاريخ.
★ كلمة أخيرة لشاب في العشرين من عمره يقول: الثقافة ترف لا يطعم خبزاً. بماذا تردون عليه؟
- أرد على هذا الشاب بأن حكمه ظالم، أو أقول إنه لم يدرس تاريخ الأفكار وهو ما أطلقت عليه آنفاً "الفقه الغائب". فالثقافة وأهلها هم القادة الموجهون لمسيرة أي مجتمع. ولا يوجد تاريخ لأمة تفاعل فيها الفكر والثقافة ولم تتقدم.
وسواء كنت مهتماً أو غير مهتم بالثقافة فهي تخالطك في كل أمر. فالأكل وطريقته ثقافة، والملابس ونوعها وشكلها ثقافة، وكل ما يتعلق بالإنسان ويمارس التواصل معه ثقافة. فكيف يمكن الاستغناء عنها؟ الاستغناء عنها هو موت للمجتمع والأفراد بلا شك عندي. وينبغي ألا يكون مطمراً في مناهجنا التعليمية دور الثقافة والفكر، بل يجب أن يؤس على إدراك دور الثقافة والفكر في المجتمع. وليس كل شيء أمامنا له مردود أو مشهد مادي، بل إن الدور الذي لا يدركه إلا القلة هو الدور الفاعل كما يؤكد الدرس الحضاري للبشرية بكل اختلاف أممها منذ العصور الأولى وحتى اليوم.





