مساحة إعلانية
حاورها: مصطفى علي عمار
من ياسمين الشام إلى فراشات الأطفال.. ميادة مهنا سليمان: أكتب لأن الكلمة وطن
حين تكونين ابنة دمشق، وتدرسين أدبها، وتدرّسين لغتها، وتديرين مدرستها، ثم تحملي ياسمينها إلى الصحافة العراقية والمصرية والجزائرية واليمنية والليبية... فأنتِ لا تكتبين وطناً واحداً، بل تصنعين وطناً من الورق.
ضيفتنا اليوم هي ميادة مهنا سليمان. شاعرة وقاصة وروائية وناقدة سورية، لكنها قبل كل ذلك "معلمة كلمة".
حاصلة على دبلوم دراسات عليا في الأدب العربي من جامعة دمشق، عملت مديرة مدرسة ومؤلفة مناهج للأطفال الناطقين بغير العربية، ومراسلة لموقع "ديوان العرب" في سوريا، ومدققة لغوية.
في جعبتها 10 كتب مطبوعة فردية. بدأت بـ "تباً للقرنفل الأحمر" 2017، ومرت بـ "حكايات شامية" التي تحولت من قصص إلى مرجع نقدي بست قراءات، وصولاً إلى "يُخلق من الشبه ياسمين" 2026 في الومضات، و "حكايات ماما ميادة" 2026 لأطفال اليوم. لكن ميادة لا تكتب لنفسها فقط. هي "نجمة القصة القصيرة جداً" من فلسطين، و"ملكة سوق عكاظ" من العراق، وإحدى أبرز 100 شخصية أدبية في العالم العربي من الجزائر. فازت بالمركز الأول في القصة الساخرة من اتحاد الكتاب العرب، والأول في قصة الطفل من وزارة الثقافة السورية.
كتبت الشعر فغنى لها الملحنون العراقيون والسوريون والفلسطينيون.
كتبت للطفل فأشرفت على "واحة الطفولة" و"فراشات الحياة".
كتبت النقد فصار لها كتاب "في رحاب السرد القصي".
وقدمت الإذاعة بصوت "فراشة الصباح" والتلفزيون في "وراق الورد".
ميادة ليست كاتبة متعددة المواهب فقط. هي نموذج للمثقف العربي الذي يرفض أن يحبسه جدار واحد. تكتب للكبير والصغير، للسياسة والحب، للسخرية والحكمة، للشام وللعالم.
وفي هذا الحوار المفتوح نتوقف معها عند أسئلة: كيف نصنع من اللغة وطناً؟ وكيف نكتب للطفل في زمن الكبار؟ ولماذا لا يزال الياسمين ينبت رغم كل شيء؟
★ عرّفينا بنفسك في سطرين... أنتِ الشامية التي كتبتِ للعالم العربي كله.
ميّادة مهنّا سليمان
أحملُ الجنسيّةَ الياسمينيّة
وهبني اللهُ إبداعًا في جميعِ الأجناس الأدبيّة
★درستِ الأدب العربي وتخصصتِ في الدراسات العليا، وعملتِ مديرة مدرسة ومؤلفة مناهج للأطفال... هل التدريس علّمكِ كيف "تدرّسين" القضايا الكبيرة في نص أدبي صغير؟
نعم، بالتأكيد، فالتدريس في جوهره عملية انتقاء لما يناسب ذهن الطالب وعمره، لأن الكلام الزائد يفقد الفكرة وهجها سواء في التعليم أو في الكتابة؛ أنا أتمسك بالجوهر، فهناك قضايا مهمة لا تحتاج إلى مجلدات لنحكي عنها، بل تحتاج إلى عدسة تلتقط المشهد الإنساني البسيط وتظهره أمام الآخرين.
التدريس علّمني أن الطالب والمتلقي لا يحتاجان إلى وعظ، بل يحتاجان إلى دهشة ومتعة سواء في الاستماع أو القراءة.
★ لقبكِ "نجمة القصة القصيرة جداً" من رابطة فلسطينية، و"ملكة سوق عكاظ" من العراق... كيف تنظرين لعلاقة الأديب السوري بالساحة العربية اليوم؟ هل هي تواصل أم غياب؟
بل تواصل، فالأدباء السوريون ينالون جوائز عربية في أجناس أدبية مختلفة، ويشاركون في أمسيات وندوات عربية عن بُعد، ولهم حضور في بعض المهرجانات، والأدب السوري يطرح قضايا مهمة، ويحمل همومًا إنسانية في كثير من الأحيان.
