مساحة إعلانية
بقلم د.رقية محمود أحمد عاصي*
تتجاوز البلاغة الشعرية حدود ما تُفصح عنه الكلمات لتستقر في المساحات المعتمة بين السطور؛ حيث يغدو "المسكوت عنه" كثافة دلالية تُحفز المتلقي وتجبره على الاستجابة الفاعلة لإعادة بناء المعنى واكتشافه. وفي قصيدة "انتفاضة" للشاعر (عاطف الجندي) ، المنشورة ضمن ديوانه "العيون السود"، يتجلى هذا الفن البلاغي بوضوح؛ إذ يزاوج النص بين حرارة اللغة العامية التلقائية ذات البُعد الوجداني والشفاهي، وبين تقنيات الحذف والإضمار والتلميح، ليرسم لوحة مقاومة تشكل الفجوات والمسكوت عنه جزءًا أصيلًا من بنيتها الثورية والجمالية.
أولًا: العتبة النصية ودلالة العنوان
لا يمكن فصل قصيدة "انتفاضة" عن الفضاء العام لديوان "العيون السود"؛ إذ يمثل العنوان العتبة النصية الأولى التي تفتح أفق المسكوت عنه أمام القارىء. فالعيون في الجماليات الأدبية هي موطن الفصاحة الصامتة، والتعبير بالرمز والنظر الذي يختزل ما لا تستطيعه الألفاظ. واختزال الديوان في "العيون السود" يمهد لقصيدة تعتمد على النظرة، والملاحظة، والرصد الصامت للحالة الوطنية، فالسواد هنا يتأرجح بين لوعة الحزن وأسى الفقد على واقع الأمة، وبين الكثافة والغموض الذي يختزن البركان الثوري بداخله؛ ليكون العنوان نفسه أول مظهر من مظاهر البلاغة الخفية قبل الولوج إلى أبنية النص.
ثانيًا: سكات الوطن وتأويل الصمت
يبدأ النص بمناجاة درامية استغاثية موجهة للذات الجمعية (الوطن/فلسطين) حيث يقول الشاعر:
من سكاتك إرحمينى
سمعينى صوت بارودك
فالصمت هنا مسكوت عنه يحمل في داخله بركانًا مؤجلًا، فالشاعر يمتنع عن تفسير أسباب هذا السكات، بل يتركه معلقًا بين حيرة العاشق وتوجس المقاوم، قبل أن يعود ليملأ هذا الفراغ الوجداني باليقين والرهان الصادق:
عارف إنك تقدرى
النص يراهن هنا على البعد الخفي لقوة الذات الوطنية، ليتحول النص ذاته من حالة انكسار إلى إشارة بليغة لزلزالٍ قادمٍ وتحولٍ مرتقب، حيث يغدو الصمت إيماءً بليغًا بالجاهزية للانتفاض.
ثالثًا: التناص الضمني وإسقاط التفاصيل
تعتمد القصيدة تقنية الإشارة المقتضبة التي تستدعي مجريات تاريخية وسياسية كاملة دون التورط المباشر في التفاصيل الخطابية أو التقريرية، استنادًا إلى وعي القارئ ورصيده المعرفي والتاريخي:
1-الصمت العربي والانقسام الإقليمي:
يظهر المسكوت عنه جليًا حين يخاطب النص الأرض موثقًا خذلان أبنائها:
وِلْدِكْ العشرين وأكتر / ليه سابوكِ
كل واحد قال يا نفسى
الشاعر هنا يتجاوز تسمية العواصم أو تتبع المعاهدات والاتفاقيات، بل يكتفي برقم رمزي ينطوي على مرارة المسكوت عنه في الخطاب الرسمي العربي، مستحضرًا مشهد الشتات والتفكك بعيدًا عن الخطابية المباشرة.
