مساحة إعلانية
من يطالع، مثلي، وسائلَ التواصل الاجتماعي، ستصدمه موجةُ المدّاحين الجدد التي اجتاحت الساحة عقب نجاح الأغاني الدينية، وحصادها ملايين المشاهدات وملايين الجنيهات، على يد أسماء مثل ماهر زين، وسامي يوسف، وغيرهما. وقد فتح هذا النجاح بابَ الآمال والطموحات أمام عشرات الموهوبين الذين يملكون صوتًا جميلًا ومظهرًا جذابًا، فرأينا في السنوات الخمس الأخيرة سيلًا جارفًا من المدّاحين، فرادى أو فرقًا (جماعات)، ينزلون علينا كما ينزل السيل، فأغرقوا الساحة بمئات الأغاني التي رُكِّبت كلماتها على ألحان أغنيات مشهورة؛ أعجبت الناس حينًا، ونفرت منها حينًا آخر.
وأرى أن كل هذا لا يصنع مدّاحًا أصيلًا؛ فالمدّاح الأصيل هو الذي يقدّم كلماتٍ أصلية وألحانًا أصلية، ولا يهمه أن «يأكل الجو» سريعًا، فمع الوقت سيثبت نفسه، والناس سوف تحبه.
وفي ظني أن المدّاح الذكي هو الذي يشق طريقًا جديدًا، مختلفًا وأصيلًا، طريقًا لا يعتمد فيه على ألحان مسروقة، حتى لو سعى لإرضاء أصحاب اللحن الأصلي أو التصالح مع الورثة. ومن الممكن أن يستخدم المدّاح الذكي ألحان الفلكلور، فلن يُحاسبه أحد عليها.
وفي النهاية أقول، والله أعلم هل وجهة نظري صواب أم خطأ، إن مادح الرسول ﷺ عليه أن يكون قدوة؛ لأنني أشاهد الكثيرين، بل أغلبهم، يمدحون الرسول لأن مدح الرسول أصبح «السلعة الرائجة»، أي الأعلى مشاهدة، خاصة في هذا الواقع الاقتصادي المأزوم، ومع تعلّق الناس بذكر الله، والصلاة والسلام على الرسول، كطوق نجاة.
وفي ظني أن ياسين التهامي هو النموذج الكامل لمدّاح الرسول ﷺ. انظر إلى ثقافته الدينية، وانظر إلى أحاديثه وحواراته مع المذيعين والصحفيين، واستمع إليه كأنك تستمع إلى أديب، أو مفكر، أو شيخ طريقة، رغم أنه لا يزعم أنه شيخ أو عالم أو مفكر. كذلك انظر إلى إتقانه للغة الفصحى، واتخاذه منهج الإنشاد منهاجًا واحدًا لم يغيّره، رغم استعانته بفواصل تطريبية من أغاني العظماء، أمثال أم كلثوم، لكنه لم يركّب كلماته على ألحان مسروقة، أي على ألحان أغاني الآخرين.
كذلك أظنه كان قدوة في مظهره؛ يلبس الجلباب الصعيدي والعمامة، وهذا المظهر أكثر هيبةً وقبولًا عند عامة الناس. وانظر إلى الشيخ الشعراوي في برنامجه الأشهر خواطر إيمانية، وانظر إلى صورته النموذجية بالجلباب والعمامة، والعباءة الملقاة أحيانًا على كتفه، وأحيانًا يلبسها فوق الجلباب.
صورة المادح، بمعنى مظهره الخارجي، لا بد أن تليق بمقام الرسول ﷺ، وكذلك مظهره الداخلي؛ أي يجب أن يشعر الناس بأنه محبٌّ من قلبه للرسول، صادق في ذلك، ملتزم – ما استطاع – بتقوى الله ومنهجه.
وأخيرًا أقول للعشرات الخارجين على فيسبوك، وتيك توك، ويوتيوب، يأملون أكل العيش بمدح الرسول: لا جريمة، ولا عيب، ولا حرام أن تأكل عيشك بمدح الرسول، لكن الجريمة، والعيب، والحرام أن تمدح الرسول وأنت صوتك متكسر تكسر صوت النساء أو وأنت لابس المحزّق والملزق ،
أو تستخدم ألحانًا متهتكة لا تليق بجلال مقام المديح، أو كلمات مديح أقرب للغزل بالنساء لا تليق بسيد الرجال وأشجع الشجعان، من كان يهابه كل من يراه.
يكفي أنه خاض كل المعارك، فلم يَهِن ولم يَلِن، حتى حين هرب المسلمون منهزمين في أُحد وحنين، وقف أسدًا في المعارك، وكان الصحابة يقولون:
«إذا اشتد وطيس الحرب كنا نحتمي برسول الله ﷺ». هذا، وما قصدت سوى وجه الله، والإخلاص في النصيحة.