★ كتبتِ في الصحافة العراقية والمصرية والسودانية والجزائرية والليبية واليمنية... ما الذي تعلمتِه من الصحافة العربية خارج سوريا ولم تجديه في الداخل؟
تعلمت أن الهم العربي واحد، لكن أدوات التعبير عنه تختلف من دولة إلى أخرى، ففي سوريا مثلًا نكتب ونحن محكومون بقوالب رسمية أمنية وسياسية فرضت نمطًا تقليديًا شائعًا، بينما العمل في هذه البيئات المتعددة كسر تلك النمطية، وشعرت أني أستطيع التحليق بعلوّ وخفّة في سماوات أكثر رحابة.
★ أشرفتِ على صفحات "واحة الطفولة" و"فراشات الحياة" و"ضيف ميادة"... هل تعتقدين أن أدب الطفل هو أخطر أنواع المقاومة الثقافية اليوم؟
نعم، هو الأخطر، لأن من يكتب حكايات الأطفال اليوم هو من يبني عقول شباب الغد، وأدب الطفل المقاوم لا يعني بالضرورة الشعارات المباشرة بل يعني أن يحمل الرمزية، فيمكن لقصة بسيطة عن شجرة زيتون صامدة أن تزرع في نفس الطفل مفاهيم الحرية والعدالة والتمسك بالحقوق بشكل أعمق من نصوص طويلة.
عندما يقدّم أدب الطفل قيم المقاومة والاعتزاز بالهوية ورفض التبعية، فإنه يبني حصانة فكرية، ويؤسس لجيل يعرف كيف ينتزع حقوقه.
★ صدر لكِ "حكايات شامية" 2021 ثم طبعة ثانية مع 6 قراءات نقدية 2024... ماذا أضافت الشام للحكاية بعد 3 سنوات من الحرب؟
لم تعد الحكاية الشامية مجرد سرد تراثي أو حنين لزمن مضى، بل صارت شاهدًا حيًا على اليوميات القاسية التي يعيشها الإنسان.
مجيء الطبعة الثانية مع ست قراءات نقدية في 2024 منح النصوص عمقًا أبعد، وأثبت أن الحكاية الشامية قادرة على استيعاب قراءات متعددة تتجاوز الألم الفردي ليصل إلى عقل وقلب القارئ.
★ لديكِ كتاب نقدي "في رحاب السرد القصصي" دراسات في الومضة والخاطرة... هل الناقدة ميادة تقتل الشاعرة ميادة أحياناً؟
الناقدة تمنح الشاعرة أدوات الوعي والبناء، ولا تقمع العاطفة أو الإلهام.
النقد ينتبه إلى الضعف في النص لتخرج القصيدة أكثر تكثيفًا وجمالًا، النقد هو حراسة النص الأدبي، والحارس لا يقتل إن كان أمينًا.
★ كتبتِ شعراً، قصة، رواية، مقامات، حكمة، سيناريو، ومسرح أطفال... أي جنس أدبي يشبهكِ أكثر وأيهم تتعبين فيه أكثر؟
كل جنس أدبي كتبته يمثل جزءًا من شخصيتي:
الشعر يشبه مشاكساتي الطفولية، وهو رسول مشاعري، أما الأجناس الأدبية النثرية فهي متعة الروح في الاسترسال واسترجاع الذكريات وخلق شخصيات تتحرك أمامي.
لكن الأكثر تعبًا هو الرواية ومسرح الأطفال والسيناريو؛ الرواية تحتاج إلى جهد كبير وضخم وتعديلات كثيرة.
مسرح الطفل يحتاج إلى كتابة تفاصيل كثيرة لكن بحذر، ويحتاج لتبسيط ممتع دون ابتذال.
وفي السيناريو عليكِ عبء تحويل الكلمة المكتوبة إلى صورة مرئية.
باختصار، السيناريو والرواية هما الأكثر تعبًا لأنهما يتطلبان جلوسًا طويلاً أمام الأوراق لبناء عوالم كاملة ومتناسقة.