2-المقاومة والتداعي الرمزي:
ويتضح ذلك جليًا في قوله:
نصرْ م الحزب اللى باسم الله عملها
يسقط النص أسماء الأعلام والمواقع والمشاهد المباشرة، متخففًا من التقرير الصحفي ليركز على المعنى الرمزي للانتصار وتأثيره النفسي، مفسحًا المجال للقارئ لملء الفراغ الذهني واستحضار أبعاد التجربة الثورية بكافة أبعادها.
رابعًا: رمزية الحرمان واستخفاء الخيرات
في التفاتة نقدية لافتة، يلجأ الشاعر إلى عقاب رمزي يستدعي حجب خيرات الأرض عن الأبناء المقصرين والخاملين، فيقول:
خلِّى زيتك يستخبى مايجيناشى
يمكن الأفراح تعاود وتلاقيهم / يد واحده
المسكوت عنه هنا يحمل بُعدًا تربويًا وثوريًا؛ فالزيت بوصفه (رمز الأرض والبركة والأصالة) لا يُمنح إلا لمن يصون الشرف والوطن.
فالحجب هنا بمثابة محفز إضماري يستحث الهمم نحو استعادة الوحدة والصمود والكرامة.
خامسًا: بلاغة المفارقة والحذف الدرامي
تصل بلاغة المسكوت عنه ذروتها عند استحضار صورة الطفل المقاوم، حيث تتجلى الفجوة الأخلاقية والإنسانية بين عالمين:
طفل عمره مارحش مره للملاهى
والجميع مشغول ولاهى
يبقى أيه ده ماتقولى لى؟! / فهِّمينى
السؤال الاستنكاري هنا يمثل تنبيهًا صارخًا للفجوة الأخلاقية الشاسعة بين طفل يتقدم نحو الشهادة والكرامة بابتسامة وثبات، وبين عالم لاهٍ غارق في غفلته. والمسكوت عنه في هذه اللوحة هو حجم الفاجعة والدمار؛ إذ يمتنع الشاعر عن الوصف المباشر للمآسي وأشلاء الضحايا، ويكتفي بالمفارقة بين "ابتسامة طفل" و "ذهول العدو المدجج بالسلاح"، مما يضاعف الأثر النفسي لدى القارىء ويضعه في مواجهة حتمية مع ضميره الإنساني.
سادسًا: الصدمة والنهايات الحادة
ينتهي النص بقرارات حاسمة تجسد القوة الحقيقية للغائب في النص:
قولى إنك كنت عاقر / واطرديهم!
إن التصريح بالعُقر هنا هو إخفاء واعتراف بنفي النسب الحقيقي؛ حيث يُطلب من الأرض أن تسقط أبناءها الخاملين والمتخاذلين من ذاكرتها، وأن تدعي العُقر بدلًا من الاعتراف بانتساب أبناء عاقين لها. هذا المسكوت عنه (إنكار الأبوة) يشكل عقابًا ثوريًا يعيد تنظيم العلاقة بين الأرض والانتماء.
خاتمة
إن قصيدة "انتفاضة" للشاعر عاطف الجندي لم تستمد قوتها التأثيرية وجماهيريتها من الشعارات المباشرة أو الخطابة الرنانة، بل من قدرتها الفائقة على إدارة المسكوت عنه وتوظيف سلطة الإيماء؛ سواء أكان عبر الصمت الممتلئ بالوعيد، أم الحذف الدرامي للمآسي، أم عبر الصدمة النهائية التي تضع المتلقي وجهًا لوجه أمام مسؤوليته الأخلاقية والقومية.
لقد استطاع النص بلغته المحكية الدافئة القريبة من الوجدان أن يحول الفجوات والأسئلة الشاغرة إلى شراراتٍ حقيقية توقظ الوعي، مؤكدًا أن أبلغ الشعر وأجوده هو ما يتركه الشاعر في المساحة الفاصلة بين النص وضمير المتلقي ليستكمله بنفسه.
*
مدرس بقسم اللغة العربية- كلية الألسن- جامعة عين شمس
rokaia.mahmoud@alsun.asu.edu.eg