مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

حسن وعروس البحر... بقلم أبو المجد الجمال

2026-01-16 09:55 PM  - 
حسن وعروس البحر... بقلم  أبو المجد الجمال
أبو المجد الجمال
منبر

في قريةٍ تميل إلى السكون، شقّ الطفل حسن، ذو السبع سنوات، ظلام الليل. يداعبه خياله كفارس الصحراء عنترة بن شداد، يقاتل الظلال ويقاوم الرعد، ويقوده الشوق والحنين إلى منزل العمة ليشاهد فيلمًا.

يا للهول… يترصّده كلبٌ وحشيٌّ مسعور، وكأنّه يختبر خياله قبل جسده.

ملأ صراخ الطفل المكان؛ جسده يغزوه العرق، ودقّات قلبه تعلو كطبول الحرب. عيناه تترقّبان كل ظلٍّ وحركة في سواد الليل، كأنّ الظلام ينزع روحه. لم يعد في عروقه دم، وعضلاته مشدودة، وصرخاته محبوسة داخل صدره، متأهّبًا للركض.

الكلب يتسنفر خلفه، يلحس كعبه، يزيده فزعًا كمخدّر بطيء، حتى تخور قواه. يقفز أمامه، وعن يمينه وعن شماله، يلاحقه بلا هوادة، كأنّه يريد استسلام الفريسة. يشدّ حسن عضلاته، وحناجر الخوف تكاد توقف دقّات القلوب، كأنّ الموت ينفجر من بين أنامل الليل بكفن الخوف.

ركض حسن مسرعًا نحو مقرّ الوحدة المحلية، وكان الطريق مسرح الحدث. كان بابها الحديدي مفتوحًا، أمّا الحارس فقد ذهب خلسة إلى منزله لتناول العشاء، ليقوى على قرصة الجليد.

برز عند المدخل عمودٌ خرَسانيّ، تفوح منه رائحة الريف، كأنّه شاهد على التراث والتاريخ. احتمى حسن به، ودار حوله كغريق وجد طوق النجاة، وكأن شعاع نورٍ يشقّ عتمة الليل ويضيء ليل الصحراء الحالك.

صوت حذائه يرن كصوت القطار، والكلب لا يهدأ ولا يكلّ، يصرّ على العضّ، يدور معه، يستمتع بلحظات ضعف الفريسة، حتى خارت قوى الصغير وكاد يسقط مغشيًّا عليه.

تمتم حسن لنفسه:

«لقد أصبحت لقمة سائغة لهذا الكلب… عشاءه الليلة!»

فجأةً، ظهر الحارس فرج، كأنّ نورًا انبثق من حضن الجبل. بثّ الدفء والسكينة، واحتضن قلب الصغير قبل جسده. كان سمينًا بوزن الجاموس، لكن قلبه أنقى من القطن في يوم حصاده. التقط عصاه، واشتعلت حرب العيون. كانت عينا الكلب تشعّان قسوةً وغدرًا، بينما تشعّ عينا الحارس رحمةً وإنسانية. طال أمد النظرات كأنّه دهرٌ ثقيل، ثم قطعت العصا حرب العيون. ناح الكلب نواحًا مهزومًا، هزّ ذيله، ونظر نظرةً أخيرة، كأنّه يقول: كم من إنسانية كسرت صهيل القوة.

سأل الحارس الطفل عن سبب خروجه ليلًا. أجاب حسن:

«أردت مشاهدة فيلم عنترة في بيت العمة المحاذي لجسر البحر، إذ لا نملك تلفازًا في بيتنا.»

ابتسم الحارس برفق، وبّخه قليلًا على جرأته، ثم تركه يمضي على قدميه.

شعر حسن بوشوشة موج البحر الغاضب، كأنه يناديه إلى عالم الأساطير، ذلك العالم الذي تحكي عنه جدته كل ليلة حتى يغلبه النعاس.

اقترب، فوجدها بثوبها الريفي الأسود، ككحل العيون، تحمل بَلاص الماء، واقفةً في قلب البحر، تدعوه أن ينزل إليها.

كانت كل خطوةٍ تقرّبه منها تشلّ حركة جسده. فجأةً قبضت قدميه، وكأن روحها معلقة بجسده، تريد أن تخرج من عالمها إلى عالمه هو.

اشتعلت حرب العيون؛ عيناها تطلقان شرارات نار، وعيناه تشعّان هلعًا وذعرًا. طال أمد النظرات في صراع الشرّ والخير، ثم تفتّق في ذهنه حلّ، حاول التحرّر برفسات متتالية، وهرول فوق الجسر، يسير كالسلاحف من شدّة الرعشة والخوف، وقلبه مثقل بآلام البشر.

وفجأةً، أضاء عمود الكهرباء وسط الجسر، فأنار طريق الظلام. اختفت الجنية، لكن آثارها لم تختفِ من قلب حسن. كان كلّ يومٍ يخاطب البحر نهارًا، فيسمعها تناديه، تتقلّب مع الموج، كأنّ البحر يبوح له بأسراره الخفيّة… لآلئ من خوفٍ ودهشةٍ لا تزول.

مساحة إعلانية