أما الشعر والحكمة فهما يأتيان كومضة خاطفة تعبّر عني دون استئذان، ولا يحتاجان إلى تخطيط كبير.
★ ديوانكِ الأخير "يُخلق من الشبه ياسمين" 2026 ومجموعة أطفال "حكايات ماما ميادة" 2026 صدرا مع بعض... هل الياسمين والطفولة وجهان لعملة واحدة في زمن الحرب؟
الياسمين والطفولة هما وجهان لبراءة واحدة، لكن كتابي "يُخلق من الشبه ياسمين" لا علاقة له بالحرب، بل بالحب.
★ لُحّنت لكِ قصائد من ملحنين عراقيين وسوريين وفلسطينيين... هل الشعر يكتمل باللحن أم يخسر بعضاً من غموضه؟
الشعر واللحن في رأيي لا يلغيان بعضهما، بل يُكملان بعضهما، فيضيف كل منهما للآخر.
القصيدة تولد بموسيقاها الداخلية، وعندما يلتقي النص بملحن عبقري - سواء كان عراقيًا يحمل شجن دجلة، أو سوريًا يعبق برائحة الياسمين، أو فلسطينيًا ينبض بوجع الأرض - فإن اللحن لا يسرق جمالية الشعر، بل يمنحه جسدًا وصوتًا يصل به إلى قلوب ومساحات أوسع.
★ أذيعت قصائدكِ في راديو جزائري وتونسي... هل الصوت المسموع يوصل الشعر أكثر من الصوت المطبوع؟
نعم، الصوت المسموع يمتلك قدرة أسرع وأعمق على إيصال الشعر إلى الوجدان البشري.
الشعر في أصله تاريخيًا كان يُقال ويُسمع قبل أن يُدوّن، وعندما تُذاع القصيدة عبر الراديو فإنها تتحرر من جمود الورقة وتصل إلى شرائح أوسع من الناس، حتى أولئك الذين قد لا يشترون دواوين شعرية.
عدا عن ذلك الصوت ينقل النبرة الصادقة، وهو ما يجعل القصيدة تجربة حية وعابرة للحدود.
★ كُرّمتِ كإحدى أبرز 100 شخصية أدبية في العالم العربي من "الشروق الجزائرية"... هل التكريم عبء أم دفعة؟
التكريم المستحق هو دفعة معنوية قوية تمنحكِ المزيد من الثقة بأن هناك من يقدّر عملكِ وعطاءكِ، وهو في الوقت نفسه مسؤولية لتظلي محافظة على مستواكِ الأدبي الراقي وتحرصي على تطويره.
★ فزتِ بالمركز الأول في القصة الساخرة 2023... كيف نسخر من وجعنا دون أن نخونه؟
نحن لا نخون وجعنا عندما نسخر منه، بل نجرّده من سطوته علينا.
السخرية هي الطريقة التي نقول بها للألم:
أنت لا تستطيع إضعافي!
للسخرية من الوجع دون خيانته، يجب أن نحوّله إلى مرآة تكشف الحقيقة، لا إلى أداة للتخدير أو التقليل من حجم المعاناة.
★ لديكِ 4 روايات غير مطبوعة وكتاب رحلة ومجموعات شعرية صوفية... لماذا تحتفظين بها؟ هل تنتظرين توقيتاً معيناً؟
احتفاظي بهذه الأعمال هو نوع من العاطفة الأمومية للنصوص التي يلدها إلهامي، أنا لا أستطيع فتح الباب لها للخروج وهي لمّا تنضج بعد!
الاحتفاظ بها ليس تأجيلًا بلا سبب، بل هو رغبة في تقديمها بأفضل صورة ممكنة؛ كل عمل من هذه الأعمال - الروايات، أدب الرحلات، والشعر - ينتمي إلى حالة شعورية ومرحلة فنية مختلفة، وكما هو معلوم النشر ليس مجرد طباعة كتاب، بل هو فرصة لتقديم الجميل الكامل من وجهة نظر الكاتب، عدا عن أن إيجاد دار النشر المناسبة ليس بالأمر السهل، ولا سيما لإنسانة مثلي تهتم بالكثير من التفاصيل والشروط التي قد يراها الآخرون ثانوية.
★ عملتِ مديرة مكتب "أمارجي" في الحسكة، وشاركتِ في مهرجان "ربيع القامشلي" و"النخيل والياسمين"... ما دور المثقف في المحافظات خارج دمشق؟
دور المثقف هو حماية الهوية المحلية وتوثيق التراث وبناء جسور التواصل بين مكونات المجتمع والاحتفاء بالتعددية اللغوية والثقافية التي تميّز منطقة الجزيرة السورية.
★ كتبتِ "رسائل إلى يوسف" و"المقامات السليمانية"... لمن تكتبين حين تكتبين رسالة؟ ولمن تكتبين حين تكتبين مقامة؟
الرسالة هي انعكاس لدواخلي، وهي مرآة لروحي وذكرياتي، وفي كل ما كتبته من رسائل لابني وزوجي رحمهما الله كنت أكتب لنفسي أولًا، لأن تلك الكتابة كانت متنفسًا لي من وجع الفراق والاشتياق لروحين غادرتاني جسدًا.
تُكتب الرسالة لتوثيق بوح حميمي وموجه لشخص محدد ومعروف، بينما تُكتب المقامة للجمهور العام بغرض الوعظ والتعليم وإظهار البلاغة.
ومع ذلك كانت مقاماتي لنفسي أولًا ثم لقرائي ثانيًا، لأنني ضمنتها سيرتي الذاتية في مرحلة من مراحل حياتي.
★ شاركتِ في كتب مشتركة بعناوين: "شهداء العزة"، "قصائد ضد البشاعة"، "مدارات الحب"... كيف توازنين بين الشعر السياسي وشعر الحب؟
الشاعر الحقيقي لا يفصل بين نبض قلبه ونبض وطنه أو مجتمعه.
القصيدة السياسية - مثل شهداء العزة وضد البشاعة - هي صرخات دفاع عن حق الشعب في نيل حريته وفي الكرامة والحياة بسلام.
شعر الحب - مثل مدارات الحب - هو احتفاء بالحياة ذاتها التي ندافع عنها ونسعى لأن نعيشها بسعادة.
★ قدمتِ برامج إذاعية "فراشة الصباح" و"ياسمين الشام" وبرنامجًا تلفزيونيًا "وراق الورد"... هل الإعلام يقرّب الأديب من الجمهور أم يبعده عن عزلته الإبداعية؟
على العكس تمامًا، الإعلام هو رديف للكلمة الإبداعية، وهو مساحة ثانية لنشر الفكر الجميل، وهو إضاءة على ما نرغب تسليط الضوء عليه، فالجمهور القارئ والمستمع والمشاهد كلهم يحتاجهم الكاتب ليكونوا الداعم المعنوي له، فيزداد إبداعًا وعطاءً وحرصًا على الإتيان بالأفضل دائمًا كي يظل عند حسن ظنهم به.
★ تُرجمت "قرية الفراشات" للإسبانية في 10 أجزاء... هل تخافين أن يضيع المعنى حين يسافر النص بلغة أخرى؟
لا، حين يكون المترجم متمكنًا مثل الدكتور أحمد زاهر لكحل تكون هناك إمكانية جمالية لتسافر فراشاتي عبر العالم؛ القصص بعد ترجمتها لم تسافر وحيدة، بل كان إحساسي معها وهي ترفل باللغة الجديدة.
الكلمات بالترجمة يتغير شكلها، لكن الروح تبقى ما دام المترجم ماهرًا.
الضياع الحقيقي يحدث حين يتجمد النص الأدبي في مكانه ولا يحظى بقراءة أو اهتمام من أحد.
★ سؤال أخير: بعد كل هذه الجوائز والكتب والألقاب... ما هو الشيء الوحيد الذي لم تكتبه ميادة وتتمنى كتابته قبل أن تغلق الدفتر؟
من فضل الله تعالى، لا يوجد شيء تمنيت كتابته ولم أكتبه، سواء على صعيد الأجناس الأدبية المتنوعة أم على صعيد الجرأة؛ أنا أكتب كل ما يخطر في بالي، لا ألجم قلمي، ولا أضع قيودًا لحروفي، وأحمد الله أني أمتلك هذه الجرأة الأدبية التي عرّت الكثير من القضايا والأشخاص، فجاء إبداعي لينثر شعاع الحقيقة والكلمة الصادقة، وليصدح بصوت الحق في زمن التلون والخداع والنفاق والتصفيق للباطل.